Thursday, October 2, 2014
9

هل نتركه ينزف؟

بيركلي ــ على مدى 12 عاماً من الكساد الأعظم ــ بين انهيار سوق الأوراق المالية في عام 1929 وتعبئة الولايات المتحدة للحرب العالمية الثانية ــ كان متوسط الإنتاج في الولايات المتحدة أدنى بنحو 15% عن اتجاهه قبل الكساد، مما يعني عجزاً إجمالياً في الناتج يعادل 1,8 عاماً من الناتج المحلي الإجمالي. واليوم، حتى لو عاد الإنتاج في الولايات المتحدة إلى الناتج المستقر التضخم المحتمل بحلول عام 2017 ــ وهو احتمال ضئيل ــ فإن الولايات المتحدة تكون قد تكبدت عجزاً في الناتج يعادل 60% من الناتج المحلي الإجمالي لعام واحد.

والواقع أن الخسائر الناجمة عن ما أطلقت عليه وصف "الكساد الأصغر" يكاد يكون من المؤكد أنها لن تنتهي في عام 2017. فليس هناك معادل أخلاقي للحرب في الأفق لسحب الولايات المتحدة إلى طفرة قوية ومحو الآثار التي خلفها الانكماش؛ وعندما أنظر إلى القيم الحالية وأسقط اتجاه النمو الأدنى لاقتصاد الولايات المتحدة على المستقبل، فلا أستطيع بأي حال أن أحدد القيمة الحالية للخسارة الإضافية بأقل من 100% أخرى من ناتج عام واحد اليوم ــ بتكلفة إجمالية تبلغ 1,6 عاماً من الناتج المحلي الإجمالي. وبالتالي فإن الضرر يكاد يكون مساوياً لذلك الذي خلفته أزمة الكساد الأعظم في ثلاثينيات القرن العشرين ــ ومؤلماً بنفس القدر، حتى برغم أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الولايات المتحدة اليوم أعلى بنحو 12 ضعفاً مما كان عليه في عام 1929.

عندما أتحدث مع أصدقائي في إدارة أوباما، فإن يدافعون عن أنفسهم ونتائج الاقتصاد الكلي في الأمد البعيد في الولايات المتحدة بالإشارة إلى أن أداء بقية دول العالم المتقدم أسوأ كثيرا. وهم محقون. فأوروبا تتمنى بشدة لو كانت مشاكلها أشبه بمشاكل الولايات المتحدة.

ورغم هذا فإن استنتاجي هو أنني يجب أن أتوقف عن إطلاق مسمى "الكساد الأصغر" على الوضع الحالي. صحيح أن الشكل مختلف عن أزمة الكساد الأعظم؛ ولكن حتى الآن على الأقل، لا يوجد سبب يجعلنا نصنف الحال اليوم عند أي درجة أدنى في التسلسل الهرمي لكوارث الاقتصاد الكلي.

وتتفق سوق السندات في الولايات المتحدة معي. فمنذ عام 1975، كان متوسط القسط السنوي الاسمي على سندات الخزانة لثلاثين عاماً 2,2%: وبعبارة أخرى، على مدى عمرها يزيد العائد الاسمي على سندات الخزانة لثلاثين عاماً بنحو 2,2 نقطة مئوية عن المتوسط الاسمي المتوقع في المستقبل للمعدل على سندات الخزانة القصيرة الأجل. ويبلغ العائد الحالي على سندات الخزانة لثلاثين عاماً 3,2% سنويا، وهذا يعني أنه ما لم يكن مشتري السند الهامشي اليوم كارهاً للاحتفاظ بسندات الخزانة لثلاثين عاما، فإنه يتوقع أن يبلغ المتوسط الاسمي على سندات الخزانة القصيرة الأجل 1% سنوياً على مدى الجيل القادم.

ويحرص بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي على إبقاء المعدل الاسمي على سندات الخزانة القصيرة الأجل قريباً من 1% فقط عندما يكون الاقتصاد كاسدا، والقدرة الإنتاجية واهنة، والعمالة راكدة، والخطر الأساسي يكمن في الانكماش وليس الضغوط الصعودية على الأسعار. منذ الحرب العالمية الثانية، كان متوسط معدل البطالة في الولايات المتحدة 8% عندما يكون المعدل الاسمي على سندات الخزانة القصيرة الأجل 2% أو أدنى.

هذا هو المستقبل الذي تراه سوق السندات لأميركا: اقتصاد كاسد، إن لم يكن طيلة الجيل القادم، فعلى الأقل على مدى القسم الأعظم منه.

إذا لم تحدث ثورة شاملة في التفكير والأفراد في بنك الاحتياطي الفيدرالي وفي الكونجرس الأميركي، فإن السياسات الناشطة لن تنقذ أميركا. في الماضي، كان صناع السياسات يدركون أن الحكومة لابد أن تعمل على تكييف الإمدادات من الأصول لضمان الإمدادات الكافية من الأصول السائلة، والأصول الآمنة، وأدوات الادخار. وبهذه الطريقة فإن الاقتصاد ككل لن يكون خاضعاً لضغوط تقليص الديون وبالتالي دفع الإنتاج إلى ما دون القدرة الإنتاجية المحتملة. ولكن هذا المبدأ الأساسي في إدارة الاقتصاد الكلي ألقي به من النافذة ببساطة.

إن الغالبية من محافظي بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي يعتقدون أن التوسع النقدي العدواني بلغ، إن لم يكن تجاوز، حدود التعقل والحصافة. ويستلهم أغلب أعضاء الكونجرس الأميركي من "ثيودوريك يورك، حلاق العصور الوسطى" (عنصر رئيسي في البرنامج الكوميدي الأميركي "حياة الليل في السبعينيات"). فهم يعتقدون أن ما يحتاج إليه الاقتصاد الأميركي المعوق هو نزيف آخر في هيئة تقشف أكثر صرامة.

وكما تقول ليدي براكنيل في مسرحية "أهمية الجدية": "عندما يفقد المرء أحد والديه فقد يُنظَر إلى هذا باعتباره سوء حظ، أما أن يفقد والديه فإن هذا قد يبدو إهمالا". لقد كان من سوء حظ أميركا أن تتعرض لكارثة بحجم أزمة الكساد الأعظم؛ أما أن تتعرض لكارثة أخرى مماثلة فإن هذا يبدو حقاً إهمالاً منها.

ماذا إذن يتعين على الاقتصاديين الذين يسعون إلى تحسين العالم أن يفعلوا، إذا لم يعد بوسعنا أن نتوقع فعلياً دفع السياسة في الاتجاه الصحيح؟

عند نقطة مماثلة في أزمة الكساد الأعظم، تحول جون ماينارد كينز بعيداً عن التركيز على التأثير على السياسة، وحاول بدلاً من ذلك إعادة بناء الاقتصاد الكلي من خلال كتابة نظريته العامة في تشغيل العمالة، والفوائد، والنقود، بحيث يفكر خبراء الاقتصاد عندما تندلع أزمة في المستقبل في الاقتصاد بطريقة مختلفة وأكثر إيجابية من تلك التي تبنوها بين عامي 1929 و1933.

هذا الأسبوع، دعا الخبير الاقتصادي والمسؤول الأميركي لورنس سامرز، في محاضرة ألقاها في كلية لندن للاقتصاد، إلى إعادة بناء فِكر الاقتصاد الكلي ــ ومؤسسات العمل المصرفي المركزي وتوجهاته. وهو طموح كينزي في طبيعته، ولكن هل يمكن إنجازه؟ الواقع أننا لا نرى جون ماينارد كينز حديث في أي مكان، ولا يلوح في الأفق إجماع عالمي على غرار بريتون وودز، لإصلاح العمل المصرفي المركزي.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

Hide Comments Hide Comments Read Comments (9)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedZsolt Hermann

    There is no easy, or pleasant way to go around this: we are not in a depression, macroeconomic crisis, but we are in a system failure.
    The whole socio-economic system, based on the dream of infinite, constant, quantitative economic growth has reached dead end, since such a system is without any natural foundations, thus the model cannot be sustained within a natural system.
    This model is based on inventing and then implanting artificial desires, cravings for pleasures in people in order to keep consuming, changing goods, pleasures they do not have natural inclination, need for.
    And they are forced to keep consuming beyond their means which lead to the present unsolvable debt burden both for individuals and nations alike.
    Even if we had unlimited natural resources to drive such system, the human resources are already exhausted, indicated by rising unemployment, especially among the youth, social inequality, loss of purchasing power and confidence, not to mention other worsening social statistics related to health, family, human relationships, culture, education and so on.
    Although the article claims that there is no credible war chance on the horizon to give a reviving shock to the economy, we already have experience that the major power brokers in the world, especially the US can design and initiate a war whenever it wants to, but on one hand such adventures became more and more unpredictable in the present global, interdependent system, and since the problem is a fundamentally wrong direction for the whole of humanity, even a war could not change that unless we change ourselves, our attitude, lifestyle, and how we relate to each other.
    Now this will be the most difficult to accept in the US, since it is this country who "perfected" the constant quantitative growth model, and the "American Dream".
    But if we do not face the facts, and start understanding the closed, finite natural system we exist in, and the fully interconnected human network, meaning that the whole of humanity moves together, either developing or sinking, the worsening crisis and inevitable meltdown will force us to do the same but in much worse and highly unpredictable conditions.

      CommentedEdward Ponderer

      Paradigm shifts are very hard to recognize -- and here it is often one's very expertise in the field that set them up for not catching something completely new. It is often only the young child, eyes wide-open without prejudicial blinders that can blurt out that the emperor is naked.

      The tell-tale signs are dimensions of the problem unseen -- constants of the model that weren't -- only made known by approaching a limiting boundary.

      And we have reached the greatest such boundary ever in history and ever in any system. This being that it is the limit of the globe itself, and the system so limited is the system of all natural and man-made systems. These are now "stepping on each others toes" and so the dance no longer goes well. Point in fact, human socio-economics and Nature's homeostasis are spinning out of control and heading for a crash to the dance floor.

      This is the time not to try to fix our Harlem Shake, but to move our way into a waltz as elegantly as possible. The transition is played by playing down artificial consumerism, bring the unemployed into integral education classes under stipend, and slowly move society through a paradigm shift from every man for himself to mutual responsibility.

      In the end, distribute work according to such models as crowd sourcing -- in some way incorporating everyone in an effort of a couple of hours a day. As we see just how much wasteful duplication of efforts and ab initio needless product has been produced in the past, we'll know what direction to course correct into.

      -- And therein lay the essence of the paradigm shift, the hardest thing of all for the emperor to realize, but obvious to the child. The process will not ultimately be by simple model planning by the know-how of upper echelon experts, but rather by the seat-of-you-pants sense how of an interconnected Humanity. That is, the will to balance globally by individuals in mutually responsible connection.

      We must adapt to survive and thrive...

  2. CommentedDavid Wetzell

    I believe that we must subvert the cut-throat competitive nature of US politics so it no longer tilts to single-party rule and there are more checks and balances. The use of low-number proportional representation elections for "more local" elections seems a simple solution that would have far reaching consequences, enabling solutions to be worked out simply by changing the incentives of the major parties...

    This is a conservative solution, since we used 3-seat quasi-PR for state assembly elections in IL from 1870-1980 and it made it so neither major party could dominate the state assembly or IL politics. This can be done again (and improved on) so that there will be a trickle-up effect to make other elections more competitive. If neither major party can dominate the state assembly then neither will be able to leverage their control of the state assembly. If interests groups then have to hedge then there'll be more equity in the state-level party infrastructure that affects nat'l elections

    There will be more diversity within the major party leadership, more moderates from both parties will get elected and if an expectation is established that neither can dominate, so both will have more incentive to cooperate on many fronts, then it will spill over to change economic expectations for the USA.

    This is what I believe is the most important area for change in the USA. Campaign Finance Regulations are hard to enforce in our current system. Realistic regulations will be easier to work out if the system itself is harder for major intere$t$ to manipulate.

  3. CommentedWill Fletcher

    One slight flaw...the US is broke! Your national debt increased 75% in 5 years....do you think that will continue ad infinitum?

    Total debt, including unfunded liabilities almost $60 TRILLION..the $ will soon be dispensed in Walmart on a cardboard tube to hang in the 'rest room' - along with all other FIAT currencies.

  4. CommentedColin Wiles

    You raise many good questions but don't give any answers. Are you calling for a drift away from inflation and employment targeting and more towards a form of NGDP targeting?

  5. CommentedAvraam Dectis

    "Barring a wholesale revolution in thinking and personnel at the Fed and in the US Congress"
    -------------------------------------------------------------------------------------

    There are only about 600 people in the Congress and important FED positins.

    If every competent economist would throw his hat into the local Congressional primary, and make a good economic argument, enough would win to influence policy.

    The well known economists, no names needed, should be running for President.

    The circumstances make it the patriotic duty for competent economists to run for office.
    .


  6. CommentedJoshua Ioji Konov

    An excelent article, the observation is precise under the tricle-down used economics there is no way out of the last recession's lost of equity...., only major macroeconomic enchancements and changes coulf stir up the needed business activities to prompt faster rebuilt...

  7. CommentedRichard Foosion

    The standard counter-arguments are (1) the Fed is artificially lowering interest rates across the yield curve and (2) markets are not great at forecasting the future.

    (1) is clearly wrong. Rates are low throughout the world. Rates seem appropriate given the state of the economy.

    (2) seems could be a reason for optimism. Markets may be hard to beat, but the notion that market prices (and therefore yields) are correct is not very popular.

    Why did you choose 1975 as the base for the statement that the nominal annual premium on the 30-year Treasury bill has averaged 2.2%?

Featured