Saturday, October 25, 2014
2

البنك المركزي الأوروبي والكبت القاتل

بيركلي ــ في ديسمبر/كانون الأول الماضي، ومع اقتراب النظام المالي في أوروبا من حافة الكارثة، فاجأ البنك المركزي الأوروبي الأسواق بتدخل غير مسبوق، فعرض على البنوك في مختلف أنحاء منطقة اليورو سيولة غير محدودة في مقابل أي شكل من أشكال الضمانات لفترة استثنائية تدوم ثلاث سنوات.

ومن شأن هذه السيولة المفاجئة التي وفرها البنك المركزي الأوروبي أن تعلق الأزمة التي تعاني منها القارة. ولكن الآن، وبعد أربعة أشهر فقط، بلغت الأمور ذروتها من جديد. فالبلدان الأوروبية الجنوبية الكبرى التي أنهكها التقشف، مثل أسبانيا وإيطاليا، تنزلق إلى هوة الركود. ويلقي تدهور الأوضاع الاقتصادية بظلال من الشك على حسابات الموازنة لدى حكومات هذه البلدان، فتقوض الدعم السياسي للإصلاح البنيوي، وتعيد فتح التساؤلات التي أغلقت من قبل ظاهرياً فيما يتصل باستقرار النظام المصرفي.

ومرة أخرى، تبدو منطقة اليورو على وشك الانهيار. فهل يسارع البنك المركزي الأوروبي مرة أخرى إلى الإنقاذ؟

إن العقبات التي تعوق الاستعانة مرة أخرى بالسياسة النقدية هائلة، ولكنها في واقع الأمر مفروضة ذاتياً إلى حد كبير. ففي آخر اجتماع له، قرر البنك المركزي الأوروبي ترك أسعار فائدته بلا تغيير، مستشهداً بالتضخم بمقدار نصف نقطة مئوية أعلى من الهدف الرسمي المحدد بـ2%. ولعل أعضاء مجلس إدارة البنك انتبهوا أيضاً إلى الدلائل التي تشير إلى التضخم الناتج عن التكاليف في ألمانيا. فقد طالبت النقابة العمالية الأبرز في ألمانيا، آي جي ميتال، بزيادة في الأجور بنسبة 6,5% في الجولة السنوية التالية من المفاوضات. كما حصل عمال القطاع العام الألماني على اتفاق في نهاية مارس/آذار بزيادة الأجور بنسبة 6,3% في العامين المقبلين.

ولكن هذه الزيادة في تكاليف العمالة الألمانية هي على وجه التحديد ما تحتاج إليه أوروبا حتى يتسنى لها التعجيل بإعادة التوازن، لأن هذا من شأنه أن يساعد في إعادة ترتيب المواقف التنافسية لاقتصادات أوروبا في الشمال والجنوب.

فدول جنوب أوروبا تحتاج إلى تعزيز قدرتها التنافسية وزيادة صادراتها، وكانت عُرضة للانتقادات (ليس من دون مبرر) بسبب فشلها في بذل المزيد من الجهد في هذا الاتجاه. ولكن المهم الآن هو تكاليف الإنتاج في جنوب أوروبا نسبة إلى مثيلاتها في ألمانيا، رائدة التصدير على مستوى أوروبا. ولهذا السبب فإن احتمالات ارتفاع تكاليف العمالة الألمانية، بعد عشرة أعوام من الثبات، تشكل في واقع الأمر أحد التطورات الاقتصادية الإيجابية القليلة التي طرأت على المشهد الأوروبي ــ ولا ينبغي للبنك المركزي الأوروبي أن يقاوم هذا الاتجاه.

وما دام ارتفاع الأجور في ألمانيا سوف يقابله انخفاض الأجور في مختلف بلدان جنوب أوروبا فإن الضغوط التضخمية على مستوى القارة بالكامل سوف تظل تحت السيطرة. ومع تجاوز معدلات البطالة في منطقة اليورو 10%، فمن الصعب أن نرى كيف قد تسير الأمور على أي نحو آخر. والواقع أن معدل التضخم الإجمالي الذي بلغ 2,6% في مارس/آذار تأثر إلى حد كبير بالارتفاع الحاد الذي سجلته أسعار الطاقة، والذي من المفترض أن يكون تأثيره مؤقتا (الأحداث في الشرق الأوسط). والواقع أن البنك المركزي الأوروبي يتوقع انخفاض معدل التضخم في النصف الثاني من عام 2012 ثم مرة أخرى في عام 2013، الأمر الذي يوحي بأنه لا يزال لديه حيز للمناورة.

وثمة حجة أخرى ضد الاستعانة بالسياسة النقدية مرة أخرى، فهي لا يجب أن تستخدم إلا كمكافأة لتقشف الموازنة والإصلاح البنيوي، ولا يزال أداء الساسة في هاتين المنطقتين غير مشجع. وفي حين ينبغي لخفض الإنفاق من حيث المبدأ أن يساعد في الحد من التضخم، فإن الحكومات الأوروبية، مثل حكومة رئيس الوزراء الأسباني ماريانو راجوي، بدأت تتراجع عن التزاماتها فيما يتصل بالموازنة. على نحو مماثل، وفي حين ينبغي للإصلاحات البنيوية أن تعمل على كبح نمو الأسعار من خلال تشجيع المنافسة، فإن الزعماء من أمثال رئيس الوزراء الإيطالي ماريو مونتي، والذين يجدون صعوبة متزايدة في حشد الدعم لتدابير لا تحظى بقدر كبير من الشعبية، يعملون على تمييع المقترحات المتواضعة بالفعل فيما يتصل بتعزيز مرونة سوق العمل.

ومع تردد الحكومات في القيام بدورها، فإن البنك المركزي غير راغب في دعمها. ومن منظور البنك فإن مكافأة هذه الحكومات بالحوافز النقدية ــ إبقاء القارب طافياً بزيادة الإنفاق ــ لن تؤدي إلا إلى تخفيف الضغوط المفروضة على المسؤولين الوطنيين فيما يتصل بالقيام بما هو ضروري.

وإذا كان هذا هو تفكير البنك المركزي الأوروبي، فهو بهذا يمارس لعبة خطيرة. فبدون الإنفاق والنمو لن يتسنى إيجاد الحلول للمشاكل التي تعاني منها أوروبا. وفي غياب الإنفاق الخاص، فإن خفض الموازنات لن يؤدي إلا إلى خفض العائدات الضريبية، وهذا يعني المزيد من خفض الموازنات، وهكذا إلى ما لا نهاية. ولن يكون النمو في انتظارنا في نهاية النفق، وسوف يستمر الدعم السياسي للإصلاحات البنيوية في التضاؤل.

إن البنك المركزي الأوروبي مشغول بالمخاطر الأخلاقية ــ الفكرة القائلة بأن دعم الإنفاق من شأنه أن يخفف الضغوط التي تثقل كاهل الحكومات ويسمح لها بالعمل. ولكن ينبغي للبنك أن يقلق أيضاً من خطر الانهيار ــ والخطر ا��متمثل في أن يتسبب فشله في العمل، وبالتالي الركود العميق، في تقويض قدرة الزعماء السياسيين على اتخاذ الخطوات اللازمة لوضع اقتصادات بلدانهم على المسار السليم.

لا شك أن البنك المركزي الأوروبي سوف يعترض، وليس من دون سبب، بأن السياسة النقدية أداة كليلة عندما تستخدم لإعادة التوازن للاقتصاد الأوروبي. ولن يجدي خفض أسعار الفائدة أو "التيسير الكمي" بمسمى آخر كوسيلة لتعزيز القدرة التنافسية للاقتصادات المتعثرة في جنوب أوروبا.

وهذا صحيح بالقدر الكافي، ولكن في غياب النمو الاقتصادي يصبح من غير المرجح أن تتوفر الإرادة السياسية اللازمة لاتخاذ تدابير صعبة على المستوى الوطني. وإذا لم يتوفر الدعم من جانب البنك المركزي الأوروبي، فسوف يظل التعافي الاقتصادي والتزام الزعماء السياسيين بالإصلاح البنيوي مجرد آمال بحتة.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (2)

Please login or register to post a comment

  1. Portrait of Gregor Schubert

    CommentedGregor Schubert

    This commentar yis an excellent summary of the fundamental issue in the euro zone crisis that is often lost sight of in the face of a flurry of news about fiscal authorities struggling with forces beyond their control:

    The euro zone recession is fundamentally due to a lack fo demand and the main lever to stabilize aggregate demand is NOT fiscal policy but monetary policy. However, the ECB's words and the confusing semi-federalism of EU institutions have successfully led commenters to focus on the national institutions that corresponf to the electorate's consciousness and national politics: fiscal policy, austerity, welfare states, current account deficits are all over the editorials of major European newspapers, although any commentary on the crisis should be dominated by three letters: ECB.

    This blind spot perhaps explains the only omission in this excellent essay by Eichengreen. He notes:

    "The ECB’s surprise liquidity operation put the continent’s crisis on hold. But now, just fourth months later, matters are again coming to a head. The big southern European countries, Spain and Italy, battered by austerity, are spiraling into recession"

    Most other news sources are less subtle and speak of the ghastly "financial markets" that had allegedly been lulled in by ECB liquidity operations and now, like a stunned beast whose anesthetics are wearing off, are lashing out again at struggling Southern European sovereigns. To hear intelligent people write like that, one can only surmise that the efficient market hypothesis has abandoned European journalism.

    Here is an actual theory, not based on mythical beasts, to explain the return of the recession in Europe that seemed to have been almost defeated 5 months ago: The ECB steers the nominal income of the euro zone. The LTROs signalled to market participants that maybe there was still someone in Frankfurt who cared about unemployment, misery and political unrest more than about short-term inflation being slightly above the promised level.

    Then, the LTROs stopped and it became clear that the ECB was not willing to do the right thing in the face of ideological resistance from the German economic establishment. Moreover, the ECB's unwillingness to stimulate the euro zone economy became clearer through serious, but quite laughable, suggestions by Jörg Asmussen, German representative on the ECB Executive Board, that it was time for the ECB to start raising interest rates soon (because the EU euro zone economy is flourishing ?) and that last year's interest rate rise in the spring had been just as necessary. Unfortunately, he is terribly wrong: after last year's interest rate rise, the ECB soon had to reverse itself because the economy collapse and given where we are at right now...."success" is not the word that comes to mind.

    To summarize: Bravo for a great and lucid essay by Barry Eichengreen - one of few commentators who understands that the dragon's lair may be in Frankfurt, but it is not the Deutsche Börse...

  2. CommentedMarc Laventurier

    UCBs Inevitable Inhalation

    As I write, I'm enjoying UCBs Brad DeLong and his hosts on Bloomberg TV, and he's as genial and bright as Prof. Eichengreen was when we were classmates in secondary school near Berkeley, back when you could buy a schwarzer Kaffee for DM 3, and hear the MC5 in People's Park for free.

    Just as Barry does here, just as every economic commentator is compelled to do by the conventions of their discourse, Prof. DeLong resolved his conversation about Greece et al by invoking the great nostrum, growth.

    But then something subtle and marvelous seemed to happen; perhaps because there was some salesman in a kilt on the set plying the panelists with snifters of scotch, at once everyone seemed to recognize that such growth would be not be forthcoming, that the whole scheme would fail in those terms.

    So as Prof. Eichengreen has it here, only by reigniting at least nominal paper growth through printing money by the trillions can the preferred economic model animate a world that has lost its' way. Everyone should shape up and work harder, mach schnell - especially the printers.

    Well, the one economist I've come across who has accurately predicted this scenario from the beginning is the pony-tailed Marc Faber, reputed 'shroom eater; maybe there is something to the reported divinatory capabilities of the fungus. Or maybe it's the Laotian hillside weed. Whatever it takes to see clearly, in advance. And not to get lost in the weeds of formulaic concepts of growth.

Featured