Friday, September 19, 2014
0

الاختبار التالي لمجموعة العشرين

بروكسل ـ إن اجتماع وزراء مالية مجموعة العشرين هذا الشهر في بوسان بكوريا الجنوبية، ثم اجتماع رؤساء الحكومات في وقت لاحق من هذا الشهر في تورنتو، يشكل لحظة تحول اللاعبين الرئيسيين في الاقتصاد العالمي من تحفيز الموازنات إلى خفض الإنفاق. ولا نستطيع أن نزعم أن الجميع يتفقون على تأييد هذا التحول.

فقبل اجتماع بوسان، حَذَّر وزير مالية الولايات المتحدة تيم جايثنر من "تحرك معمم غير مميز نحو دفع خطط الدمج إلى الأمام"، كما شدد على ضرورة "المضي قدماً بما يتفق مع خطوات تعزيز تعافي القطاع الخاص". غير أن وزراء المالية الآخرين لم يرددوا تحذيرات جايثنر، بل أكدوا على "أهمية التمويل العام المستدام" وضرورة اتخاذ "التدابير الكفيلة بتحقيق الاستدامة المالية". ولكننا لم نشهد تأكيداً على استراتيجيات الخروج التدريجية الحذرة؛ أما البحث عن إعادة التوازن فيكاد يكون غير ملحوظ في بيان الاجتماع.

وهذا التغير يؤثر على أوروبا في المقام الأول والأخير. فقبل اجتماع بوسان بفترة وجيزة أعلنت بلدان جنوب أوروبا عن جهود توحيد كبرى على أمل تهدئة أسواق الديون. وبعد ذلك مباشرة أعلن رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون عن "أعوام من الآلام في انتظارنا"، وكشفت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عن الخطوط العريضة لخطة التقشف التي بلغت قيمتها مائة مليار دولار أميركي، كما أعلن رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا فيون عن خطة مماثلة بقيمة 80 مليار دولار.

إن البلدان المتقدمة تواجه موقفاً كئيباً فيم يتصل بالموازنات، حيث بلغ متوسط العجز 9% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2009، وارتفعت توقعات نسب الديون العامة من حوالي 70% من الناتج المحلي الإجمالي قبل الأزمة إلى أكثر من 100% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2015. وطبقاً لحسابات صندوق النقد الدولي فإن الوصول إلى نسبة ديون تبلغ 60% بحلول عام 2030 سوف يتطلب تعديل الموازنات بما يعادل تسع نقاط مئوية من الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط أثناء الفترة من عام 2010 إلى عام 2020. ورغم أن بعض البلدان تعهدت في الماضي بتعديلات مماثلة من حيث الحجم، فإن التوحيد المعمم من هذا القبيل لم يسبق له مثيل.

ولكن إلى أي مدى قد تكون هذه التعديلات مؤلمة؟ في الماضي كانت بعض البلدان تتمتع بقدرة على التوحيد والدمج على نحو لا تتخلله الدموع والآلام، وذلك لأن إطلاق برامج التقشف كان يأتي مصحوباً بهبوط كبير في أسعار الفائدة الطويلة الأجل، أو انحدار في المدخرات الخاصة، أو ارتفاع في الصادرات بفضل انخفاض أسعار الصرف (أو كل هذا في نفس الوقت). ولكن الظروف اليوم تتسم بانخفاض أسعار الفائدة وارتفاع الديون الخاصة، ذلك فإن أياً من ذلك من غير المرجح أن يساعد، ربما باستثناء التأثيرات الناجمة عن تعديل أسعار الصرف. والواقع أن خفض أسعار الصرف قد بدأ بالفعل بالنسبة لأوروبا، ويرى العديد من المراقبين أن هبوط سعر صرف اليورو من 1,5 دولار في أواخر عام 2009 إلى 1,2 دولار في الأيام الأخيرة كافٍ للتعويض عن التأثير السلبي على النمو نتيجة لخطط التقشف.

بيد أن هذا لن يفلح إلا إذا امتنعت الولايات المتحدة عن السير على نفس الخطى واستمرت في الاضطلاع بدور مستهلك الملاذ الأخير. وقد لا يحدث هذا. بل وحتى إذا حرصت الولايات المتحدة على تأخير خطط التقشف فإن الكونجرس الأميركي من غير المرجح أن يتسامح مع رفع قيمة الدولار الأميركي على النحو الذي يجعل الصادرات الأوروبية أكثر قدرة على المنافسة ويحول أعباء دعم التعافي إلى المستهلكين الأميركيين.

والأهم من ذلك أن أسواق السندات المتزايدة التوتر قد تبدأ عند نقطة ما في التشكيك في مدى استدامة القدرة على تدبير التمويل العام في الولايات المتحدة. ذلك أن الموقف المالي في الولايات المتحدة ليس بأفضل من موقف البلدان الأوروبية الكبرى مثل ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة؛ بل إنه في واقع الأمر أسوأ بعض الشيء. ولأن الاتحاد الأوروبي مجزأ فقد بدأت الأسواق في التساؤل حول قدرة البلدان الأضعف في الاتحاد على سداد ديونها، وكانت أوروبا أول من يعاني من الضغوط لأنها لم تعد تستفيد من تأثير الملاذ الآمن.

ومن حسن الحظ أن موقف التمويل العام مختلف تمام الاختلاف في بلدان العالم النامي، التي تعرضت في بعض الحالات لصدمة انعكاس اتجاه تدفق رؤوس الأموال نتيجة لانهيار التجارة العالمية، ولكنها لا تواجه التحدي المتمثل في التعديلات الداخلية. ورغم أن ازدهار الائتمان المحلي قد يشكل تهديداً في المستقبل، فإن بنوك الأسواق الناشئة ظلت في الأغلب محصنة ضد تداعيات الأزمة المالية. ونتيجة لهذا فإن القطاعات المحلية غير المالية في هذه البلدان لا تواجه ضرورة خفض الديون.

والأهم من ذلك أن التحدي المالي بالنسبة لهذه البلدان أخف كثيراً من التحدي المماثل في بلدان العالم المتقدم؛ بل إنه يكاد يكون معدوماً. والواقع أن نقطة البداية هناك تبدأ عند نسبة 40% من الدين إلى الناتج المحلي، فضلاً عن ذلك فإن العجز في الميزانية كحصة من الناتج المحلي الإجمالي أدنى من مثيله في البلدان المتقدمة بما لا يقل عن أربع نقاط مئوية. و��لى خلفية احتمالات النمو الأسرع، فإن الأمر لا يتطلب سوى أقل قدر من الجهد من قِبَل بلدان الأسواق الناشئة للحفاظ على نسبة الدين حول مستوى 40%.

ولكن ماذا لو دخلت أوروبا والولايات المتحدة مرحلة طويلة الأمد من التكيف المالي في حين استمرت البلدان الناشئة على مسارها الحالي؟ وماذا لو اتسعت شقة التباين بين الشمال والجنوب في إطار مجموعة العشرين؟

هناك أربع عواقب محتملة.

فأولاً، سوف تنشأ ضغوط كبيرة على النمو العالمي. وأياً كانت محاولات بلدان العالم الناشئ لدعم الطلب المحلي وإعادة توجيه الصادرات من البلدان المتقدمة إلى البلدان الناشئة الأخرى، فإن أفيال أوروبا والولايات المتحدة (ناهيك عن اليابان) أضخم من أن يتسنى احتواء العلل التي تعاني منها وتخفيف تأثيرها على النمو العالمي.

وثانياً، سوف يتسع الفارق في النمو بين البلدان الناشئة والمتقدمة، وهو ما من شأنه أن يؤدي بدوره إلى تكثيف تدفقات رأس المال والعمالة الماهرة نحو بلدان العالم النامي.

وثالثاً، سوف تحتاج البلدان المتقدمة إلى دعم نقدي، وهو ما يعني ضمناً أسعار فائدة منخفضة لأعوام مقبلة، في حين سوف تكون الاحتياجات النقدية مختلفة تمام الاختلاف. ومن المحتم أن يؤدي هذا إلى انحلال روابط أسعار الصرف تحت الضغوط، حيث يصبح من غير الممكن أن تظل نفس السياسة النقدية مناسبة للمنطقتين.

أخيراً، وبدلاً من إدارة تحديات مشتركة كما كانت الحال في عام 2009، فإن بلدان مجموعة العشرين سوف تضطر إلى إدارة الاختلافات الناشئة فيما بينها. وهذا من شأنه أن يشكل اختباراً كبيراً لمرونة المؤسسة التي أظهرت قدراً كبيراً من الفعالية أثناء الأزمة ولكنها ما زال عليها أن تجتاز الاختبار الذي فرضته عليها هذه المرحلة الجديدة التي يمر بها الاقتصاد العالمي.

إن قمة تورنتو سوف تكون بمثابة الفرصة الأولى لتقييم قدرة مجموعة العشرين على التكيف مع الظروف الجديدة.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured