لم تحتل زيارة الرئيس بوش الأخيرة إلى آسيا مساحة كبيرة من الأخبار العالمية ـ وذلك وفقاً للتصميم المعد لها. لكن السبب الحقيقي وراء هذا هو أن بوش لم يبدأ في معالجة القضية التي تلوح في أفق المنطقة وتتفاقم على نحو مستمر: وتتلخص هذه القضية في تغير الوجه الأمني لقارة آسيا على ضوء القوة الاقتصادية والعسكرية المتنامية للصين.
أثناء هذا الصيف، على سبيل المثال، اشتركت الصين مع روسيا في إجراء أول مناورة عسكرية مشتركة واسعة النطاق تتم بين الدولتين. وفي أعقاب هذه المناورة تناقلت وكالات الأنباء التقارير الإخبارية الروسية التي أكدت أن الصين وروسيا والهند تعتزم إجراء مناورات عسكرية ثلاثية على نفس النطاق باسم "إنديرا 2005"، قبل نهاية هذا العام.
في الماضي كان مجرد التفكير في اشتراك هذه الدول الثلاث في عمل مشترك يكاد يكون من قبيل المستحيل، ولا نستطيع أن نفسر هذه التدريبات ببساطة بأنها تجربة وحيدة لن تتكرر مرة أخرى ولن تخلف صدى مؤثراً، فهي تعكس هدف الصين الإستراتيجي على الأمد البعيد والذي يتلخص في ترسيخ هيمنتها على قارة آسيا.
وتمثل منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) إحدى الأدوات التي تستخدمها الصين لتحقيق هذا الطموح، وهي المنظمة التي بدأت في ظلها المناورات العسكرية الصينية الروسية المشتركة. وتضم المنظمة التي تأسست في عام 2001، الصين وروسيا وكازاخستان وقيرغستان وطاجيكستان وأوزباكستان. وكان الغرض الأصلي لمنظمة شنغهاي للتعاون هو التخفيف من حدة التوتر على الحدود بين الصين ودول وسط آسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ووصول الآلة العسكرية للولايات المتحدة إلى المنطقة بسبب الحرب في أفغانستان.
وتنظر الصين إلى منظمة شنغهاي للتعاون باعتبارها مرحلة من مراحل توسيع نفوذها في ذلك الإقليم المترامي الأطراف، والذي يمتد من منطقة الباسيفيكي الآسيوية إلى جنوب شرق آسيا، والشرق الأوسط، وشرق أفريقيا، والمحيط الهندي. والحقيقة أن الدول الأعضاء في هذه المنظمة تضم بين حدودها 45% من تعداد سكان العالم، و28% من كتلة اليابسة التي تمتد عبر القارة الآسيوية الأوروبية.
وكانت النتيجة الطبيعية لزعامة الصين النشطة لمنظمة شنغهاي للتعاون انتهاجها لسياسات منحازة للصين. وبالتدريج حولت المنظمة تركيزها إلى مكافحة المتطرفين الإسلاميين. لكن المنظمة أصبحت اليوم تستخدم كمنتدى للحملة الجارية ضد السياسة الأحادية التي تنتهجها الولايات المتحدة، ولتشكيل جبهة موحدة ـ وبصورة خاصة بين الصين وروسيا ـ ضد الولايات المتحدة فيما يتصل بقضايا الأمن وتخفيض مستوى التسليح في المنطقة. ويتضمن هذا أجراء تدريبات مشتركة مضادة للإرهاب. كما تطالب المنظمة بتخفيض قوات الولايات المتحدة في المنطقة، وبصورة خاصة في أوزباكستان وقيرغستان.
إن الهدف من منظمة شنغهاي للتعاون لا يقتصر على تزويد الصين بمنصة انطلاق في مواجهة التحالف الذي تتولى الولايات المتحدة زعامته في منطقة آسيا والباسيفيكي فحسب، بل إن المنظمة تستخدم الآن وعلى نحو متزايد لمنع تكوين شبكة تتزعمها الولايات المتحدة وتهدف إلى تقييد التقدم الصيني. كما يخشى في المقام الأول أن تتطور منظمة شنغهاي للتعاون إلى تحالف عسكري مشابه لحلف وارسو الذي تأسس في زمن الحرب الباردة، حيث يحمل هذا التحالف في أحشائه جنين "اتحاد الصين الأكبر".
لكن الدبلوماسية الإقليمية التي تتبناها الصين تتجاوز حدود منظمة شنغهاي للتعاون. فهي تنتهز كل فرصة سانحة، بما في ذلك المحادثات السداسية بشأن الطموحات النووية لكوريا الشمالية، للتأكيد على أهميتها المركزية في التوصل إلى أية تسوية لأية قضية آسيوية. فضلاً عن ذلك، فهي تستمر في محاولاتها لنظم "عقد اللآلئ" المكون من قواعد عسكرية عند كل نقاط التقاء الطرق البحرية الرئيسية على امتداد "قوس عدم الاستقرار" من الشرق الأوسط إلى ساحل الصين.
يبدو أن لا أحد يدري كيف يتعامل مع محاولات الصين لاستعراض عضلاتها على الصعيدين الدبلوماسي والعسكري في آسيا، وذلك لأن مدى الطموحات الصينية ما زال غير واضح على الإطلاق حتى الآن. ولكن بينما يكتفي الجميع بالتفكير والتأمل في الدوافع التي تحرك الصين، فإن حكومة الصين تعمل بلا هوادة. والحقيقة أن مجموعة الخبراء والمفكرين التي ألفها رئيس وزراء المملكة المتحدة لدراسة القضية الأمنية تحت مسمى معهد الدراسات الإستراتيجية الدولية، قد حذرت مؤخراً من أنه بينما يركز العالم على قضية مكافحة الإرهاب الدولي والأحداث الجارية في الشرق الأوسط، فإن الصين تسارع إلى توسيع نفوذها من آسيا إلى أفريقيا.
وتتضمن "اللآلئ" في أفريقيا السودان، وأنجولا، والجزائر، والجابون، وناميبيا، وزامبيا، وتنزانيا، وزيمبابوي، وأوغندا، وجيبوتي، ومالي، وأفريقيا الوسطى، وليبريا، وإثيوبيا، وموزمبيق، وسيراليون، وجمهورية الكنغو الديمقراطية. وفي كل من هذه الدول تسعى الصين إلى تنمية وترسيخ علاقات عسكرية وتجارية خاصة الهدف منها تعزيز الولاء للمصالح الصينية.
وكما هي الحال في آسيا، فإن العمل في أفريقيا يجري وفقاً لنمط مألوف: ذلك أن النفوذ المتنامي للصين يعمل على توليد المزيد من التأييد للسياسات الصينية. وبطبيعة الحال فإن هذه العملية تتم في اتجاهين. فكلما برزت الشكاوى في لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، تستطيع الصين أن تعتمد على تأييد العديد من دول أفريقيا التي تعاني شخصياً من مشاكل تتعلق بحقوق الإنسان. حتى أن اختيار مدينة بكين كموقع لإقامة الألعاب الأوليمبية لعام 2008 جاء نتيجة لغلبة "الأصوات الإفريقية". ولقد أعلنت الصين على الملأ أنها ستساند الدول الأفريقية في النزاعات التي قد تنشأ في إطار منظمة التجارة العالمية والمنظمات الدولية الأخرى.
وعلى نحو مماثل، يبدو أن العديد من الدول الإفريقية أصبحت الآن تميل بشدة لصالح الصين في نزاعها مع تايوان. وحين حاولت حكومة اليابان تحقيق حلم اليابان في أن تصبح عضواً دائماً في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فلم يساند مسعاها سوى قلة من الدول الإفريقية، على الرغم من المعونات الاقتصادية التي ظلت تتلقاها من اليابان لعقود.
إن الصين تحب أن تتباهى بـِ "نهضتها السلمية"، لكن نهضة بسمارك في ألمانيا مع نهاية القرن التاسع عشر كانت أيضاً سلمية ـ لبعض الوقت. والمسألة هنا ليست ما إذا كانت الصين تتحول إلى قوة عظمى على نحو سلمي أو غير سلمي، بل إن الأمر يتوقف على ما إذا كانت الصين تعتزم أن تظل مسالمة حين تصبح قوة عظمى بالفعل أم لا. وتماماً كما واجه العالم "مسألة بسمارك" منذ 125 عاماً، فهو يواجه الآن "المسألة الصينية". والحقيقة أن العالم في حاجة إلى إجابة أفضل هذه المرة.


Comments (0)
You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.
The two commenting options explained
Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.
1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.
2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.