تُـعَـد المنازل السكنية أكثر الاستثمارات محلية، وهي كأنها تضرب بجذورها في مكان ما مثل الشجرة، فتزدهر أو تهلك تبعاً للظروف الاقتصادية المحلية. والعالم بالكامل يمر سريعاً على شاشات التلفاز لدينا، لكن السوق التي نشتري منها أو نبيع فيها مساكننا، والتي تكاد تتألف بالكامل من هواة محليين، تظل راسية على الأرض في ساحتنا الخلفية.
ولكن في وقت قريب قد يتغير كل هذا. ففي غضون شهر من الآن تعتزم بورصة شيكاغو التجارية (CME) بالتعاون مع شركة "ماكرو ماركتس" (MacroMarkets) التي أسستها ، علاوة على شركتي "فايسيرف" (Fiserv) و(Standard & Poor’s)، إصدار عقود سندات آجلة (futures) أو اختيارية (options) لأسعار المساكن في عشر مدن في الولايات المتحدة. ولسوف يتم تسوية العقود وفقاً لمؤشر S&P/Case-Shiller لأسعار المساكن، والذي جاء نتيجة لعمل أكاديمي بدأناه أنا وزميلي كارل كيس منذ ما يقرب من عشرين عاماً. ولقد ظللنا لأعوام عديدة نقوم بحملات ترويج لسندات الإسكان الآجلة، لكننا لم نجد أي بورصة أوراق مالية راغبة في استخدام مثل هذا المؤشر لتأسيس سوق للسندات الآجلة حتى الآن.
إن الأسواق الآجلة لأسعار المساكن من شأنها أن تسمح للمستثمرين في كل أنحاء العالم بالاستثمار في مساكن الولايات المتحدة بصورة مباشرة، من خلال شراء حصص قانونية فيها عبر هذه الأسواق. ولسوف يكون المستثمر في باريس، أو طوكيو، أو ريو دي جانيرو قادراً على الاستثمار في مساكن يشغلها مالكوها في نيويورك، ولوس أنجلوس، ولاس فيغاس.
والمبدأ الأساسي فيما يتصل بالنظرية المالية ـ "التنويع" أو "نشر المجازفة" ـ يعني ضمناً تزايد الاهتمام بهذه العقود الجديدة. فالأشخاص والشركات التجارية في نيويورك، على سبيل المثال، معرضون بصورة مفرطة للمجازفات الخاصة بالعقارات السكنية المحلية، لذا يتعين عليهم أن يسعوا إلى تقليص هذه المجازفة من خلال بيع سندات آجلة لأسعار مساكن نيويورك. ولسوف يتحمل أشخاص في طوكيو قدراً من هذه المجازفة عن طريق شراء سندات أسعار مساكن نيويورك الآجلة إذا كان السعر مناسباً لهم. ويظل أهل نيويورك مقيمين في مساكنهم، ولكن بعد أن تمكنوا من نشر مجازفتهم الاستثمارية على مستوى العالم.
منذ عام 1991 لم يحاول أحد إنشاء سوق آجلة حقيقية للمساكن ذات الأسرة الواحدة، وذلك بعد أن فشلت بورصة لندن للسندات الآجلة والسندات الاختيارية (التي اندمجت الآن مع Euronext.liffe) في جهودها الرامية إلى إنشاء مثل هذه السوق في بريطانيا. لم تنجح تلك التجربة في توليد قدر كبير من التجارة. حتى أن البورصة أقامت حفلاً لم يحضره أحد. كما لم تصادف أسواق (spread-betting) البريطانية لأسعار المساكن، وبعض أسواق التجزئة على المواقع المباشرة على شبكة الإنترنت، قدراً كبيراً من النجاح.
تُـرى هل سيختلف الأمر هذه المرة؟ مما لا شك فيه أن إنشاء سوق جديدة يعد دوماً اقتراحاً أو عرضاً لا يشتمل على قدر كبير من اليقين: فالناس لا تحب الذهاب إلى الحفلات إلا إذا تأكدت من ذهاب أناس كثيرين غيرهم؛ وإذا علموا أن أحداً لن يحضر، فلن تجد لديهم الرغبة في الذهاب. وعلى نحو مماثل، ففي الأسواق التي تضم عدداً قليلاً من المستثمرين، يكون من الصعب تنفيذ القدر الكافي من الصفقات لتوليد العائدات المطلوبة لاجتذاب المستثمرين. وبينما يصدق هذا في أغلب الأحوال بالنسبة للحفلات الكبرى، فقد يكتنف بعض الغموض مدى نجاح الأسواق الجديدة في الشروع في العمل، لكننا نعلم أن هذا يحدث من وقت إلى آخر.
تشير الدلائل الأولية إلى اهتمام متنامٍ بالمتاجرة في سندات أسعار المساكن الآجلة، خاصة وأن الإكثار من الحديث عن "فقاعة الإسكان" يؤدي إلى إضعاف أهمية تنويع المجازفة. وبعد إعلان بورصة شيكاغو التجارية، ذكرت إحدى الأسواق المنافسة لها، وهي بورصة شيكاغو للسندات الاختيارية، أنها تخطط لإصدار عقود سندات آجلة واختيارية في المناطق الرئيسية في الولايات المتحدة، على أساس متوسط أسعار المساكن المنشورة بواسطة الاتحاد الوطني للوسطاء العقاريين.
ولكن فضلاً عن الاهتمام العام القوي بالاستثمار في الإسكان وتخفيف المجازفة الخاصة بالإسكان، هناك قضية أخرى على قدر كبير من الأهمية ولابد من حلها إذا كنا نريد النجاح لأسواق المساكن الآجلة: وتتلخص هذه المسألة في ضرورة الكشف عن الأسعار، وضرورة فهم المستثمرين لمعنى هذه الأسعار.
وأنا أعتقد أن الفرصة قائمة في أن تتنبأ العديد من هذه الأسواق الآجلة بهبوط كبير في الأسعار في بعض مدن الولايات المتحدة في غضون العام القادم. وهذا ما يطلق عليه المضاربون "الميل إلى التراجع": حيث يكون السعر المستقبلي المعلن في السوق اليوم أقل من الأسعار الحالية للمساكن. وقد لا يظهر هذا الميل إلى التراجع في اليوم الأول للمضاربة على سندات الإسكان الآجلة، ولكن هناك فرصة كبيرة أن يحدث ذلك في ظرف بضعة أشهر.
قد نكون في حاجة إلى الميل إلى التراجع في بعض هذه الأسواق حتى تتمكن من أداء الوظيفة المطلوبة منها كما ينبغي. فالجميع يدركون أن العديد من هذه المدن شهدت ازدهاراً كبيراً لسوق العقارات السكنية (وفي أماكن أخرى من العالم) خلال السنوات الأخيرة. وليس من المرجح أن يرغب المستثمرون الدوليون في الاستثمار في هذه المدن ما لم تكن توقعات انحدار الأسعار من العناصر المكونة للأسواق الآجلة، كما يدرك الناس في طوكيو نتيجة للتجارب المريرة التي مروا بها. ولكن إذا كان الميل إلى التراجع قوياً بالدرجة الكافية، فإن المستثمرين، بما فيهم أولئك الذين يعتقدون أن سوق الإسكان في الولايات المتحدة تتجه نحو الهبوط، سوف تظل لديهم القدرة على توقع عائد جيد من سندات أسعار الإسكان الآجلة، وذلك لأنهم يحصلون بالفعل على أسعار مخفضة في أسواق الإسكان الآجلة.
على الرغم من ذلك، سوف يتطلب الأمر بعض التكيف من قِـبَل أهل نيويورك الذين يسعون إلى احتواء استثماراتهم في العقارات السكنية من أجل بيع العقود الآجلة التي تتضمن بين عناصرها مسألة الهبوط في الأسعار. ولسوف يكون لزاماً عليهم أن يتعودوا على فكرة توقع السوق لهبوط الأسعار، وأنهم يستطيعون حماية أنفسهم فقط في إطار ذلك الهامش من الهبوط المحتمل في الأسعار الآجلة التي تتجاوز هذه التوقعات.
الحقيقة أن مثل هذا التعديل في أسلوب تفكيرنا من المرجح أن يحدث حين نرى بالفعل أسعار الأسواق الآجلة. حتى الآن كان مسار المستقبل فيما يتصل بأسعار العقارات السكنية مجرد مسألة اختلاف في الرأي. وحين تنجح الأسواق في خلق إجماع دولي على الأسعار الآجلة للمساكن في المدن في كافة أنحاء العالم، فلسوف نكون أكثر قدرة على إدارة المجازفات التي تواجه هذه المدن، وبالتالي العمل على استقرار اقتصادها ـ وحياتنا.


Comments (0)
You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.
The two commenting options explained
Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.
1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.
2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.