Sunday, April 20, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

محاولة المستحيل في القوقاز

يريفان ـ لقد حل علينا موسم مؤتمرات القمة. ففي أعقاب اجتماع قمة مجموعة العشرين في سول، واجتماع قمة حلف شمال الأطلنطي في البرتغال، من المقرر أن تعقد منظمة الأمن والتعاون في أوروبا أول قمة لها منذ عشرة أعوام في أستانا عاصمة كازاخستان الجديدة النابضة بالحياة.

وهذه هي القمة الرابعة التي تقعدها منظمة الأمن والتعاون في أوروبا في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. فقد انعقدت القمة الأولى في عام 1994 في بودابست، وهو العام الذي تحولت فيه هذه المجموعة إلى منظمة جديدة في مرحلة ما بعد الانفراجة. ثم كانت القمة الثانية في لشبونة في عام 1996، والثالثة في اسطنبول في عام 1999.

وليس من قبيل الصدفة أن تتداخل فجوة الأعوام العشرة بين آخر قمتين مع بروز روسيا من جديد بوصفها لاعباً عالميا، في أعقاب صدمة انهيار الاتحاد السوفييتي. ونتيجة لعودة روسيا إلى الحياة، نشأت مجموعة من الخلافات داخل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ـ المنظمة الوحيدة لعموم أوروبا وعبر الأطلسي التي تضم أوروبا القديمة ودول ما بعد الاتحاد السوفييتي.

وفيما يتصل بالتحديات التي تتراوح بين مراقبة الانتخابات إلى معاهدة القوات التقليدية في أوروبا، فلا توجد أرضية مشتركة بين البلدان الأعضاء الستة والخمسين. والأسوأ من ذلك تلك المرارة اللاذعة الناشئة بين روسيا وبقية البلدان الأعضاء فيما يتصل بالعديد من الأمور، بما في ذلك الهندسة الأمنية البديلة التي يتخيل الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف إمكانية وضعها تحت مظلة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا.

ولكن في ظل العدد الكبير من الخلافات وغياب أي اتفاقيات مهمة جاهزة للإتمام في أستانا، فإن الأمر برمته يبدو وكأن هذه القمة تعقد لمجرد الانعقاد لا أكثر. ومن دون النتائج المعتادة المرتبة سلفاً، فإن الوفود وقادة الوفود سوف يبحثون عن قصة نجاح لتقديمها إلى العالم ـ سواء كان ذلك فيما يتصل بالأبعاد الإنسانية أو الاقتصادية أو الأمنية لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا.

والواقع أن هذا البحث قد يقودنا إلى النزاع الوحيد الذي يلعب دوراً مباشراً في إطار منظمة الأمن والتعاون في أوروبا: ألا وهو النزاع بين الأرمن والأذربيجانيين حول إقليم ناجورنو كاراباخ الأرميني عرقيا. وتلعب منظمة الأمن والتعاون في أوروبا دور الوسيط ـ من خلال المقاعد المشتركة لمجموعة منسك (حكومات فرنسا وروسيا والولايات المتحدة) ـ في أكثر الصراعات والتهديدات الأمنية تفجراً في القوقاز.

ومما لا شك فيه أن التفاوت في القوة بين طرفي هذا الصدام، على النقيض من الأمر في حرب جورجيا مع روسيا، ليس كبيراً إلى الحد الذي قد يجتذب الانتباه العالمي. ولكن في ضوء التحالف بين أرمينيا وروسيا، والعلاقات القوية التي تربط أذربيجان بتركيا، فإن اندلاع الحرب حول كاراباخ قد يتصاعد إقليميا.

وربما لهذا السبب، كانت هناك أحاديث عن اجتماع عقد في أستانا بين رئيسي روسيا وفرنسا، ووزيرة خارجية الولايات المتحدة، ورئيسي أرمينيا وأذربيجان. والواقع أن هذا الاحتمال يشكل فرصة عظيمة وخطراً جسيماً في نفس الوقت.

هناك سبب لعدم انعقاد مثل هذا الاجتماع منذ بدأ هذا الصراع قبل عشرين عاما. إن الاجتماع بين الرؤساء يشكل المنتدى التفاوضي الأمثل، ولابد وأن يقود إلى نجاح حقيقي ومستدام. وإذا تم الأمر خلافاً لذلك فسوف يبدو الأمر وكأن أي قدر من التفاوض لن يساعد في تصحيح الوضع في القوقاز ـ وهو ما قد يقوض القيد الرئيسي الذي يمنع الجانبين من اللجوء مرة أخرى إلى الحل العسكري.

إن حل النزاع حول ناجورنو كاراباخ سلمياً يتطلب خطوتين متوازيتين: ضمان عدم العودة إلى الأعمال العدائية العسكرية، وتبني خطة أولية ملزمة للطرفين بالتوصل إلى تسوية نهائية. وفي غياب ما يضمن التوصل إلى مثل هذه النتيجة، فلا ينبغي لنا أن نحاول عقد اجتماع على المستوى الرئاسي.

ويصدق هذا بشكل خاص في وقت حيث أصبح الرادع الرئيسي الآخر لتجدد أعمال العنف ـ التوازن العسكري بين الجانبين ـ ضعيفا. ففي هذا العام تجاوزت الميزانية العسكرية الأذربيجانية وحدها مجموع الإنفاق الحكومي في أرمينيا وكاراباخ. وهذا، إلى جانب أكثر من ثلاثين مناوشة تحدث يومياً على خط التماس، لا يبشر بالخير فيما يتصل بآفاق السلام، وخاصة في ظل غياب ولو حتى أقل إشارة إلى الاتفاق على وثيقة، أي وثيقة.

ولعل المخطط الأولي المقبول قد ينشأ من المفاوضات عالية المستوى في أستانا إذا تمكنت من البناء على ما نجح في كسر جمود المفاوضات السابقة: أو فكرة الاستفتاء حيث يستطيع أهل كاراباخ الذين أنهكتهم الحرب أن يقرروا وضعهم النهائي. والواقع أن جمال الاستفتاء في مثل هذه الظروف هو أنه يعترف بالمبدأين الجوهريين الكامنين في قلب هذا الصراع ـ تقرير المصير ووحدة الأرض.

ولكن حتى وقتنا هذا، لم يتم الاتفاق على توقيت الاستفتاء. ويظل هذا الفشل يشكل العقبة الرئيسية التي تحول دون معالجة العديد من المشاكل الأخرى المعلقة بين طرفي النزاع.

بعد أقل من شهرين، سوف يعقد جنوب السودان الاستفتاء على الاستقلال الذي تم الاتفاق عليه في عام 2005. وقبل ما يزيد على العامين قليلا، صوتت كوسوفو للاستقلال عن صربيا. وإذا عملت مجموعة عالية المستوى في أستانا على تعزيز فكرة الاستفتاء وتحديد تاريخ مقبول من الطرفين، فإن يُعَد إنجازاً كبيرا. فهذا يعني نجاح القمة ونجاح منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ولن يظل إقليم كاراباخ مرادفاً للصراع، بل إنه سوف يتحول إلى مختبر لصنع السلام.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured