Thursday, August 21, 2014
0

أهي نهاية الفاقة؟

مع كل رُبع عام مالي يمر نتعلم دوماً ذات الدرس من خلال أخبار الاقتصاد الشامل التي تأتينا قادمة من الولايات المتحدة: وذلك الدرس هو أن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بمعدل سنوي ثابت 3% لا يكفي لزيادة معدل تشغيل العمالة في أميركا. وحتى نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بمعدل سنوي ثابت 4% لا يكفي لزيادة الحصة من الأميركيين البالغين الحاصلين على عمل. وإن المعدل الأساسي لنمو الإنتاجية العمالية والذي بلغ 1.2% سنوياً في بداية ولاية الرئيس كلينتون، و 2 إلى 2.5% مع نهاية الازدهار الاقتصادي الذي شهدته تسعينيات القرن العشرين، يبدو وكأنه قد ارتفع الآن: صار من الصعوبة بمكان أن نتمكن من إبقاء اتجاه النمو التقديري للإنتاجية العمالية عند معدل أقل من 3% سنوياً.

ولكن لا أحد يعلم إلى متى قد يستمر هذا الازدهار في نمو الإنتاجية: يشير المتفائلون إلى ثورة جديدة ستتلو ثورة المعلومات، وهي الآن مستعدة للانطلاق، ألا وهي الثورة البيوتكنولوجية، ومن بعدها تلوح في الأفق ثورة المعدات المتناهية الصِغَر. وإذا دام هذا التحسن في الإنتاجية، فإن الآفاق التي ستنفتح نتيجة لهذا تكاد تكون مذهلة: حيث لن يتوقف متوسط دخل الفرد من الوظيفة المتفرغة عند مستوى 40 ألف دولار سنوياً، بل سيبلغ ما يعادل اليوم 160 ألف دولار سنوياً.

والولايات المتحدة تمثل أحد قطبي الاقتصاد العالمي. وتمثل الصين ـ حتى مع معجزتها الاقتصادية منذ خرج دينغ زياوبنغ في بعثته إلى الجنوب ـ القطب الثاني. لكن الإنتاجية العمالية في الصين اليوم تنمو بمعدل 6% سنوياً على وجه التقريب. وإذا كان بوسع الصين الإبقاء على هذا المعدل ـ وإذا ما بلغ الاقتصاد الصيني حداً كافياً من التكامل بحيث نستطيع أن نتحدث عنه باعتباره كياناً واحداً ـ فإن الإنتاجية العمالية في الصين ستصبح مماثلة لمعدل الإنتاجية العمالية في أميركا اليوم قبل عام 2050. وماذا عن الهند؟ إذا استمرت معدلات النمو التي حققتها الهند خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، وإذا ظلت الهند موحدة، فإن معدل الإنتاجية العمالية لديها في عام 2050 سيصبح مماثلاً لمعدل الإنتاجية العمالية في أسبانيا اليوم.

لكن العالم في عام 2050 لن يكون فردوساً أرضياً. فلسوف تظل هناك بعض المناطق حيث تعجز الدول عن حماية الممتلكات، وفرض القانون، وتشجيع التجارة، وتعليم مواطنيها، أو بناء البنية الأساسية المادية والاجتماعية والتنظيمية اللازمة لتحقيق الفائدة للناس من خلال التقنيات الهائلة التطور التي أنشأناها وطورناها منذ بداية الثورة الصناعية.

وعلى نحو مماثل، فلن تنتهي الحروب، بل إن الأسلحة التي سيخوض بها البشر تلك الحروب ستكون أشد وحشية وتدميراً. ولكن لدينا سبب وجيه يجعلنا نتمنى أن يكون عدد الحروب في ذلك الوقت أقل من حروب اليوم. ففي الشتاء القادم تكون ستون عاماً قد مرت منذ عبر آخر جيش نهر الراين حاملاً معه الموت والدمار ـ وهي أطول مدة فاصلة بين حربين منذ أواخر القرن الثاني قبل الميلاد، حين تحدت جيوش السمبريون والتيوتونيون جيش القنصل الروماني كايوس ماريوس في وادي الرون .

في عام 2050 لن يكون العالم قد توصل إلى حلول لجميع مشاكله الاقتصادية. فالاقتصاد هو عالم الأشياء ذات القيمة. ويكون للشيء قيمة حين يكون مرغوباً ونادراً.

ونحن البشر بارعون في ابتكار الأساليب لجعل الأشياء النادرة مرغوبة. ولكن هناك فرصة ـ يحتم علينا واجبنا أن ننتهزها ـ لم تسنح لأي جيل من بني البشر من قبل: لكي نجعل العالم في عام 2050 عالم يحصل كل سكانه تقريباً على الغذاء الذي يجنبهم الجوع، والكساء الذي يقيهم البرد، والملاذ الذي يوفر لهم الأمن ـ علاوة على إمكانية الدخول على شبكة الإنترنت بسرعة فائقة. إن المغامرة التي يخوضها هذا الجيل من البشر هائلة.

والخطوة الأولى الضرورية لخروجنا نحن البشر من هذه الجولة فائزين هي أن نحرص على صياغة رأي عام عالمي يدعم ويساند خلق عالم بلا عوز أو فاقة ـ بحيث يصبح تقدم الدول على مسار تحقيق هذا الهدف مـَحَكاً للعلاقات الدولية اليوم. فلم تعد هناك دول أو أمم كبيرة تقودها أفكار وإيديولوجيات القوة والعنف نحو إعادة صياغة العالم وفق هواها بأية وسيلة. ولقد أصبحت المصادر الرئيسية للقوة واستخداماتها اليوم أكثر نعومة، مع أنها ليست أكثر ضعفاً. وما دمنا قادرين على إبقائها على هذه الصورة، فأمامنا نحن البشر فرصة طيبة سانحة لتحقيق أكثر مهامنا الجماعية خطورة وأهمية.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured