Saturday, October 25, 2014
4

خيار الدبلوماسية

دنفر ــ ذات مرة قال لي أحد كبار الدبلوماسيين الروس في المقارنة بين كوريا الشمالية وإيران: "إن الكوريين الشماليين مثلهم كمثل أطفال الحي يحملون أعواد ثقاب. أما الإيرانيين فهم من يتعين علينا أن نقلق منهم حقا".

ويظل من غير المؤكد إلى حد كبير ما إذا كانت المحادثات بين إيران والدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالإضافة إلى ألمانيا، التي اختتمت في اسطنبول في الرابع عشر من إبريل/نيسان، والتي من المقرر أن تستأنف في بغداد في الثالث والعشرين من مايو/أيار، قد تحظى بأي فرصة للنجاح. إن الأموال الذكية يُراهَن بها في الأرجح على الفشل. ولكن يتعين على هؤلاء من ذوي الإيمان الضعيف أن يدركوا حقيقة أساسية ولو أنها مراوغة أحياناً عن مثل هذه المفاوضات: فهي تُدار لغرضين.

يتلخص الغرض الأول بالطبع في إقناع الدولة المعنية بتغيير موقفها تبعاً لوجهات نظر الأطراف الأخرى. ولكن المفاوضات لابد أن تُظهِر أيضاً أن كل جهد ممكن بُذِل بالفعل قبل التفكير في أية خطوات أخرى ــ وخاصة القرار البالغ الخطورة باتخاذ تدابير عسكرية. إن التدابير العسكرية تتطلب قبولاً دولياً واسع النطاق، ولا يمكن تلبية هذا الشرط إلا في سياق الجهود الحميدة على المستوى الدبلوماسي.

إن الدبلوماسية الفعّالة لا تستند إلى المادة فحسب؛ بل إنها تعتمد أيضاً على التوقيت والتسلسل. وهؤلاء الذين يؤيدون الحل العسكري لمشكلة الطموحات النووية الإيرانية، من دون اللجوء أولاً إلى الدبلوماسية والتدابير الاقتصادية من ذلك النوع المنفذ حالياً ضد الصادرات الإيرانية، لا يدركون هذه الحقيقة. والواقع أن قِلة من الزعماء السياسيين اليوم يساندون قضية الحرب. وهؤلاء الذين يساندونها لم ينجحوا إلا في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع، مع استجابة الأسواق التي تخشى التأثير المرجح للعمل العسكري على المنطقة بالكامل لتصرفات إيران العدوانية.

والواقع أن سبيلاً آخر كان متاحاً لاختصار الدبلوماسية مع إيران: وهو سبيل إسرائيل، التي تقع ضمن مدى أي صاروخ إيراني مسلح نوويا، والتي تُعَد بالتالي الأكثر عُرضة للتهديد إزاء هذا الاحتمال. ويبدو أن الاستعداد للقتال إلى آخر جندي إسرائيلي نمط مألوف بين هؤلاء الكارهين للمخاطرة بأنفسهم. ولكن تشجيع إسرائيل على القيام بما يعزف آخرون أعظم عدداً وعتاداً عن القيام به يعني توقع الكثير من دولة صغيرة في الشرق الأوسط تواجه مشاكل واسعة النطاق، وخاصة بين جيرانها.

لقد تابعت إسرائيل التطورات السياسية في مصر بقدر كبير من الانزعاج والقلق. كما يرى الإسرائيليون بقدر أكبر من الوضوح مقارنة بغيرها طبيعة النظام الذي قد يأتي خلفاً لحكام سوريا الحاليين (الذي من غير المرجح أن يتألف بالكامل من مستخدمي الفيس بوك).

ولئن كان صحيحاً أن العديد من الدول العربية تشعر بالانزعاج الشديد إزاء إيران النووية، فإنها من غير المحتمل أن تدعم أي تدخل عسكري في إيران من جانب إسرائيل. وهذه هي منطقة الشرق الأوسط، حيث كما تقول النكتة القديمة يلسع العقرب الجمل الذي يحمله عبر قناة السويس وهو يعلم أنه سوف يغرق معه.

إن الحرب وسيلة خطيرة لتحقيق غايات خطيرة، كما لاحظ كارل فون كلاوزفيتز قبل ما يقرب من مائتي عام. والدول التي عانت من الحرب بشكل مباشر تدرك أكثر من غيرها التأثيرات المؤلمة التي تخلفها على الأجيال التالية. والحرب في واقع الأمر هي النشاط البشري الأكثر ارتباطاً بعواقب غير مقصودة. والدفاع عن العمل العسكري خارج إطار الجهود الأخرى، حتى ولو كانت احتمالات نجاح هذه الجهود بعيدة تماما، يفرض الكثير ليس فقط على الدول التي من المفترض أن تساندها، بل وبشكل أكثر أهمية على الرجال والنساء الذين يجب عليهم أن يخوضوها.

إن التسلسل السليم للخطوات في التعامل مع بؤر التوتر في العالم يشكل أهمية قصوى لاكتساب الدعم الدولي لخطوات أخرى. والواقع أن الحملة الجوية التي نجحت في النهاية في كسر قبضة سلوبودان ميلوسيفيتش على كوسوفو (ثم لاحقاً قبضته على صربيا) لم تصبح ممكنة إلا بعد جهود دبلوماسية مطولة من جانب الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وروسيا.

ولم يحاول أحد في ذلك الوقت أن يزعم أن السلام لم يُعطَ الفرصة كاملة، ولهذا السبب فمن الخطأ غالباً أن ندعو إلى نهاية سريعة للدبلوماسية عندما يرى البعض أنها من غير المرجح أن تحقق أي شيء. والواقع أن العديد من الدول من غير المرجح أن تدعم الحل العسكري قبل أن ترى أن الجهود الحقيقية في الاستعانة بسبل أخرى للإقناع (والإكراه) كانت فاشلة حقا.

وحتى لو لم نفكر في الخيار العسكري للمستقبل، فإن المفاوضات قد تؤدي إلى مكاسب أخرى. ففي عشية بدء المحادثات السداسية الرامية إلى نزع سلاح كوريا الشمالية، أظهرت استطلاعات رأي عديدة في كوريا الجنوبية أن نسبة كبيرة من الجماهير هناك تحمل الولايات المتحدة المسؤولية عن التهديد النووي الذي تفرضه كوريا الشمالية. ورغم أن عملية المحادثات السداسية لم تفلح في إنهاء التهديد، فإنها نجحت فعلياً في تفنيد الجهود الرامية إلى إلقاء اللوم على الولايات المتحدة باعتبارها الجاني الحقيقي.

إن الطموحات النووية الإيرانية تمثل مشكلة كفيلة بدفع الأمور إلى تصعيد خطير إذا لم تُحَل، في ظل مراجعة دول مثل المملكة العربية السعودية وتركيا والولايات المتحدة وإسرائيل للخيارات المتاحة. ولكن هذه الخيارات سوف تصبح أكثر وضوحاً إذا تم استكشاف وبحث المسار الدبلوماسي بكل عناية ودقة أولا.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

Hide Comments Hide Comments Read Comments (4)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedIlan Bajarlia

    I agree with the author in the main point: I also think diplomacy is the best option in order to solve international conflicts.
    But I think the article it is missing another very important point: besides explaining why diplomacy is better than war as an abstract, general idea, in order to decide what to do on the iranian debate, it is also important to explain what Iran has to negociate with the P5 + 1.
    That is, diplomacy, economic sanctions or war are three very different ways for countries on trying to achieve their goals in international politics; there are part of a bigger foreign policy stategy.
    So the key question here is asking and trying to explain why Iran is developing a nuclear bomb: it is not the same if it is for destabilizing the status quo with hegemonic aspirations, or becouse Iran feels insecure from a neorrealistic understanding of the anarchical international system in theory and of the hostility in the middle eastern reality in particular.
    Only after answering this question we can analyze which is the most accurate method for stopping the iranian bomb. And yes, I think diplomacy is the best for that.

  2. CommentedSteven Gilbert

    At the risk of neither being cool nor intellectual, let's be blunt and state the obvious - we (US) are the good guys and the Iranians are the bad guys.

    Iran's actions at home, in Syria, Afghanistan, Venezuela, Lebannon, Gaza, Bolivia, Bahrain, and Yemen just to name a few are well understood except by those in a state of willful denial. The solution, in principle, is simple; put their lie (peaceful research and use of nuclear energy) to the test. Provide them with fuel plates for generation of electricity and the tiny quantities of materiel with which to conduct medical research. Deny them everything else. If this strikes some as falling short of "negotiating in good faith" as it lacks the give and take of diplomacy, too bad. Remember, they're the bad guys. If you're not sure, book a stay in Even Prison. Remember, we're the good guys; they're the bad guys.

  3. CommentedKevin Lim

    "The Israelis also see with greater clarity than many in the world the nature of the likely successor regime in Syria (hint: it will probably not be comprised exclusively of Facebook and Twitter users)."

    Spot on.

  4. CommentedHamid Rizvi

    "CommentsIran’s nuclear aspirations are a problem that, if not resolved, could lead to dangerous escalation, as countries such as Saudi Arabia, Turkey, the US, and Israel review their options."

    Problem for whom? Israel and their paranoia. How long will the US tow the line for Israel?

    So as a result of this unruly country and it's powerful AIPAC in the US the rest of the World suffers not to mention the Iranians themselves.

    Get over your double standards of hoarding enough nuclear devices to destroy the World ten times over while pretending to be holier the thou!

Featured