Exit from comment view mode. Click to hide this space
Email | Print

التبعات الحسنة للتجربة العراقية

إن التوفيق بين أخلاقيات مجتمع ما ونظمه، أو بكلمات أخرى التوفيق بين الأخلاق و السياسة هو أحد أقدم طموحات الجنس البشري. وقد كان حمورابي ورمسيس الثاني و سولون وكونفوشيوس وبيرقليس من أوائل العظماء الذين انكبوا على تأدية هذا الدور. وقد يوحي ظهور الدول القومية في القرن الثامن عشر وأقصى حدود البربرية المتطرفة التي ظهرت في القرن العشرين بأن السياسات الأخلاقية هي حلم غير قابل للتحقيق، أو على الأقل بأنها حلم تزداد صعوبة تحقيقه كلما اقتربنا من المستقبل.

ولكن وعلى الرغم من تناحر الأمم ودموية الحروب الحديثة، ما تزال الديمقراطية قيد الانتشار. وفعلاً، وفي ما يقل عن نصف قرن؛ استطاعت أمريكا اللاتينية أن تحرر نفسها من الجيوش العسكرية الفاسدة ومن الديكتاتوريات المدنية، واستطاعت أفريقيا أن تستأصل أكثر من نصف طغاتها الذين شوهوا وأفسدوا عهود استقلالها.

تمثل الديمقراطية مقارنة بكل نظم الحكم السياسية التي عهدها الجنس البشري تقدماً أخلاقياً يزيد بمستوى الضعف عن هذه النظم وذلك لأنها أولاً؛ تقوم على أساس احترام حقوق الإنسان. وثانياً؛ لأن أحد أهم مبادئها الأساسية يقوم على أساس تبني فلسفات تقول بمنع تجاهل أو اضطهاد الأقليات.

وعلى الرغم من أن التطور نحو مزيد من الديمقراطية والأخلاق في الشؤون العالمية بطيء جداً؛ إلا أن السنة 2004 قد تترك للتاريخ بعضاً من أهم التطورات التي شهدتها الإنسانية في هذا المجال.

إذ يذخر الجو بعلامات التقدم والأمل. فقد أطيح بحكومة اسبانية لأنها كذبت على الناس بخصوص التفجيرات الإرهابية التي استهدفت محطة قطارات مدريد في الربيع الماضي. كما يواجه جورج دبليو بوش وطوني بلير الكثير من المشاكل مع منتخبيهم وذلك لأنهما كذبا فيما يتعلق بمبررات حربهما على العراق.

تبدو الديمقراطية بخير في البلدان النامية أيضاً. فالعملية الديمقراطية في اندونيسيا مثلاً تعكس مستويات عالية من المصداقية والإنصاف لم تشهدها هذه البلاد قبلاً. وتعمل الجزائر والمغرب على تقوية حقوق المرأة فيهما. وتبدو تركيا ملتزمة بتقديم جهد ضخم لتحسين حقوق الإنسان، وحرية الفكر ومعاملة السجناء، ولتحسين السيطرة لمدنية على الجيش.

حتى الصين التي بدت عصية على الفكر الديمقراطي، بدأت تكتشف أهمية الاستماع إلى مواطنيها ـ وخصوصاً بعد الانتشار الخطير لمرض الإيدز ـ وبدأت تكتشف أهمية الدعم الشعبي لتبرير أفعال الحكومة. وحتى أمريكا التي تحمل على عاتقها المعاملة المرعبة والتعذيب اللا إنساني للسجناء العراقيين؛ وجدت نفسها مرغمة على البحث عن الشرعية الدولية التي رفضتها وأنكرتها ردحاً طويلاً من الزمن، وذلك في سبيل انتشال نفسها من الفوضى والدراما التي يقوم عليها الوضع العراقي اليوم.

وقد شهدت إسرائيل اهتزاز شرعية جدارها العازل وشرعية مساره الذي يمر في الأراضي الفلسطينية وذلك عند مساءلتها ـ بشكل مختلف ولكن متوازي ـ من قبل جهتين هما المحكمة العليا الإسرائيلية ومحكمة العدل الدولية. وسوف لن تستطيع إسرائيل أن تتجاهل الأحكام التي ستصدرها هاتان المحكمتان بشكل كامل.

أما في أفريقيا فإن استبدال منظمة الوحدة الأفريقية بالاتحاد الأفريقي إنما هو خطوة تعبر عن الجهود العملاقة التي تبذلها أفريقيا في سبيل التحكم بالصراعات التي تعصف بالقارة وفي سبيل نشر الرقابة على تنفيذ قوانين حقوق الإنسان وهي خطوة مع الجهود المبذولة للحد من الفقر.

وعلاوة على ذلك نجد بأن الرأسمالية بحد ذاتها تتعرض للضغوط على جميع المحاور، وتبدو بأنها تواجه غضباً متزايداً ضد الرشاوى التي يتلقاها الرؤساء وضد التكهنات المحفوفة بالمخاطر وضد الاحتيال العلني.

إن تأسيس محكمة الجرائم الدولية كان فعلاً داعماً لكل الجهود التي سبق ذكرها، وذلك في سبيل إخضاع كل مستغلي السلطة في العالم للمحاكمة والمحاسبة.

إذاً، وعلى الرغم من الحرب في العراق، وعلى الرغم من المظهر الخارجي لأهمية المؤسسات الدولية؛ إلا أن القرن الواحد والعشرين قد يجلب تحسناً عالمياً في أخلاقيات السياسة أسرع بكثير من أي زمن مضى. ولكن حتى ولكن السياسات الجيدة تحتاج إلى أكثر بكثير من الأخلاق وحدها حتى يتحقق هذا التوجه؛ إن على الدول أن تبدأ بتفسير أفعالها التي تتعلق بالأمن والاستقرار والتي تجعل من انعدام الثقة بين الدول أمراً محتوماً. لن تختفي "مبررات الدولة" تماماً، ولكن وعلى الأقل سوف تخضع مبررات الدول للكثير من المحاسبة والتبرير من قبل الشعوب إذا أردنا للديمقراطية أن تتقدم.

Reprinting material from this Web site without written consent from Project Syndicate is a violation of international copyright law. To secure permission, please contact us.

Exit from comment view mode. Click to hide this space

Comments (0)

You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.

Show comments of
close

The two commenting options explained

Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.

1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.

2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.

Top Project Syndicate commentaries

Email this article

Your name is required.

Your email is required.


Your friend's name is required.

Your friend's email is required.


A message is required.