Friday, July 25, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

حوار القِـرَدة العليا

في كتابه الذي نُـشِر في عام 1869 تحت عنوان "تاريخ الأخلاق الأوروبية"، كتب المؤرخ والفيلسوف الأيرلندي دبليو. ئي. إتش. ليكي:

ذات يوم كانت المشاعر الرقيقة الخيرة تطوق الأسرة الواحدة فحسب، ثم ما لبثت الدائرة أن اتسعت لتتضمن الطبقة الاجتماعية الواحدة أولاً، ثم بعد ذلك الأمة، ثم تحالفاً من الأمم، ثم الإنسانية جمعاء، وأخيراً أصبحنا نستشعر مثل هذه الأحاسيس في تعاملات الإنسان مع عالم الحيوان...

الحقيقة أن توسيع الدائرة الأخلاقية ربما كان على وشك أن يخطو خطوة كبيرة إلى الأمام. فقد تقدم فرانشيسكو جاريدو أستاذ أخلاق الطب الحيوي وعضو البرلمان الأسباني، بمشروع قرار يحض الحكومة على "الإعلان عن تمسكها بمشروع القردة العليا، واتخاذها لأي إجراء ضروري في المحافل والمنظمات الدولية لحماية القردة العليا من سوء المعاملة، والعبودية، والتعذيب، والموت، والانقراض. لن يكون لهذا القرار قوة القانون، لكن الموافقة عليه سوف تشكل سابقة أولى تعترف بموجبها هيئة تشريعية وطنية بالوضع الخاص للقردة العليا والحاجة إلى حمايتها، ليس فقط من خطر الانقراض، بل وأيضاً من إساءة المعاملة على المستوى الفردي.

كنت قد اشتركت في تأسيس مشروع القردة العليا مع باولا كافالييري، وهي فيلسوفة إيطالية ومن المدافعين عن حقوق الحيوان، وذلك في عام 1993. وكان هدفنا آنذاك يتلخص في منح بعض الحقوق الأساسية للقردة العليا: حقها في الحياة، وحقها في الحرية، وحظر تعذيبها.

أثار ذلك المشروع الجدال، حيث زعم بعض المعارضين أننا بتوسيع دائرة الحقوق إلى ما هو أبعد من أفراد النوع البشري، نكون قد تجاوزنا حدود المعقول. بينما زعم آخرون أننا حين نقصر هذه الحقوق على القردة العليا فقط، نكون قد تخلفنا عن المدى المطلوب.

بطبيعة الحال، رفضنا الحجة الأولى برمتها. فلا يوجد سبب أخلاقي سليم يجعل الحقوق الأساسية مقصورة على أفراد نوع معين من المخلوقات. ولنفترض أننا التقينا بكائنات عاقلة ودية من خارج الأرض، فهل ننكر عليها حقوقها الأساسية لأن أفرادها ليسوا من نفس نوعنا؟ يتعين علينا على أقل تقدير أن نعترف بالحقوق الأساسية لكل الكائنات التي تظهر قدراً من الذكاء والوعي (بما في ذلك بعض مستويات الوعي الذاتي)، والتي لديها احتياجات عاطفية واجتماعية.

أما الانتقاد الثاني الموجه إلى المشروع فقد أبدينا معه تعاطفاً. والحقيقة أن مشروع القردة العليا لا يرفض فكرة إعطاء الحقوق الأساسية لحيوانات أخرى. بل إنه يهدف فقط إلى التأكيد على أن الحجج التي تقوم عليها القضية تكتسب قوة إضافية حين يتعلق الأمر بالقردة العليا. فلقد أثبتت أعمال باحثين مثل جين جودويل، وديان فوسي، وبيروت جالديكاس، وفرانس دي وال، وآخرين كثيرين، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن القردة العليا كائنات عاقلة ذكية وتتمتع بعواطف قوية تشبه عواطف البشر في كثير من الجوانب، وعلى أكثر من نحو.

فالشمبانزي، والبابون، والغوريلا من الكائنات التي تكون علاقات طويلة الأمد، ليس فقط بين الصغار وأمهاتها، بل وأيضاً بين القردة التي لا ترتبط بصلة قرابة. وحين يموت لهذه الأنواع من القردة عزيز فإنها تحزن لمدة طويلة. كما أنها تستطيع التوصل إلى حلول العديد من الأحجيات المعقدة التي يقف أمامها أغلب أطفال البشر الذين لم يتجاوزا سن الثانية من أعمارهم عاجزين. كما تستطيع هذه القردة تعلم مئات الإشارات، والجمع بينها في جمل تتبع قواعد لغوية معينة. وتبدي هذه القردة نوعاً من الحس بالعدالة، فتبدي الاستياء من الآخرين الذين لا يردون جميلاً أو معروفاً.

إننا حين نجمع بين الشمبانزي والحيات على سبيل المثال، باعتبارها من الحيوانات، فإننا بهذا نلمح إلى أن الفارق بيننا وبين الشمبانزي أعظم من الفارق بين الشمبانزي والحيات. لكن هذا محض هراء طبقاً لمقاييس علوم النشوء والتطور. فالشمبانزي والبابون من أقرب الكائنات إلى البشر، ونحن البشر ـ وليس الغوريلا أو إنسان الغاب (الأورانج أوتان) ـ أقرب الكائنات إلى الشمبانزي والبابون. منذ ثلاثة أعوام أكد فريق من العلماء، تحت قيادة ديريك ويلدمان، ضمن أعمال الأكاديمية الوطنية للعلوم، أنه قد تبين بالدليل والبرهان أن الشمبانزي شديد الشبه بالبشر من الناحية الوراثية، إلى الحد الذي يتعين علينا معه أن نضمه إلى نوع "الإنسان".

كما يحدث دوماً مع أي فكرة مهمة وجديدة، أثار اقتراح جاريدو قدراً كبيراً من المناقشات والجدال في أسبانيا. حتى أن بعض الناس يخشون أن يتعارض هذا الاقتراح مع الأبحاث الطبية. لكن البحث الأوروبي الوحيد في مجال الطب الحيوي الذي استخدم القردة العليا في الآونة الأخيرة كان تابعاً لمركز أبحاث الطب الحيوي للرئيسيات في ريدجسويجك، بهولندا. وفي عام 2002 توصلت دراسة قامت بها الأكاديمية الملكية الهولندية للعلوم إلى أن مستعمرة الشمبانزي المقامة هناك لا تخدم أي غرض بحثي حيوي. وعلى إثر ذلك قررت الحكومة الهولندية حظر إجراء أبحاث الطب الحيوي على الشمبانزي. ومن هنا فلا يوجد بحث طبي أوروبي واحد يجرى في الوقت الحالي على القردة العليا، وبهذا يكون قد انهار حاجز آخر أمام منح هذه القردة بعض الحقوق الأساسية.

تنشأ بعض الاعتراضات عن سوء فهم. ذلك أن الاعتراف بحقوق القردة العليا لا يعني أننا يتعين علينا أن نطلق سراحها جميعها، حتى تلك التي ولدت ونشأت في حدائق الحيوان، والتي لن تتمكن من البقاء في البرية. كما أن اعترافنا بهذه الحقوق لا يعني حظر "القتل الرحيم" لأي من أفرادها إذا ما كان ذلك في مصلحة ذلك الفرد الذي ربما يعاني من مرض غير قابل للشفاء، وليس لدينا من الوسائل ما نخفف بها آلامه. وتماماً كما يفتقر بعض بني البشر إلى القدرة على إعالة أنفسهم ويحتاجون إلى أشخاص آخرين يعملون كأوصياء عليهم، فكذلك أيضاً القردة العليا التي تحيا وسط التجمعات السكانية البشرية. إن توسيع نطاق الحريات الأساسية لتشمل القردة العليا يعني أننا لن ننظر إليها بعد ذلك باعتبارها مجرد أشياء يمكن امتلاكها واستخدامها في تسلية بني البشر والترفيه عنهم.

هناك مجموعة ثالثة من المعارضين الذين يعترفون بقوة الحجة التي ينبني عليها اقتراح توسيع نطاق الحريات لتشمل القردة العليا، لكن أفراد هذه المجموعة يخشون أن يكون في هذا تمهيداً للطريق لمد الحريات لتشمل كل الرئيسيات أو كافة الحيوانات. قد يكون هؤلاء على حق في مخاوفهم، لكننا لن نستطيع أن نجزم بهذا إلا بمرور الوقت. لكن هذه المخاوف ليست ذات صلة بمدى صحة أو جدارة الحجج التي تؤكد ضرورة منح القردة العليا بعض الحقوق الأساسية. ولا ينبغي لنا أن نمتنع الآن عن اتخاذ خطوة صائبة، فقط لأننا نخشى أن يظهر في وقت لاحق من يحاول إقناعنا باتخاذ خطوة صائبة أخرى.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured