Friday, October 24, 2014
0

انحدار وسقوط أسطورة انحدار وسقوط أميركا

كمبريدج ـ إن الولايات المتحدة تمر الآن بأوقات عصيبة. فقد تباطأ تعافيها الاقتصادي في أعقاب 2008، ويخشى بعض المراقبين أن تدفع المشاكل المالية في أوروبا اقتصاد أميركا والعالم إلى الركود من جديد.

كما وصل الساسة الأميركيون فضلاً عن ذلك إلى طريق مسدود تماماً فيما يتصل بالقضايا الخاصة بالميزانية، وسوف تتزايد صعوبة التوصل إلى تسوية في هذا الشأن في عشية انتخابات 2012، حيث يأمل الجمهوريون أن تساعدهم المشاكل الاقتصادية في الإطاحة بالرئيس باراك أوباما. وفي ظل هذه الظروف يتوقع العديد من المراقبين انحدار أميركا، وخاصة بالنسبة للصين.

وهذا ليس تصور الخبراء والمراقبين فحسب. فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة بيو مؤخراً أن أغلب الناس في 15 دولة من 22 دولة شملها الاستطلاع يعتقدون أن الصين إما أن تتفوق على أميركا قريباً أو أنها تفوقت عليها بالفعل باعتبارها "القوى العظمى الرائدة على مستوى العالم". وفي بريطانيا، ارتفعت نسبة هؤلاء الذين وضعوا الصين قبل أميركا في الترتيب من 34% في عام 2009 إلى 47%. كما اتضحت اتجاهات مماثلة في ألمانيا وأسبانيا وفرنسا. بل إن الاستطلاع وجد نظرة أكثر تشاؤماً للولايات المتحدة بين حلفائها الأقدم والأقرب مقارنة بالحال في أميركا اللاتينية وأميركا واليابان وتركيا وأوروبا الشرقية. بيد أننا سوف نجد أن حتى الأميركيين منقسمون بالتساوي حول ما إذا كانت الصين سوف تحل محل الولايات المتحدة كقوة عظمى عالمية.

والواقع أن مثل هذه المشاعر تعكس النمو البطيء والمشاكل المالية التي أعقبت الأزمة المالية في عام 2008، ولكنها ليست غير مسبوقة تاريخيا. فقد اشتهر الأميركيون تاريخياً بتقدير قوتهم بشكل غير صحيح. ففي خمسينيات وستينيات القرن العشرين، بعد إطلاق الاتحاد السوفييتي للقمر الاصطناعي سبوتنيك، تصور كثيرون أن السوفييت قد يتغلبون على أميركا؛ وفي الثمانينيات كان اليابانيون. والآن الصينيون. ولكن بعد أن أصبحت الديون الأميركية على وشك معادلة دخلها الوطني في غضون عشرة أعوام، وفي ظل النظام السياسي المتخبط العاجز عن مواجهة التحديات الأساسية التي تواجهها البلاد، فهل كان القائلون بانحدار أميركا محقين في نهاية المطاف؟

إن الكثير من الأمر سوف يتوقف على الشكوك ـ التي يهون الكثيرون من شأنها غالبا ـ الناشئة عن التغير السياسي المنتظر في الصين. صحيح أن النمو الاقتصادي سوف يقرب الصين من الولايات المتحدة فيما يتصل بموارد القوة، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن الصين سوف تتفوق على الولايات المتحدة باعتبارها الدولة الأكثر قوة.

لا شك أن الناتج المحلي الإجمالي الصيني سوف يفوق نظيره الأميركي في غضون عشرة أعوام، بفضل عدد سكانها الهائل ومعدلات النمو الاقتصادي الهائلة. ولكن بالقياس على نصيب الفرد في الدخل فإن الصين لن تتعادل مع الولايات المتحدة قبل عقود من الزمان، هذا إذا حدث ذلك على الإطلاق.

وحتى لو لم تكن الصين تعاني من نكسات سياسية داخلية كبرى، فإن العديد من التوقعات الحالية تستند ببساطة إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي. وهي تتجاهل المزايا التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصعيد العسكري وصعيد القوة الناعمة، فضلاً عن المشاكل الجيوسياسية التي تعاني منها الصين. وبينما تحاول دول مثل اليابان والهند موازنة القوة الصينية، فإنها ترحب بالتواجد الأميركي. والواقع أن هذا أشبه بأن تسعى المكسيك أو كندا إلى التحالف مع الصين بهدف موازنة قوة الولايات المتحدة في أميركا الشمالية.

إذا تحدثنا عن الانحدار المطلق فلابد وأن نعترف بأن الولايات المتحدة تعاني من مشاكل حقيقية للغاية، ولكن الاقتصاد الأميركي يظل منتجاً إلى حد كبير. وتظل أميركا محتفظة بالمركز الأول فيما يتصل بالإنفاق على الأبحاث والتطوير، والمركز الأول في الترتيب الجامعي، والمركز الأول في عدد الحائزين على جائزة نوبل، والمركز الأول فيما يتصل بمؤشرات العمل التجاري. ووفقاً للمنتدى الاقتصادي العالمي، الذي أصدر تقريره السنوي عن القدرة التنافسية الاقتصادية في الشهر الماضي، فإن الولايات المتحدة تحتل المرتبة الخامسة من حيث القدرة التنافسية الاقتصادية على مستوى العالم (بعد اقتصادات سويسرا والسويد وفنلندا وسنغافورة الصغيرة). وتحتل الصين المرتبة السادسة والعشرين.

وتظل الولايات المتحدة فضلاً عن ذلك في طليعة العديد من التكنولوجيات المتطورة مثل التكنولوجيا الحيوية وتكنولوجيا النانو. وهذه ليست الصورة التي تتفق مع الانحدار الاقتصادي المطلق بأي حال.

يخشى بعض المراقبين أن يصاب المجتمع الأميركي بالجمود، كما حدث مع بريطانيا في ذروة قوتها قبل قرن من الزمان. ولكن الثقافة الأميركية أكثر ميلاً إلى المغامرة التجارية واللامركزية مقارنة بالحال التي كانت عليها بريطانيا آنذاك، حيث سعى أبناء الطبقة الصناعية إلى الحصول على ألقاب أرستقراطية وشرفية في لندن. وعلى الرغم من ��لنوبات المتكررة من القلق والانزعاج طيلة التاريخ، فإن أميركا تحصد عادة فوائد ضخمة من الهجرة. ففي عام 2005 ساهم المهاجرون المولودون خارج أميركا في 25% من المشاريع التكنولوجية المبتدئة في العقد السابق. وكما أخبرني لي كوان يو من سنغافورة ذات يوم فإن الصين بوسعها أن تعتمد على مجمع من المواهب لدى 1.3 مليار شخص، في حين تستطيع الولايات المتحدة أن تعتمد على 7 مليار شخص هم سكان كوكب الأرض بالكامل، وبوسعها أن تعيد توحيدهم في ثقافة متنوعة تعزز الإبداع على نحو لا قِبَل لقومية هان العرقية بمحاكاته.

ويشعر العديد من المعلقين بالقلق إزاء النظام السياسي الأميركي الذي يفتقر إلى الكفاءة. والواقع أن آباء أميركا المؤسسين أقاموا نظاماً من الضوابط والتوازنات يهدف إلى الحفاظ على الحرية على حساب الكفاءة. فضلاً عن ذلك فإن الولايات المتحدة تشهد الآن فترة من الاستقطاب الحزبي الشديد. ولكن السياسة البغيضة ليست بالأمر الجديد على الولايات المتحدة: فمن الصعب أن نزعم أن عصر التأسيس كان بمثابة قصيدة هادئة من المداولات الرزينة. والواقع أن الحكومة الأميركية وسياستها كانت تشهد دوماً مثل هذه النوبات، ورغم طغيان الدراما الحالية علي أحداث الماضي، فإن هذه الأحداث كانت في بعض الأحيان أسوأ من مثيلاتها اليوم.

إن الولايات المتحدة تواجه مشكلات خطيرة: الدين العام، والتعليم الثانوي الضعيف، والجمود السياسي، على سبيل المثال لا الحصر. ولكن يتعين علينا أن نتذكر أن هذه المشاكل ليست سوى جزء من الصورة الكاملة ـ وهي من حيث المبدأ قابلة للحل في الأمد البعيد.

من الأهمية بمكان أن نميز بين هذه المشاكل وبين تلك التي لا يمكن حلها من حيث المبدأ. بطبيعة الحال، لا نستطيع أن نجزم بما إذا كانت أميركا قادرة على تنفيذ الحلول المتاحة؛ فقد اقترحت عدة لجان خططاً ممكنة لتغيير مسار الدين الأميركي من خلال زيادة الضرائب وخفض الإنفاق، ولكن جدوى هذه الخطط ليس بالضمانة الكافية لتبنيها. ولعل لي كوان يو كان على حق حين قال إن الصين سوف تباري الولايات المتحدة ماليا، ولكنها لن تتفوق عليها في القوة الإجمالية في النصف الأول من هذا القرن.

إذا كان الأمر كذلك فسوف يتبين لنا أن التوقعات القاتمة بالانحدار الأميركي المطلق لا تقل تضليلاً عن مثيلاتها في العقود الماضية. ورغم أن "صعود بقية القوى" يعني أن أميركا سوف تكون من الناحية النسبية أقل قدرة على فرض هيمنتها مقارنة بالماضي، فإن هذا لا يعني أن الصين سوف تحل بالضرورة محل الولايات المتحدة باعتبارها القوة الرائدة على مستوى العالم.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured