Thursday, April 24, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

أهي نهاية التفوق المالي؟

كمبريدج ـ تُـرى هل تكون أزمة اليوم المالية العالمية المتفاقمة عبارة عن إشارة إلى نهاية عصر التفوق المالي؟ إذا ما طلبت من أي شخص عادي أن يضع قائمة بأعظم عشرة إبداعات تقود عالمنا اليوم، فربما لن تجد كثيرين ممن يذكرون لك صيغة "المدارس السوداء" ( Black-Scholes formula ) لتسعير الأوراق المالية الاختيارية الآجلة ( options ). ولكن من وجهة نظر المجتمع المالي فإن مثل هذه الصيغ الرائدة التي مهدت الطريق أمام الإستراتيجيات الحديثة للوقاية من الخسارة لابد وأن يُـرجَع إليها الفضل في فترة النمو السريع المؤقتة التي شهدها العالم بقدر ما نعزو الفضل في ذلك إلى الهواتف الجوالة، والحاسبات الآلية، وشبكة الإنترنت.

قبل الأشهر الاثني عشر الماضية بدا المدافعون عن المال وكأنهم يملكون حجة قوية. فبالمساعدة في توزيع عامل المجازفة، تستطيع أدوات التمويل الحديثة مساعدة الاقتصاد على النمو بسرعة أكبر. حتى أن خبراء الاقتصاد الشامل احتفلوا "بالاعتدال الأعظم" لدورة التجارة العالمية، حيث أصبحت فترات الركود أكثر اعتدالاً وأقل تكراراً. وبالطبع كان مجتمع المال يجمع الأموال بكميات ضخمة، الأمر الذي أدى إلى ظهور أعداد هائلة من أصحاب الملايين بل والمليارات في مختلف أنحاء العالم.

كانت الحكومات تصفق وتهلل أيضاً. وفي البلدان الناطقة باللغة الإنجليزية راح رؤساء الدول ورؤساء الوزارات، ناهيك عن بعض رؤساء البنوك المركزية البارزين، يتباهون بالأنظمة المالية المتفوقة التي كانت موضع حسد العالم. وحين تذمر قادة فرنسا وألمانيا قائلين إن الأدوات المالية الحديثة غير المنظمة تفرض قدراً عظيماً من الخطر على الاقتصاد العالمي، تعرضوا للسخرية واعتُـبِروا خاسرين حاقدين. أما البلدان الصغيرة مثل أيسلندا فقررت الدخول في اللعبة من خلال خصخصة مصارفها وبنوكها وتأسيس مراكز مالية خاصة بها.

والآن أصبحت أيسلندا في مأزق عميق بعد أن اقترضت من الأموال ما يعادل ناتجها المحلي الإجمالي عدة مرات، وباتت الديون أعظم كثيراً من أن يتمكن دافعو الضرائب في ذلك البلد الصغير من تحملها. حتى أن السويسريين استسلموا لإغراءات الأدوات المالية المتطورة وما وعدت به من ثراء. والآن أصبح أكبر مصرفين سويسريين غارقين في ديون تجاوز مجموعها سبعة أمثال دخل البلاد.

بالطبع، كانت أعظم عمليات الإنقاذ ذلك الشيك المصرفي السخيف الذي أصدرته حكومة الولايات المتحدة لصالح وكالتين من أضخم وكالات منح قروض الرهن العقاري، فاني ماي وفريدي ماك، واللتين تضمنان ما قيمته خمسة تريليونات من الدولارات في هيئة قروض رهن عقاري، وهو ما يبدو مريباً على نحو متزايد. ومن عجيب المفارقات حقاً أن هانك بولسون وزير خزانة الولايات المتحدة، والرئيس السابق لمؤسسة غولدمان ساكس، الشركة التي كانت تجسد التفوق المالي، يتولى الآن قيادة الجهود الرامية إلى إنقاذ الشركات العملاقة التي ترعاها الحكومة والتي أصبحت بلا جدوى على الإطلاق.

إن التقدم الذي شهده عالم المال ربما خلف تأثيراً مفيداً يتلخص في رفع معدلات النمو العالمية. ولكن هناك أيضاً عامل دوري مرتبط بازدهار المال. فحين كانت أسعار المساكن في ارتفاع، بدا العباقرة المسؤولون عن تمويل الرهن العقاري وكأنهم معصومون من الخطأ. والآن بعد أن بدأت الأسعار في الهبوط لم تعد إستراتيجياتهم العبقرية تبدو بنفس القدر من التألق.

إن القصة قديمة. ففي أوائل ثمانينيات القرن العشرين ابتكر المهندسون الماليون ما أطلق عليه "تأمين حافظات الاستثمار"، وهي إستراتيجية وقائية نشطة مزخرفة للتحكم في المجازفة. ولقد نجحوا في تكديس أكوام من المال. ولكن للأسف، حين انهارت أسواق البورصة العالمية في أكتوبر/تشرين الأول 1987، تبين أن ذلك التأمين عديم الفائدة، وذلك بسبب انهيار أسواق صناديق الوقاية ذاتها.

وفي أواخر تسعينيات القرن العشرين، نجح صندوق الوقاية وإدارة رأس المال طويل الأجل التابع للولايات المتحدة في إقناع العالم بأن المشاركين فيه كانوا سادة الكون. ولفترة من الزمن تمكن الصندوق من جمع أرباح هائلة على نحو ثابت، وأرجِع الفضل في ذلك آنذاك إلى خبرائه الماليين الحائزين على جائزة نوبل في الاقتصاد. وفي العام 1998 حين أفلس الصندوق بات من الواضح أن الشركة كانت تعقد عدداً هائلاً من صفقات السندات البسيطة، وبقدر عظيم من المجازفة.

إن المفتاح إلى نجاح الحكومات في تنظيم الأسواق المالية يكمن في تطبيق قيود معقولة أثناء فترات الازدهار بهدف حماية أرصدة دافعي الضرائب من التعرض للمجازفة المفرطة. ولكن مما يدعو للأسف أن تحقيق هذه الغاية ليس بالأمر السهل، وذلك لأن فترات الازدهار تجعل من يحذرون من المجازفة يبدون كالبلهاء. ولهذا تتجلى أهمية حرص الحكومات على السماح لشركات التمويل بالإفلاس بين الفينة والأخرى. فهي الوسيلة الوحيدة لفرض الانضباط الحقيقي على حملة الأسهم والسندات وزعماء الشركات.

هل انتهي عصر التفوق المالي الذهبي الحالي؟ ثمة بعض الآراء في العديد من البلدان، وحتى في الولايات المتحدة، والتي تؤكد أن الوقت قد حان لضمان إخضاع النظام المالي بالكامل، بما في ذلك صناديق الوقاية وبنوك الاستثمار، لقدر أعظم من التنظيم الصارم.

إن شركات التمويل تصرخ مستغيثة، ولكن لا أحد يستطيع أن يجزم بأن التوسع في التنظيم المالي قد يكون أمراً سيئاً. ففي البحث الذي أجريته عن تاريخ الأزمات المالية الدولية بالاشتراك مع الأستاذة كارمن راينهارت ، تبين لنا أن الفترات التي اتسمت بالتنظيم المالي الصارم كانت أقل عرضة للأزمات المالية مقارنة بالفترات التي اتسمت بإلغاء التنظيمات، كتلك التي ارتبطت بالفترة الأخيرة من التفوق المالي.

لا أحد يزعم أننا لابد وأن نعود إلى زمن "القمع المالي" في خمسينيات القرن العشرين، إلا أن الأزمة الأخيرة لم تترك أي مجال للشك في أن النظام المالي العالمي بالكامل يحتاج إلى التحديث. في نفس الوقت، يتعين علينا أن نسمح للإبداع المالي بالازدهار، ولكن ليس بدون وضع ضوابط وتوازنات أفضل. وإن لم نفعل ذلك فلسوف نظل إلى الأبد محصورين في إطار حيث يضطر دافعو الضرائب إلى إنقاذ البنوك في الأوقات العصيبة، بينما يجني حملة الأسهم الأثرياء أرباحاً ضخمة في الأوقات الطيبة. لقد حان الوقت للجمع بين التفوق المالي وبعض التواضع وحسن الإدراك.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured