Monday, April 21, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

عصر "الأتمتة" المالية القادم

برينستون ـ إن المناقشات العامة، وخاصة أثناء الأزمات الاقتصادية، تركز عادة على الإحصائيات الخاصة بالنمو، والتي تعمل وكأنها ميزان حرارة لقياس الحمّى. ولكن القراءات لا يمكن التعويل عليها، وهي تتغير باستمرار، الأمر الذي يدفع القائمين على الإحصاء إلى التفكير في طرق مختلفة لقياس المنتجات المختلفة لأي اقتصاد. ولقد ألقت البيانات المنقحة حديثاً بظلال من الشك على النطاق الاقتصادي بصورة خاصة والدور الذي تلعبه الخدمات المالية.

في نهاية شهر يوليو/تموز أصدر مكتب التحليل الاقتصادي في الولايات المتحدة مراجعات لبيانات الناتج المحلي الإجمالي الأميركي ترجع إلى عام 1929. وكانت النتيجة الرئيسية تتلخص في إثبات أن الناتج المحلي الإجمالي أشد تقلباً مما كان مفترضاً من قبل.

فقد نما الاقتصاد بمعدلات أسرع في الأوقات الطيبة، وانخفض بصورة أشد حِدة في أوقات الانحدار والتراجع. وأثناء الفترة من عام 1997 إلى عام 2008 كان معدل النمو السنوي 2,8% وليس 2,7%. وفي عام 2008 هبط الرقم إلى 0,4% وليس 1,1% كما كان مفترضاً من قبل. كما كان الانهيار في الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول من عام 2009 أكبر حجماً مما كان متصوراً من قبل.

إن المنطق الذي تستند إليه هذه التغييرات أكثر إثارة للاهتمام من التنقيحات الضئيلة نسبياً لمعدلات النمو الناتجة. ومن بين النوايا الرئيسية وراء ذلك كان السماح بقدر أعظم من المحاسبة النزيهة. وكان الإنفاق على الخدمات المالية بصورة خاصة يعامل على نحو مختلف، ويظهر بشكل أكثر شفافية. على سبيل المثال، كان الإنفاق الطبي أقل في الحسابات الجديدة، وذلك لأن التكاليف التي يمكن عزوها إلى التأمين بدلاً من تقديم الخدمات الطبية أصبحت الآن تظهر باعتبارها إنفاقاً على ampquot;الخدمات المالية والتأمينampquot;.

والحسابات الجديدة تبين على نحو أوضح من ذي قبل التوسع الكبير للخدمات المالية على مدى العقد الماضي. لقد تضاعف الإنفاق على الخدمات المالية تقريباً في غضون الفترة من عام 1998 إلى عام 2007، والآن أصبح يعادل 8,2% من الاستهلاك الشخصي ـ وهو الرقم الذي يتضمن الدخل الذي يتم تحويله من المستهلكين المكافآت سيئة السمعة التي يتلقها المصرفيون والمضاربون.

إن الرد على الأزمة الحالية ليس من المرجح أن يتلخص في وقف الإبداع المالي، ولكن من المحتمل أن يؤدي إلى ترشيد وخفض تكاليف تقديم الخدمات المالية. هناك سوابق تاريخية واضحة في كبح جماح القطاعات المفرطة في الإسراف والإبداع. ففي القرن التاسع عشر أدت حملة بناء خطوط السكك الحديدية إلى خلق خطوط ازدواج، قبل أن تتسبب موجات الانحدار الدوري الشديدة في تطهير العديد من الشركات، تاركة شبكة أكثر رشاقة وأرخص تكلفة. وعلى نحو مماثل انتقل العديد من رجال الأعمال في مطلع القرن العشرين إلى إنتاج السيارات. ولم يتمكن سوى عدد محدود من أكثر المنتجين كفاءة من النجاة من انهيار طفرة الازدهار الأولى.

إن العديد من البلدان، بما في ذلك الولايات المتحدة، ما زالت تطبق أنظمة مصرفية مبالغ في تعقيدها. ولقد بات من الواضح أيضاً الآن أن المنتجات المالية ذاتها كانت معقدة للغاية وأن أغلب العملاء، إن لم يكن جميعهم، كانوا لا يعرفون ماذا يشترون على وجه الدقة.

وتقليدياً، كانت البنوك عبارة عن ampquot;صناديق سوداءampquot;، حيث كانت العمليات تتم في الخفاء بعيداً عن العملاء. وكان البنك يعرف عن المكان الذي ذهبت إليه أمواله أكثر مما يعرفه مودعيه ودائنيه عنها. كانت البنوك الاستثمارية تقدم المشورة للمؤسسات بشأن عمليات الاندماج والحيازة، ولكنها أصدرت أيضاً أوراقاً مالية وأدارت تجارة أملاك خاصة بها. وفي حين أن ما أطلق عليه ampquot;الأسوار الصينيةampquot; كان يعمل على الفصل بين هذه الأنشطة، ففي الممارسة العملية افترض المشاركون في السوق قدراً من التسرب، وتوقعوا عائدات أفضل من التعامل مع البنوك الكبرى، في ظل عملياتها الدولية المتعددة الجوانب. وبالتالي فقد افترض كل طرف في هذه الصفقات أنه يحصل على شيء خاص من الأفكار المتراكمة التي اكتسبها البنك من فروع أعماله الأخرى، وهي الأفكار المستمدة أساساً من تضارب دائم في المصالح.

إن عبقرية تحويل الأصول إلى أوراق مالية، الإبداع المالي العظيم في التسعينيات، تتمثل في سماحها للمستثمرين ـ نظرياً ـ بتجاوز البنوك التي تفتقر إلى الشفافية. وحلت الأوراق المالية في محل الائتمان المصرفي التقليدي. غير أن البنوك استخدمت الإبداع لوضع الأوراق المالية الشفافة في ampquot;أدوات استثمارampquot; بالغة الغموض. أما خاصية الصندوق الأسود لدى البنوك فقد كُـتِب لها البقاء وتحولت إلى مصدر أعظم للضعف. ذلك أن الصناديق السوداء تصبح أكثر فتكاً حين تخفي شخصاً حاقداً محتالاً.

من الممكن أن نتصور أن التمويل الأطول أجلاً سوف يصبح أقل عُرضة للمشاكل المترتبة على المعلومات غير المتساوقة، والتي تتطلب مستوى مرتفعاً من الثقة من جانب المودعين والمستثمرين من أجل الحد من مخاطر انتشار الذعر وحدوث الأزمة. ولكن التمويل لن يظل سيداً لنا إلا إذا انتفت الحاجة إلى ampquot;المطلعين من الداخلampquot;، وهذا يتطلب الشفافية وانتشار المعرفة المالية. وفي المستقبل قد يتم التعامل مع تضارب المصالح من خلال نظم حسابية تخول أو تمنع المعاملات المالية. وعلى نفس النحو الذي تسببت به آليات الدفع الآلي في تحويل قاعات التداول إلى نظام عتيق، فإن العديد من الوظائف المصرفية من الممكن أن تتحول ببساطة إلى تفاعل بين أنظمة برمجية.

وكما كانت الحال في المراحل الانتقالية السابقة، فحين تؤدي الإبداعات الجديدة إلى توفير التكاليف، فإن الأفراد الذين يعملون في الصناعة المالية سوف يحاولون إنتاج حجج مقنعة بشأن السبب وراء اعتماد أعمالهم على اللمسة الإنسانية. هناك من زعموا أن آلات الحصاد كانت سبباً في انخفاض جودة الحبوب المجموعة، لأنها لم تعد خاضعة للفحص المباشر بالعين البشرية. وبالمثل، فإن مصانع السيارات المتطورة تتألف الآن من روبوتات ومع ذلك فقد أصبح إنتاجها أكثر أماناً من أي وقت مضى.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured