Monday, July 28, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
1

البنك المركزي الأوروبي واستراتيجية الإنقاذ السرية

ميونيخ ـ تُرى لماذا اضطرت اليونان وأيرلندا والبرتغال إلى البحث عن ملاذ تحت مظلة إنقاذ الاتحاد الأوروبي، ولماذا أصبحت أسبانيا مرشحاً محتملاً للانضمام إلى هذه المجموعة؟

الواقع أن الإجابة واضحة بالنسبة للعديد من المراقبين: فالأسواق الدولية لم تعد راغبة في تمويل مجموعة "البرتغال وأيرلندا واليونان وأسبانيا". ولكن هذه نصف الحقيقة فقط. فالواقع أن الأسواق الدولية لم تمول أياً م هذه البلدان بدرجة معقولة طيلة الأعوام الثلاثة الماضية؛ بل مولها البنك المركزي الأوروبي. وهذا يعني أن ما يطلق عليه الحسابات "المستهدفة"، والذي كان موضع تجاهل وسائل الإعلام حتى الآن، يظهر أن بنك المركزي الأوروبي كان أكثر تورطاً في عمليات الإنقاذ مما هو معلوم لدى عامة الناس.

ولكن البنك المركزي الأوروبي الآن لم يعد راغباً في القيام بذلك، وهو يحث بلدان منطقة اليورو على التدخل.

إن عجز الحساب الجاري لدى أي دولة (العجز التجاري بعد استبعاد التحويلات من بلدان أخرى) يتم تمويله عادة بالاستعانة برؤوس أموال خاصة أجنبية. ولكن في ظل الاتحاد النقدي قد يلعب ائتمان البنك المركزي هذا الدور إذا كانت تدفقات رأس المال الخاصة كافية. وهذا ما حدث في منطقة اليورو عندما انهارت سوق ما بين البنوك لأول مرة في عام 2007.

ولقد بدأت البنوك المركزية في البرتغال وأيرلندا واليونان وأسبانيا في إقراض البنوك الخاصة بالاستعانة بأموال مطبوعة حديثا، ثم استُخدِمَت هذه الأموال لتمويل عجز الحساب الجاري. ولقد ذهبت هذه الأموال إلى البلدان المصدرة، حيث تم تداولها باعتبارها جزءاً من المعاملات العادية. ولقد استجابت البنوك المركزية في البلدان المصدرة بخفض إصداراتها من الأموال الجديدة التي يتم إقراضها للاقتصاد المحلي. وفي واقع الأمر، تم تحويل أموال القروض التابعة للبنوك المركزية في البلدان المصدرة، وفي ألمانيا في المقام الأول، إلى البرتغال وأيرلندا واليونان وأسبانيا.

ولم تكن سياسة البنك المركزي الأوروبي تضخمية، وذلك لأن المخزون الإجمالي من أموال البنوك المركزية في منطقة اليورو لم يتأثر. ولكن عندما أتى إقراض البنوك المركزية في البرتغال وأيرلندا واليونان وأسبانيا على حساب إقراض البنوك المركزية في البلدان المصدرة في منطقة اليورو، أصبحت هذه السياسة بمثابة تصدير قسري لرأس المال من هذه البلدان إلى البرتغال وأيرلندا واليونان وأسبانيا.

ويتبين لنا حجم "قروض الاستبدال" التي قدمها البنك المركزي الأوروبي من خلال ما يطلق عليه "الحساب المستهدف 2، والذي يقيس العجز أو الفائض في المعاملات المالية لأي بلد مع بلدان أخرى. وبما أن الحساب يشتمل على مدفوعات دولية ترتبط بكل من التجارة في السلع والمطالبات المالية، فإن العجز في الحساب المستهدف لأي بلد يشير إلى اقتراض أجنبي عن طريق البنك المركزي الأوروبي، في حين يدل الفائض على إقراض أجنبي عن طريق البنك المركزي الأوروبي.

ولا يظهر هذا التوازن على القوائم المالية للبنك المركزي الأوروبي، وذلك لأنه يسوي صفراً في المجموع ولكنه يظهر على القوائم المالية للبنوك المركزية الوطنية في هيئة مطالبات مستحق عليها فوائد وديون مستحقة لنظام البنك المركزي الأوروبي. وحتى منتصف عام 2007، كانت الحسابات المستهدفة أقرب إلى الصفر، ولكن منذ ذلك الوقت، سجلت نمواً سنوياً بلغ نحو مائة مليار يورو.

على سبيل المثال، تضخمت المطالبات المستهدفة المستحقة للبنك المركزي الألماني من 5 مليار يورو في عام 2006 إلى 323 مليار يورو في مارس/آذار 2011. وكانت ديون مجموعة البرتغال وأيرلندا واليونان وأسبانيا هي المقابل لهذه المطالبات، ولقد ارتفعت هذه الديون إلى نحو 340 مليار يورو بحلول نهاية عام 2010. ومن المثير للاهتمام أن العجز التراكمي في الحساب الجاري لدى مجموعة البرتغال وأيرلندا واليونان وأسبانيا كان أثناء الفترة من 2008 إلى 2010 بنفس الحجم تقريبا ـ 365 مليار يورو على وجه الدقة.

ولو فشل البنك المركزي الأوروبي في تمويل هذا العجز لكانت مجموعة البرتغال وأيرلندا واليونان وأسبانيا لتجد صعوبة هائلة في تدبير الأموال اللازمة لتغطية تكاليف وارداتها الصافية. وإذا صادفت أي نجاح في هذه المهمة لكانت أسعار الفائدة المرتفعة قد أرغمتها على شد الأحزمة، ولكان عجز الحساب الجاري لديها، والذي تجاوز 10% من الناتج المحلي الإجمالي في اليونان والبرتغال، قد تضاءل.

ولا ينبغي لنا أن ننتقد البنك المركزي الأوروبي لمبادرته إلى دعم الحسابات الجارية لدى البرتغال وأيرلندا واليونان وأسبانيا أثناء الأزمة العالمية. فقد كانت التدابير غير التقليدية ضرورية لمنع اقتصاد هذه البلدان من الانهيار. ولكن لابد وأن يكون من الواضح أن هذه لم تكن سياسة نقدية فريدة من نوعها؛ بل كانت عملية إنقاذ في المقام الأول. والآن بعد أن تعافي الاقتصاد العالمي إلى حد كبير من الأزمة، فقد حان الوقت لإنهاء هذه السياسة ـ لأسباب ليس أقلها أن ذخيرة البنك المركزي الأوروبي بدأت تنفد.

فبحلول نهاية العام الماضي كان إجمالي المخزون من الأموال لدى البنوك المركزية في منطقة اليورو 1.07 تريليون يورو، ولقد بلغ مجموع ما استهلكه تمويل البنك المركزي الأوروبي للبرتغال وأيرلندا واليونان وأسبانيا نحو 380 مليار يورو. وهذا يعني أن تمويل عجز الحساب الجاري المستمر لدى البرتغال وأيرلندا واليونان وأسبانيا بنحو 100 مليار يورو سنوياً من شأنه أن يستهلك المخزون من رأس المال بالكامل في غضون ستة إلى سبعة أعوام.

وللخروج من هذه السياسة فإن البنك المركزي الأوروبي يريد من مرفق الاستقرار المالي الأوروبي التابع لمرفق إنقاذ الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورج، أو آلية الاستقرار الأوروبي، أن يتو��ى الأمر، بل إن بعض الدول تدعو إلى إصدار سندات اليورو. ولكن هذا من شأنه أن يطيل ببساطة عملية التمويل المجتمعي لعجز الحساب الجاري في البرتغال وأيرلندا واليونان وأسبانيا، التي أصبحت الآن في عامها الرابع، لبضعة أعوام أخرى. وفي نهاية المطاف، لن ينهار اليورو، ولن يتم إنشاء اتحاد للتحويل في أوروبا، حيث يتم تمويل العجز في الحساب الجاري بالاستعانة بتبرعات فيما بين البلدان.

والأفضل أن يحتفظ الاتحاد الأوروبي بصندوق لوكسمبورج للتدابير الطارئة الحقيقية، وأن يصدر البنك المركزي الأوروبي تعليماته إلى المؤسسات المنتمية إلى عضويته في البرتغال وأيرلندا واليونان وأسبانيا بالمطالبة بضمانات أفضل لعمليات إقراضها. والواقع أن فرض أسقف وطنية صارمة على الموازنات المستهدفة من شأنه أن يوفر الحافز المناسب للالتزام. ومثل هذا السقف لن يزيل العجز في الحسابات الجارية، ولكنه كاف لتقليص العجز بحيث يتناسب مع تدفقات رأس المال الخاصة الراغبة في تمويله.

ويشكل وضع سقف للحسابات المستهدفة سياسة أكثر ملاءمة لإبقاء العجز في الحسابات الجارية تحت السيطرة من سياسات الأجور التي يفكر في انتهاجها الميثاق الجديد من أجل اليورو. إذ أن سياسات الأجور لا تكون مناسبة إلا في إطار اقتصاد خاضع لتخطيط مركزي.

وربما كان لزاماً على مجموعة البرتغال وأيرلندا واليونان وأسبانيا أن تدرس الكيفية التي نجحت بها إيطاليا في تدبر أمورها. فرغم اضطرار إيطاليا إلى دفع أقساط فائدة مرتفعة، ورغم عجز الحساب الجاري، نجح ماريو دراجي (المنافس البارز لتولي رئاسة البنك المركزي الأوروبي في خريف هذا العام) في الإبقاء على إقراض بنكه المركزي تحت رقابة مشددة طيلة الأزمة. ورغم ما تعرضت له من إغراء شديد، فإن إيطاليا لم يتراكم لديها عجز مستهدف، بل اختارت الزهد العفيف.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (1)

Please login or register to post a comment

Featured