5

اليورو في انتظار الحكم

واشنطن، العاصمة ــ كان إنشاء عملة اليورو قبل عشرة أعوام تجربة جريئة وفريدة من نوعها. واليوم فإن النتيجة ــ ما إذا كان اليورو قد يتمكن من البقاء، وما إذا كان الأوروبيون محقين في محاولة الحفاظ عليه ــ لا تزال محل شك إلى حد كبير. ولكن إذا تمكنت منطقة اليورو من البقاء، فإن هذا يَعِد بمزايا عظيمة للدول الأعضاء ــ بل وربما العالم أجمع.

إن اليورو عُملة فائقة الثبات بين الأعضاء: فقد حبست الدول المشاركة نفسها في إطار سعر صرف أولي في مقابل عملاتها القائمة سلفاً ثم ألقت بالمفاتيح بين الحشائش الطويلة. وفي الوقت الحاضر، هناك عدد متزايد من الأوروبيين يمشطون هذه الحشائش بهدوء بحثاً عن المفاتيح.

إن اليورو يشترك في ملامح مهمة مع نسخ من معيار الذهب القديم، والذي بموجبه ثبتت الدول أسعار صرف عملاتها نسبة إلى بعضها البعض من خلال تحديد السعر الذي يمكن به استبدال العملة المحلية بالذهب. واليوم، يتبنى بعض الناس وجهة النظر التي تزعم أن معيار الذهب كان مرادفاً للاستقرار الاقتصادي والمالي. ولكن هذا يتناقض تماماً مع السجل التاريخي: ذلك أن عصر معيار الذهب كان عامراً بفترات الازدهار والانحدار التي تغذت على إفراط الحكومات أو الشركات أو الأفراد أو كل ما سبق في الاقتراض.

وهناك ثلاثة اختلافات بين اليورو ومعيار الذهب ــ وأي من هذه الاختلافات لا يبعث على الاطمئنان وخاصة في هذه اللحظة.

الاختلاف الأول أن معيار الذهب يقوم في الأساس على كمية محدودة من الذهب في العالم؛ ولا يمكن خلق أو اكتشاف المزيد منه، أو على الأقل ليس بسرعة. وفي المقابل فإن البنك المركزي الأوروبي قادر على خلق المزيد من اليورو إذا كان ذلك مرغوبا. ومن غير الممكن أن تنفد السيولة لدى الدول، لأن البنك المركزي الأوروبي قادر دوماً على توفير المزيد من الأموال النقدية.

ولكن الحكومات والمستثمرين يعرفون هذا، وكانت النتيجة ارتفاع نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات أعلى كثيراً مما كان ممكناً في ظل معيار الذهب. إن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو ككل تبلغ 90%، وهي نسبة مرتفعة بكل المقاييس.

وتظل مستويات الدين هذه مستدامة طالما استمر المستثمرون على افتراض مفاده أن عملية إنقاذ جديدة قادمة قريبا. ولكن إذا هدد البنك المركزي الأوروبي بقطع الدعم ــ لأن إحدى الحكومات لا تلتزم بما يعتبره الألمان سياسة اقتصادية جيدة على سبيل المثال ــ فإن البيت بالكامل قد ينهار.

والاختلاف الثاني أن الأسواق المالية أصبحت كبيرة بالمقارنة بأي شيء في ظل معيار الذهب. والواقع أن البنوك الأوروبية من الممكن أن تزيد حجماً على افتراض أن حكوماتها تدعمها. وهذه البنوك ليست كبيرة الآن نسبة إلى بعض الاقتصادات الوطنية فحسب، بل إن جودة الائتمان الحكومي أصبحت الآن موضع تساؤل في مختلف البلدان الواقعة على أطراف منطقة اليورو ــ بما في ذلك إيطاليا. ولقد أصبح مصطلح "أصول خالية من المخاطر" متناقضاً في أوروبا المعاصرة.

كانت البنوك الأوروبية تعمل على قدر كبير من الدين وأقل القليل من رأسمال المساهمين ــ المخزون الأساسي لمواجهة الخسائر المحتملة. إن أي صدمة للديون السيادية، أو المزيد من انحدار الاقتصادات المحلية، سوف تنتقل عبر نظام مصرفي مفرط في الاستدانة وغير ممول بالقدر الكافي إلى دول أوروبية أخرى ــ وهو أمر محتمل للغاية ــ أو إلى أماكن أخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة.

وأخيرا، على الرغم من كل الأحاديث اليوم عن الانضباط الذي يفترض في معيار الذهب أنه وفره، فإن الدول التي التزمت به عملت بشكل منتظم على تعليق القابلية للتحويل ــ بمعنى أن العملة المحلية لم يعد بالإمكان تحويلها بحرية إلى ذهب. ولكن الأوروبيين اليوم لم تعد لديهم عملات محلية ــ اليورو فقط. وإذا تركت أي دولة اليورو ــ اليونان على سبيل المثال ــ فإن هذا يعني ضرورة إعادة كتابة كل العقود في هذه الدولة. وسوف يكون الارتباك عميقا، وخاصة في مجال الائتمان.

كان عمل معيار الذهب على النحو اللائق يتطلب درجة عالية من المرونة في الأجور والأسعار. وإذا تعذر خفض أسعار الصرف، فإن الأجور والأسعار لابد أن تهبط عندما يتجمع لدى أي دولة عجزاً غير مستدام في الحساب الجاري. ولكن كما تشهد الدول الواقعة على أطراف أوروبا الآن، فإن هذا شكل مرهق ومؤلم ولا يتمتع بشعبية سياسية من التكيف الاقتصادي. ومن المتوقع أن تنمو ردود الأفعال العنيفة ضد هذا في الأشهر والأعوام المقبلة.

اليوم تركز الأخبار على مدى الصعوبة التي تواجهها البلدان الواقعة على أطراف منطقة اليورو في محاولة التكيف والعودة إلى النمو، ويرجع هذا إلى تركيبة من ارتفاع الديون العامة وتدابير التقشف الفعلية أو المتوهمة. ولكن هناك جانب آخر للمشكلة: فرأس المال يتدفق إلى ألمانيا باعتبارها الملاذ الآمن في المنطقة، الأمر الذي يجعل الائتمان أكثر وفرة وأيسر منالاً هناك. وتؤدي ديناميكيات التكيف داخل منطقة اليورو إلى تفاقم الخلل الأساسي في التوازن ــ فقد أصبحت ألمانيا أكثر قدرة على المنافسة في حين ظلت الدول الطرفية غير قادرة على المنافسة.

لقد دفعت الانتخابات الأخيرة في اليونان بأحزاب أكثر تطرفاً إلى المقدمة. والواقع أن أليكسيس تسيبراس، رئيس تحالف اليسار الراديكالي يشير إلى نقطة وجيهة: فقد فشل "خفض القيمة داخليا" ــ خفض الأجور والأسعار ــ كاستراتيجية. ويبدو أن البديل لديه يتلخص في التخلي عن اليورو. وإذا لم يكن بوسع اليونان أن تقدم ما هو أفضل من هذا فيجب عليها أن ترحل، على حد تعبيره.

ولكن الأمر لم يعد يتعلق باليونان فحسب. ذلك أن إيطاليا وأسبانيا والبرتغال، بل وحتى أيرلندا، تواجه نفس القضايا، ولكنها لا تزال في مرحلة مبكرة من ردود الأفعال العنيفة. فمعدلات البطالة هناك في ارتفاع، واقتصادات هذه البلدان لم تصبح أكثر قدرة على المنافسة، هذا فضلاً عن ارتفاع أسعار الفائدة على ديونها. وقد تقرر هذه البلدان الرحيل في نهاية المطاف. وحتى إذا لم تلجأ إلى هذا الاختيار، فإن الخوف من الخروج على هذا النحو من الممكن أن يتحول بسهولة إلى نبوءة ذاتية التحقق.

كانت عملة اليورو مصممة لضمان الرخاء والاستقرار للجميع. ومن الواضح أنها فشلت بالنسبة لبعض البلدان، وقد تفشل بالنسبة للعديد من البلدان. إن سوء الإدارة الشديد من قِبَل الساسة الأوروبيين كان سبباً في ضرر شديد سوف يستمر معنا لعقود من الزمان.

وربما كان بوسع اتحاد مالي أكثر قوة، وزارة مركزية للمالية، إلى جانب تقاسم الديون، أن يخفف من  المصاعب واختلالات التوازن بالقدر الكافي للسماح لليورو بالبقاء. وربما يبدأ مفعول خطط التكيف والتعديل في تغيير الحال في الوقت المناسب.

الآن نسمع الكثير من الصراخ في غرفة المحلفين، أي أننا نستطيع أن نتوقع صدور الحكم قريبا.

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali