Friday, July 25, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
4

السراب الأميركي العظيم

نيوهافين ــ في سبتمبر/أيلول 1998، وفي أوج الأزمة المالية الآسيوية، كان لدى ألان جرينسبان، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في ذلك الوقت رسالة بسيطة: إن الولايات المتحدة ليست واحدة للرخاء في عالم يناضل. والواقع أن هذه النقطة التي ذكرها جرينسبان أصبحت اليوم أقرب إلى وصف الواقع من الأمس.

صحيح أن اقتصاد الولايات المتحدة كان على مسار من التعافي الضعيف على مدى الأعوام الثلاثة الماضية، ولكن كثيرين يزعمون أنه يتعافى على أية حال ــ وبالتالي فإن الاقتصاد الأميركي يشكل مصدراً للمرونة المستمرة في عالم متقدم يناضل. وخلافاً للركود الأعظم أثناء الفترة 2008-2009، فهناك اليوم أمل واسع النطاق في امتلاك أميركا القدرة على البقاء على المسار وتوفير الدعم لبقية العالم في خضم أزمة اليورو.

ولكن دعونا نعيد النظر في الأمر. منذ الربع الأول من عام 2009، عندما كان اقتصاد الولايات المتحدة عند أدنى مستوياته بعد أسوأ حالة ركود يشهدها بعد الحرب العالمية الثانية، كانت الصادرات تشكل 41% كاملة من الانتعاش الذي أتى لاحقا. هذا صحيح: فمع توقف المستهلك الأميركي عن الاستهلاك في أعقاب أكبر عربدة استهلاكية في التاريخ، استمد الاقتصاد الأميركي معايشه على نحو غير متناسب من الأسواق الخارجية. ومع تعرض هذه الأسواق الآن للمتاعب فإن الولايات المتحدة قد تتبعها قريبا.

هناك ثلاث مناطق كانت تمثل مجتمعة نحو 83% من زخم النمو القائم على التصدير في أميركا على مدى الأعوام الثلاثة الماضية ــ آسيا وأميركا اللاتينية وأوروبا. (ولأن الإحصاءات التجارية الإقليمية والقطرية التي جمعتها وزارة التجارة الأميركية لا يتم تعديلها موسمياً فإن كل المقارنات اللاحقة تُعرَض على أساس مقارنة موسمية مشابهة من الربع الأول من عام 2009 إلى الربع الأول من عام 2012).

ومن غير المستغرب أن تتقدم آسيا الطريق فتمل 33% من إجمالي الزيادة في الصادرات الأميركية على مدى الأعوام الثلاثة الماضية. وكان المصدر الأكبر لهذه الزيادة راجعاً إلى 15 نقطة مئوية ساهمت بها الصين الكبرى (جمهورية الصين الشعبية، وتايوان، وهونج كونج). وغني عن القول أن التباطؤ المتزايد في الصين ــ حتى في ظل سيناريو الهبوط الناعم الذي لا زلت أعتقد أنه الأكثر مصداقية ــ يؤثر بشدة على المصدر الأكبر لانتعاش الصادرات الأميركية. أما القدر المتبقي من القوة الدافعة للصادرات الأميركية التي تقودها آسيا فهو منتشر، بقيادة كوريا الجنوبية، واليابان، وتايوان ــ وكلها اقتصادات قائمة على التصدير وتعتمد بشدة على الصين المتباطئة.

وكانت أميركا اللاتينية ثاني أكبر مصدر لانتعاش الصادرات الأميركية، فمثلت 28% أخرى من إجمالي المكاسب في المبيعات الخارجية على مدى الأعوام الثلاثة الماضية. وكانت البرازيل والمكسيك تمثلان مجتمعتان 19 نقطة مئوية من هذه الزيادة. والآن يشهد النمو في كل من الدولتين تباطؤاً كبيرا، وخاصة في البرازيل. ولكن نظراً للارتباط الوثيق بين الإنتاج المكسيكي والاستهلاك الأميركي (الذي توقف الآن مرة أخرى)، فإن أي قدر من الصمود والمرونة قد يتمتع به الاقتصاد المكسيكي قد يكون قصير الأجل.

وأخيرا، هناك قضية أوروبا المؤسفة، والتي كانت تشكل 21% من النمو التراكمي في صادرات الولايات المتحدة على مدى الأعوام الثلاثة الماضية. وهنا فإن إحصاءات وزارة التجارة الأميركية ليست مفيدة في تحديد مصدر الزخم، وذلك لأن قائمة البلدان المنشورة كانت جزئية فقط. وما نعرفه هو أن المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا ــ أو ما يطلق عليه الاقتصادات الرئيسية ــ تشكل مجتمعة 3,5% فقط من إجمالي نمو الصادرات الأميركية منذ أوائل عام 2009، في حين مثلت الولايات المتحدة القسم الأعظم من هذه الزيادة. ويشير هذا إلى أن أغلب مكاسب أميركا من الصادرات الأوروبية كانت متركزة في ما يسمى الاقتصادات الطرفية في المنطقة. وهذا يمثل بوضوح مشكلة خطيرة.

إن التوقعات محفوفة بالمخاطر دوما، ولكن بعض سيناريوهات "ماذا لو" قد تساعدنا في تسليط الضوء على كل ما يعنيه هذا بالنسبة لأضخم اقتصاد على مستوى العالم. فمنذ الربع الثاني من عام 2009، كان متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي 2,4%. ومع رجوع ما يقرب من 40% من هذه الزيادة إلى الصادرات، فهذا يعني أن نمو بقية الاقتصاد كان هزيلاً بما لا يتجاوز 1,4% سنويا.

في ظل سيناريو قائم على التصدير بمعدل ثابت لا يتغير، ومن دون أي ارتفاع في صادرات الولايات المتحدة، وإذا ظل كل شيء آخر على حاله (وهو افتراض بطولي في كل الأحوال)، فإن إجمالي نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي سوف يتقارب مع نسبة الـ1,4% المخيفة هذه. وهو منحنى نمو ضعيف بكل المقاييس ــ ومن المرجح أن يسفر عن ارتفاع معدلات البطالة والمزيد من التدهور في ثقة المستهلك.

بدلاً من ذلك، وفي ظل سيناريو انكماش التصدير باعتدال، مع هبوط الصادرات الحقيقية بنسبة 5% على مدى أربعة أرباع، فإن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي قد يهبط إلى ما دون 1%، أو عتبة "سرعة التوقف" ــ الأمر الذي يجعل الاقتصاد الأميركية عُرضة للعودة إلى الركود. وعلى سبيل الاستعانة بمرجع محدد، فإن افتراض انحدار الصادرات بنسبة 5% يتضاءل مقارنة بالتراجع الحاد الذي بلغ 13,6% من الصادرات الحقيقية أثناء الفترة 2008-2009. وعلى هذا فإن "ماذا لو" هذه تصبح بمثابة تقييم متفائل بحذر لمخاطر الجانب السلبي الناجمة عن ضعف الطلب الخارجي.

وكل هذا يؤكد على إحدى العواقب الأكثر وضوحا ــ ولو أنها موضع تجاهل ــ لعالم مترابط على نحو متزايد: فنحن جميعاً نعيش فيه معا. إن أزمة اليورو تمثل صدمة شديدة، وهي الآن تنتج تأثيرات تنتشر أمواجها إلى مختلف أنحاء العالم. وتُعَد أوروبا المصدر الأكبر للطلب الخارجي لدى الصين المعتمدة على التصدير؛ وكما تسير الصين فإن بقية آسيا التي تتمحور حول الصين تسير على خطاها؛ ومن هناك تصل موجات الصدمة إلى شواطئ الاقتصاد الأميركي المعتمد على التصدير على نحو متزايد. وكما يشير الضعف الأخير في تشغيل العمالة ومبيعات التجزئة، فلعل هذا بدأ يحدث بالفعل.

لقد جاء تحذير جرينسبان في عام 1998 في وقت حيث كانت صادرات الولايات المتحدة تشكل نحو 10,5% فقط من الناتج المحلي ا��إجمالي. واليوم بلغت هذه الحصة 14%، وهي نسبة غير مسبوقة، بعد أن راهنت أميركا في مرحلة ما بعد الأزمة على الانتعاش القائم على التصدير. والواقع أن التباطؤ العالمي الحالي لا يشبه ما حدث في أواخر تسعينيات القرن العشرين، أو الصدمات الأكثر إيلاماً التي حدثت قبل ثلاثة إلى أربعة أعوام ــ أو على الأقل ليس بعد. ولكن لا يجوز لنا أن نعتبر الانكماش العالمي اليوم أمراً لا يشكل أهمية بالنسبة للولايات المتحدة أو أي كيان اقتصادي آخر.

في عصر العولمة لا يوجد متفرجون أبرياء. ولا يوجد بكل تأكيد واحات من الازدهار والرخاء في مواجهة صدمة أخرى كبرى في الاقتصاد العالمي. ويشكل سراب النمو ي أميركا مثالاً وثيق الصلة.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (4)

Please login or register to post a comment

  1. Commentedsrinivasan gopalan

    If internalization of production and services of skilled people helped and are still helping fire America's export Juggernaut, the reasons for its internal restiveness about the problems plaguing the American economy could not be answered with any justification. The free trade bastion which has been the major prop for the erstwhile GATT and its next avatar the WTO at least in its first decade since its advent in 1995 is now a reluctant supporter of the WTO. This is borne out in not sealing a deal to the long-delayed Doha Round of trade talks set off in November 2011As long as this is not recognized and remedied before long, the problems plaguing the developed countries would only persist and worsen further. The global community in general and the United States in particular can no longer afford to keep themselves off from the virtues and the attendant gains of multilateral cooperation in their own enlightened self-interest. It is the lack of perspicacious vision to evolve a collective solution to the global common problems that has been the sole factor in the current shambles in which many advanced countries find themselves with the emerging economies in tow! It is time international cooperation is made feasible in an inter-connected universe where globalization and liberalization had gone too far to effect any unilateral remedy by any one country, however puissant it may be! G.Srinivasan. New Delhi

  2. CommentedProcyon Mukherjee

    I cannot quite agree that exports alone hold the key to the future as we need to look at the quality of this export, how intensive it is in the labor component is also equally important. What we see today is an export of capital, which is fueled by an enormous amount of liquidity in the system.

    The soaring bond prices and near zero yields is as much a reflection of liquidity preference as lack of credible investment option that has a clear future; the range of uncertainty is no way diminished by the flow of money, in fact it is adding to it. But treasury bonds are a different story. Even if I assume that a bulk of the preference for treasury bonds stems from those who want to create insurance for its currency, we have seen actually that these currencies have been depreciating, like the Yuan or the Rupee. This leads one to the stunning inference that America has become the chief exporter of capital to the external world for buying labor (both skilled and unskilled) at the cheapest possible cost. The acceleration of this activity (export of capital and import of labor) effectively boils down to heightened unemployment within the national territory and a downward wage spiral, which is also the very reason why inflation is tamed at its best.

    By higher capital export that is used in cheaper labor imports, we do not see how America will progress. We are adding to labor surplus.

    Procyon Mukherjee

      CommentedJim Nail

      Completely agree, Procyon. Export composition is key. I still maintain that we should focus on net exports rather than on exports per se, anyway. There must be a middle ground that allows global companies to seek low costs, while still allowing broad-based US manufacturing to exist.

      CommentedWilliam Hampton

      I agree. You hit the nail on the head. I would hope that it back fires and these cheap labor sources start becoming serious competitors to our corporations. At least maybe this could cause the reduction of soaring prices. I that unlike labor, big money seems to be unionized, I doubt this will happen.

  3. CommentedWilliam Hampton

    I have a question. If an American company manufacturing from China sells their products to Germany are those products considered exports of American products or Chinese products? How do these products made in China by American companies help the American economy as much as products made in the USA? Where are the materials from and produced that are used to make products made in China by American companies? etc, etc, etc. I do not see any economists talking about this, and how it is affecting this country. It seems to me there should be a distinction between those products made in China and ones actual made in America. Maybe it is not important or I am not reading enough.

      Commentedpeter fairley

      reply to Will Hampton. quote: "the monthly figures for the trade deficit are significantly overstated, says a Federal Reserve Bank economist(1999).

      The U.S. Census Bureau, which is responsible for trade data, says that a major component of the trade deficit called the merchandise trade deficit overstates the gap between imports and exports of goods.

      The Census believes that merchandise exports are probably understated by 3 percent to 7 percent, but possibly as much as 10 percent.
      Since there is no evidence of similar errors in import data, Census estimates the merchandise trade deficit was overstated by as much as 34 percent in 1997.
      Until the Census began basing figures on exports to Canada on that country's import data, in 1990, it was estimated that exports to Canada were understated by as much as 20 percent.

      A major reason the data are flawed is because Census bases merchandise trade figures on the paperwork importers and exporters file with the U.S. Customs Service -- but exporters are not required to file paperwork for shipments valued at less than $2,500. Instead, Census relies on a survey to estimate the fraction of total trade in these small shipments; but the most recent survey was conducted almost 10 years ago.

      Since then, the market share of small shipments has changed relative to large ones, due to such things as the boom in inexpensive air cargo services; but the magnitude of the shift is unknown.

      Source: Joseph A. Ritter, "An Overstated Headline," National Economic Trends, July 199, Federal Reserve Bank of St. Louis
      http://www.ncpa.org/sub/dpd/index.php?Article_ID=11444

      CommentedKevin Lim

      No simple answer. Here is a primer

      http://en.wikipedia.org/wiki/Rules_of_origin

      A simple example. If I imported unpainted toy trains into USA from China, and painted/packaged them in USA, its unlikely any body would be willing to certify them made in the USA. Where it gets tricky is where the components are split up and from all over. Say I get thet train wheels from a supplier in Brazil, the chasis from China, and the electronics from Germany, and I assemble them altogether in a plant here in USA. Whether I can label it made in the USA (or China, Germany, Brazil) depends on what are the tariff classifications of the components and the finished product under the Harmonised System.

      It can get pretty complex and its a fertile ground for litigation as manufacturers try to squeeze into a domestic origin for tariff purposes.

      Sounds confusing? It is.

  4. CommentedManmohan Manu

    Good article . I work for McGladrey and there's a guide on exporting on the website ( http://bit.ly/HdWo1R ) with insights from surveys and industry experts .

Featured