براغ ـ من بين الركائز الأساسية التي تقوم عليها البنية السياسية الأوروبية ذلك الإيمان القوي الثابت بالشرعية العالمية لحقوق الإنسان المتساوية الشاملة غير القابلة للتصرف أو التنازل. وفي الجوهر من هذا يكمن الإيمان بحق البشر في حياة حرة حيث تحظى كرامتهم الإنسانية بالحماية.
في السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية أصبح هذا المفهوم أساساً للهوية الروحانية والسياسية لأوروبا، وبالتالي فقد اشتملت على هذا المفهوم كل الوثائق المؤسسة للاتحاد الأوروبي. بطبيعة الحال، هذا لا يعني أن الاتحاد الأوروبي قد يكون راغباً في غزو أو قهر بقية العالم باسم فرض قيمه وقواعده وثقافته على باقي البشر. بل إن الأمر بعيد عن هذا كل البعد، فإخلاص أوروبا للإنسانية يعني العزيمة الصادقة تحت كل الظروف، والإصرار على الصمود وعدم التخلي عن المبادئ الأساسية للحضارة الأوروبية والوحدة الأوروبية. ونتيجة لهذا فإن أوروبا تؤكد بشكل أساسي على عالمية حقوق الإنسان وحرياته.
لا شك أن حقوق الإنسان والحريات المدنية ما زالت في أماكن كثيرة من العالم تُـداس بالأقدام: في كوريا الشمالية، وإيران، وبورما، والتبت، وزيمبابوي، وغيرها. ومن المقرر أن يجتمع مجلس الشئون العامة والعلاقات الخارجية التابع للاتحاد الأوروبي هذا الأسبوع لمناقشة العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وكوبا، مرة أخرى.
وعلى الرغم من رسائل التذكير المتكررة من جانب الاتحاد الأوروبي، فإن الحكومة الكوبية لم تستجب لأيٍ من المطالب التي دأب الاتحاد الأوروبي على حثها على الاستجابة لها لعدة سنوات ـ وفي مقدمتها إطلاق سراح المسجونين السياسيين والكف عن اضطهاد جمعيات المجتمع المدني المستقلة والمعارضين السياسيين للنظام الحاكم. بل لقد استمرت الحكومة الكوبية في احتجاز سجناء الضمير والرأي وتجريم مطالبتهم إياها بالسماح بحوار يشمل المجتمع الكوبي بالكامل.
في هذا العام تحتفل الشعوب الأوروبية بالذكرى السنوية العشرين لسقوط الستار الحديدي الذي كان ذات يوم يقسم أوروبا إلى قسمين. والواقع أن بقاء الستار الحديدي مضروباً حول كوبا بعد مرور عشرين عاماً على هذا الحدث التاريخي يجعل من هذه الذكرى مناسبة مثيرة للمشاعر.
لا شك أن السياح الذين يؤمون شواطئ كوبا لا يعلمون بوجود هذا الستار الحديدي. ولكن بصرف النظر عن هذا الجهل وعن المصالح الاقتصادية للاتحاد الأوروبي، فلابد وأن يصر الاتحاد على إطلاق سراح المسجونين السياسيين والاستعانة بكافة المؤسسات الدولية في ممارسة الضغوط على الحكومة الكوبية لحملها على احترام حقوق الإنسان والحقوق المدنية للشعب الكوبي. ويتعين على الساسة والمفاوضين الأوروبيين في إدارتهم لأي مفاوضات مع قادة كوبا أن يذَكِّروا شركاءهم الكوبيين بالتزاماتهم. كما يتعين عليهم أن يكونوا على اتصال دائم بمؤسسات المجتمع المدني في كوبا وأن يحرصوا على التأكيد لها على تضامنهم مع أسر المسجونين السياسيين.
إن أوروبا تدرك من خلال التجارب التي مرت بها في القرن العشرين حجم الكوارث التي قد تتولد عن التنازل لقوى الشر. والحقيقة أن تاريخ القرن العشرين يشكل درساً مستفاداً في هذا السياق. فقد دفعت أوروبا مراراً وتكراراً ثمناً باهظاً للاستسلام لسياسات التنازل والتسوية مع قوى الشر، وهي السياسات التي أملتها عليها مصالحها الاقتصادية، فضلاً عن وهم مضلل مفاده أن الشر قد يختفي من تلقاء ذاته إذا ما استرضيناه. ولا ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يعود أبداً إلى الوقوع في هذا الخطأ.


Comments (0)
You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.
The two commenting options explained
Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.
1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.
2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.