Wednesday, April 23, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

البيئة ترد علينا ضرباتنا

إن أنظمتنا السياسية وسياساتنا العالمية ليست مجهزة في كثير من عناصرها لمواجهة التحديات الحقيقية للعالم الذي نعيش فيه اليوم. ذلك أن النمو الاقتصادي العالمي وارتفاع معدلات الزيادة السكانية يشكلان ضغوطاً غير مسبوقة على البيئة المادية، وهذه الضغوط بدورها تفرض تحديات غير مسبوقة على مجتمعاتنا. إلا أن الساسة يجهلون مثل هذه الاتجاهات إلى حد كبير. والحكومات لا تتحلى بالتنظيم الكافي لمواجهتها. والأزمات التي يغلب عليها الطابع البيئي في جوهرها تتصدى لها الحكومات بإستراتيجيات عتيقة تتلخص في الحرب والدبلوماسية.

ولنتأمل على سبيل المثال الموقف في دارفور بالسودان. سنجد أن التعامل مع هذا الصراع الرهيب يتم من خلال التهديد باستخدام القوة العسكرية، وفرض العقوبات، وبصورة عامة من خلال لغة الحرب وحفظ السلام. إلا أن الأصل المؤكد للصراع يكمن في الفقر المدقع الذي يعاني منه ذلك الإقليم، والذي تفاقم حتى تحول إلى كارثة أثناء ثمانينيات القرن العشرين، بسبب الجفاف الذي دام حتى اليوم. ويبدو أن تغير المناخ يؤدي على الأمد البعيد إلى تساقط الأمطار بكميات أقل، ليس فقط في السودان، بل وأيضاً في جزء كبير من أفريقيا في البلدان الواقعة إلى الجنوب من الصحراء الكبرى ـ وهي المنطقة التي تعتمد الحياة فيها على الأمطار، وحيث الجفاف يعني الموت.

لقد وقعت دارفور في فخ الموت بسبب الجفاف، إلا أن أحداً لم يدرك ضرورة التعامل مع الأزمة في دارفور من منظور التنمية طويلة الأمد بدلاً من منظور الحرب. إن دارفور تحتاج إلى إستراتيجية مائية أكثر من حاجتها إلى إستراتيجية عسكرية. ولن يتمكن سكانها الذين يبلغ تعدادهم سبعة ملايين نسمة من الحياة والبقاء بدون تبني توجه جديد يمنحهم الفرصة لزراعة المحاصيل وسقاية الماشية. ومع ذلك فإن الحديث في أروقة الأمم المتحدة لا يخرج عن نطاق فرض العقوبات وتجييش الجيوش، حتى لم يعد هناك مجال للسلام في المستقبل المنظور.

لقد أصبحت ندرة المياه تمثل المعوق الرئيسي أمام التنمية الاقتصادية في العديد من أجزاء العالم. فلقد تحولت أزمة المياه في غزة إلى سبب للأمراض والمعاناة بين الفلسطينيين، وباتت تشكل مصدراً رئيسياً للتوتر بين فلسطين وإسرائيل. إلا أننا على الرغم من ذلك نرى مئات الآلاف من الدولارات تنفق على قصف وتدمير المنطقة، بينما لا يبذل أي جهد تقريباً للتعامل مع أزمة المياه المتفاقمة.

الصين والهند أيضاً سوف تواجهان أزمة مياه متزايدة خلال الأعوام القادمة، وقد تترتب على هذه الأزمة عواقب رهيبة. لقد بدأت الانطلاقة الاقتصادية لهذين العملاقين منذ أربعين عاماً بالنجاح في التوصل إلى إنتاجية زراعية أعلى للمرة الأولى والقضاء على المجاعات. إلا أن جزءاً من ذلك الناتج الزراعي المتزايد كان راجعاً إلى ملايين الآبار التي حفرت لاستخراج المياه الجوفية واستخدامها في ري المحاصيل. والآن ينحدر النطاق المائي في البلدين بمعدلات خطيرة، وذلك بسبب ضخ المياه الجوفية بمعدلات أسرع كثيراً من قدرة مياه الأمطار على الوصول إلى الطبقات الجوفية.

فضلاً عن ذلك، وبعيداً عن أنماط سقوط الأمطار، فقد أدى تغير المناخ إلى إعاقة جريان الأنهار، بعد التراجع السريع لكتل الجليد التي توفر كميات هائلة من المياه للري والاستخدامات المنزلية، وذلك بسبب ارتفاع حرارة جو الكرة الأرضية. كما تذوب القمم الجليدية للجبال المرتفعة في وقت مبكر عن موسمها الطبيعي، الأمر الذي جعل مياه الأنهار أقل توفراً أثناء مواسم الزراعة الصيفية. لكل هذه الأسباب تواجه الهند والصين أزمة مياه خطيرة، ومن المرجح أن تتفاقم هذه الأزمة في المستقبل.

والولايات المتحدة أيضاً تواجه مخاطر متعلقة بالمياه. فقد عانت ولايات الغرب الأوسط وولايات الجنوب الغربي من موجات جفاف مطولة، وقد تكون هذه الموجات نتيجة لارتفاع حرارة جو الكرة الأرضية على الأمد البعيد، والمشكلة أن الولايات الزراعية تعتمد بشدة على المياه المستخرجة من مستودعات جوفية عملاقة أصبحت الآن عرضة للنفاد بسبب المبالغة في الضخ.

وكما أدت الضغوط على الإمدادات من النفط والغاز إلى ارتفاع أسعار الطاقة، فقد تؤدي الضغوط البيئية الآن إلى دفع أسعار الطعام والمياه إلى الارتفاع في العديد من أجزاء العالم. وبسبب موجات الحرارة، والجفاف، والضغوط المناخية الأخرى التي شهدتها الولايات المتحدة، وأوروبا، وأستراليا، وأماكن أخرى هذا العام، فقد بلغت أسعار القمح الآن أعلى مستوياتها منذ عقود. وعلى هذا فقد وصلت الضغوط البيئية إلى ذروتها الآن ـ حيث بدأت في التأثير على الدخول وسبل العيش في كافة أنحاء العالم.

في ظل تزايد السكان، وارتفاع معدلات النمو الاقتصادي، والتغير المناخي، فلسوف نواجه موجات الجفاف الشديدة، والأعاصير بأنواعها، ولسوف تشتد الاضطرابات المناخية الناجمة عن الارتفاع الدوري لدرجات حرارة سطح المحيط الباسيفيكي، كما سنتعرض لندرة المياه، وموجات الحرارة، وسينقرض عدد كبير من الأنواع النباتية والحيوانية، والمزيد. ولسوف تتحول قضية البيئة والمناخ "الهينة" إلى القضية العسيرة التي سنعاني من آثارها طيلة القرن الواحد والعشرين. على الرغم من كل ذلك فلن نجد من حكوماتنا أو سياساتنا العالمية أي إدراك تقريباً لهذه الحقائق الواضحة. أما من يتحدثون عن الجوع والأزمات البيئية فإن العالم ينظر إليهم وكأنهم من "أنصار الفضيلة" المشوشي الذهن، في مقابل "الواقعيين" الجامدي الذهن الذين يتعاملون مع الحرب والسلام. إلا أن كل هذا هراء في الحقيقة، ذلك أن الواقعيين المزعومين لا يدركون ولا يفهمون مصادر التوتر والإجهاد التي تؤدي إلى عدد متزايد من الأزمات في كل أنحاء العالم.

يتعين على حكوماتنا أن تعمل على إنشاء وزارات مختصة بالتنمية المستدامة، تكرس كامل وقتها للتعامل مع الارتباطات بين التغير البيئي ورفاهية البشر. فلن يتمكن وزراء الزراعة بمفردهم من التغلب على مشكلة ندرة المياه التي سيواجهها المزارعون. ولن يتمكن وزراء الصحة بمفردهم من التغلب على زيادة معدلات الإصابة بالأمراض المعدية نتيجة لارتفاع حرارة جو الكرة الأرضية. ولن يتمكن وزراء البيئة بمفردهم من التغلب على الضغوط التي تتحملها المحيطات والغابات، أو العواقب المترتبة على ازدياد حوادث الطقس الشديدة، مثل إعصار كاترينا في العام الماضي، أو إعصار ساوماي هذا العام ـ والذي كان أشد الأعاصير التي تعرضت إليها الصين منذ عدة عقود. لابد من إنشاء وزارة جديدة قوية مسئولة عن تنسيق العمل في مواجهة تغير المناخ، وندرة المياه، والأزمات الأخرى المرتبطة بالبيئة.

وعلى الصعيد العالمي، يتعين على الحكومات أن تدرك أخيراً أن المعاهدات التي وقعت عليها خلال الأعوام الأخيرة، والتي ترتبط بالمناخ، والبيئة، والتنوع البيئي، لا تقل أهمية بالنسبة للأمن العالم عن مناطق الحرب وبقاع الأزمات الساخنة التي تجتذب العناوين الرئيسية في أجهزة الإعلام، وتستحوذ على الميزانيات والاهتمام العالمي. فبالتركيز على التحديات الرئيسية المرتبطة بالتنمية المستدامة سوف تتمكن حكوماتنا على نحو أكثر يسراً من إنهاء الأزمات الحالية (كتلك في دارفور)، ومنع وقوع العديد من الأزمات الأخرى في المستقبل.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured