Wednesday, July 30, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

الوهم الأعظم

أكثر ما يثير الكآبة على رف الكتب بمكتبي كتاب قديم نُشِرَ منذ ما يقرب من قرن من الزمان، وهو كتاب للمؤلف نورمان آنجيل بعنوان " الوهم الأعظم: دراسة للعلاقة بين القوة العسكرية للأمم وبين مصالحها الاقتصادية والاجتماعية ". ولقد حاول المؤلف بهذا الكتاب أن يثبت أن الغزو العسكري قد أصبح مفهوماً عتيقاً.

كانت الحجة التي ساقها آنجيل بسيطة: في كل الحروب الصناعية الحديثة يخرج الجميع خاسرين. بطبيعة الحال، تكون خسارة الخاسرين أعظم، لكن الفائزين أيضاً يصبحون في حال أسوأ من حالهم لو كان السلام قد بقى. فكثير من الآباء والأبناء والأزواج يموتون في الحرب، كما تموت كثيرات من الأمهات والزوجات والبنات. وتتبدد ثروات كثيرة، وتتحول بنايات كثيرة إلى أطلال. والحرمان من الممتلكات يعطل حكم القانون الذي يستند إليه الرخاء الاقتصادي الصناعي الحديث. وأقصى ما يستطيع أن يدعيه الفائزون هو أن خسارتهم ليست أفدح الخسائر. إن الحرب الصناعية الحديثة كما عبر عنها الحاسب الآلي في فيلم 1982 ألعاب الحرب ، لعبة في غاية الغرابة: " السبيل الوحيد للفوز بها هو ألا تلعبها ".

في الوقت الذي ألف فيه آنجيل هذا الكتاب احتج بعض الناس بأن الحرب وسيلة مهمة لتعزيز الرخاء الوطني؛ وأن الازدهار الاقتصادي هو ثمرة للقوة العسكرية. ويعبر آنجيل في كتابه عن حيرته الشديدة فيقول: " كيف استقر في أذهان كل الساسة الألمان قبل الحرب العالمية الأولى أن ازدهار ألمانيا يستلزم بناء أسطول حربي ضخم على الرغم من أن بلاداً مثل النرويج والدنمرك وهولندا كانت تنعم بالرخاء والازدهار بدون الحاجة إلى أسطول حربي ؟". كان نورمان آنجيل يتطلع إلى المستقبل حين يأتي عصر تسوده العقلانية الدبلوماسية، حيث يدرك كل رئيس وزراء وكل وزير خارجية أن التحكيم الـمُلزِم بين الأمم يمثل استراتيجية أفضل من الحرب أياً كانت المسألة محل النزاع.

وبالطبع كان محقاً في رأيه حين قال إن الوسيلة الوحيدة لمنع أي حرب صناعية حديثة من التحول إلى مأساة مهلكة للجميع هي التوصل إلى اتفاق حول وقفٍ سريع لإطلاق النار. ولقد أصبحت الحكومات التي تنظر إلى الحرب العدوانية باعتبارها وسيلة إلى تحقيق الازدهار والرخاء نادرة منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى: الحكومة الإمبراطورية اليابانية التي شنت الحرب العالمية الثانية في منطقة الباسيفيك، وحكومة صدام حسين التي شنت حربين طمعاً في حقول النفط، من الأمثلة التي تتبادر إلى الذهن على الفور. فقد تعلمت الحكومات بشكل ما الدرس الذي ألقاه نورمان آنجيل .

ولكن الأمر الذي يجعل الوهم الأعظم أكثر الكتب على رف الكتب بمكتبي إثارة للكآبة هو أننا قد أوجدنا أسباباً أخرى تبرر لنا خوض الحروب، والأعوام التي مرت منذ ألّف نورمان آنجيل كتابه هذا شهدت أفظع الحروب وأكثرها دموية. لقد خضنا الحروب لحماية الهيمنة الاستعمارية، وخضنا حروباً أخرى لإنهاء هذه الهيمنة. كما شهدنا حروباً أهلية، وأخرى إيديولوجية. شهدنا حروب إبادة كالتي شنها هتلر والنازيون، ليس ضد اليهود والغجر فقط، بل ضد البولنديين والروس أيضاً. شهدنا حروباً عرقية، وخضنا حروباً لمنع حكومات من قتل رعاياها. في الحقيقة، لقد شهدنا حروباً دينية أكثر مما شهدها أي وقت منذ انتهاء حرب الثلاثين عاماً التي خاضتها ألمانيا في عام 1648.

ومع ذلك فما زالت هناك بارقة أمل. فمنذ حكومات الممالك القنصلية التابعة ليوليوس قيصر وحتى عام 1945، كان هناك على الأرجح في أي وقت من الأوقات جيش واحد على الأقل يعبر أو على وشك أن يعبر أو يفكر في عبور نهر الراين مدججاً بالأسلحة. لكن هذا الوضع لم يعد قائماً الآن. ومنذ ما يزيد قليلاً على القرن ونصف القرن من الزمان أبدت الولايات المتحدة استعداداً لخوض الحرب ضد القوة العظمى الوحيدة في العالم آنذاك في محاولة لتحويل فانكوفر بكولومبيا البريطانية إلى مدينة تُحكَم من واشنطن بدلاً من أوتاوا أو لندن .

فانكوفر مدينة جميلة فاتنة، وكنت أود لو كان الناخبون في كولومبيا البريطانية من مواطني الولايات المتحدة، وهذا لأنني أظن أن انضمامهم إلى جمهور الناخبين الأميركيين سيضيف الكثير من الصحة إلى العملية الانتخابية في الولايات المتحدة. ولكن لا أحد قد يرى أن هذه الفكرة تستحق أن نخوض حرباً من أجل تحقيقها. منذ قرن من الزمان ما كنا لنجد رجل سياسة في فرنسا يدافع عن السلام مع ألمانيا ويدعو إلى انفراج في العلاقات المتوترة معها، كما لن نجد في وقتنا الحاضر رجل سياسة في المنطقة العربية يدافع عن السلام مع إسرائيل ويدعو إلى انفراج في العلاقات المتوترة معها.

أرجع " الواقعيون " من أكاديميي السياسة الخارجية (الذين أرى بشكل ما أنهم ليسوا واقعيين إلى حد كبير) نهاية الخصومة الألمانية الفرنسية إلى وجود عدو أكبر تخشاه الدولتان: ألا وهو روسيا ، التي كانت مرعبة في عهد ستالين ، ومخيفة في عهد خروشوف ، ومزعجة في عهد بريجينيف . ثم أضافوا: " إذا انتهت الحرب الباردة فلسوف تعود الخصومة من جديد بين فرنسا وألمانيا، فهذا هو القدر المأساوي لسياسات القوى الدولية ". ومع ذلك فقد انتهت الحرب الباردة منذ خمسة عشر عاماً، وأصبح النزاع المسلح اليوم بين فرنسا وألمانيا بعيد الاحتمال بقدر بعد احتمال نشوب نزاع مسلح بين أميركا وكندا.

أتمنى أن تكون التبعية المتبادلة الأوروبية ـ وهي التبعية المتبادلة التي صاغها بعناية كل من جين مونيه و روبرت شومان و كونراد أدونيه ، وكل من خطوا على خطاهم ـ هي السبب الذي أدى إلى اختفاء الجيوش التي تعودت عبور نهر الراين ، وليس ذكرى الرعب الذي بثته الحرب العالمية الثانية في النفوس. إذا صح هذا، فإن الفرصة قائمة لكي يصبح عصر اقتصاد العولمة، الذي نتطلع إليه، عصراً أكثر سلماً مما كان عليه القرن العشرون. وإذا لم يصح، فليظل نورمان آنجيل بعيد الصلة عما خضنا فيه من حديث بقدر ما كان محقاً فيما قال.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured