Saturday, April 19, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

الحجة لصالح العودة إلى تنظيم حسابات رأس المال

نيويورك ـ إن المناقشات الدائرة اليوم بشأن "حروب العملة" تكشف عن مظهرين متناقضين للاقتصاد العالمي. الأول يتلخص في غياب أي آلية تربط قواعد التجارة العالمية بتحركات أسعار الصرف. وتنفق بلدان العالم أعواماً في التفاوض على قواعد التجارة، ولكن تحركات أسعار الصرف قادرة في غضون بضعة أيام على التأثير على التجارة بشكل أعظم من تلك الاتفاقيات المضنية. فضلاً عن ذلك فإن تحركات أسعار الصرف تتحدد في الأساس استناداً إلى التدفقات المالية وقد لا يكون لها أي تأثير فيما يتصل بتصحيح الخلل التجاري العالمي.

والمفارقة الثانية هي أن التوسع النقدي قد يكون غير فعّال إلى حد كبير في البلد الذي يتبناه، ولكنه قادر على توليد عوامل خارجية سلبية ضخمة في بلدان أخرى. ويصدق هذا بشكل خاص على التيسير الكمي الجاري الآن في الولايات المتحدة، وذلك لأن الدولار الأميركية هو العملة الاحتياطية العالمية الرئيسية.

حتى الآن، في ظل الأزمة المالية وما تلاها من ركود، كانت الولايات المتحدة غير قادرة على دفع الائتمان إلى النمو، رغم أن نمو الائتمان يشكل الآلية الانتقالية الرئيسية التي يتغذى عليها التوسع النقدي إلى النشاط الاقتصادي المحلي. ولكنه يحث تدفقات رأس المال الهائلة على التوجه إلى الأسواق الناشئة، حيث تعمل على توليد فقاعات أسعار الأصول. وإذا أدى هذا إلى إضعاف الدولار فإنه قد يخلف أيضاً آثاراً سلبية على الشركاء التجاريين. (وبوسعنا أن نقول نفس الشيء عن قرارات السياسة النقدية التي تبنتها اليابان مؤخرا).

إن بعض المقترحات قد تساهم في حل أول هذين التناقضين من خلال السماح للبلدان باستخدام آلية حل المنازعات التابعة لمنظمة التجارة العالمية في حالات التلاعب في أسعار الصرف. ولكنه السبيل الخطأ على أية حال، وذلك لأنه قد لا يخدم إلى كسبب لتآكل أحد الآليات القليلة الفعّالة لجعل الاتفاقيات المتعددة الأطراف ملزمة.

والواقع أن الرسوم الجمركية التعويضية التي يفرضها جانب واحد ضد البلدان التي يفترض ظناً أنها تتلاعب في أسعار صرف عملاتها لا تقل سوءا. وهذا لا يعني بطبيعة الحال أن الصين لا ينبغي لها أن تتخذ أي إجراء لتصحيح تقييم عملتها بأقل من قيمتها، ولو أننا لابد وأن نعترف بإسهامها في حل هذه المشكلة من خلال السماح للأجور المحلية بالارتفاع.

والطريقة الأفضل كثيراً للمضي قدماً تتلخص في إعادة النظر بجدية في الدور الذي تلعبه القيود التنظيمية المفروضة على حسابات رأس المال عبر الحدود. ومن بين مناطق الاتفاق الرئيسية أثناء الأزمة الأخيرة كان الإقرار بأن الأنشطة المالية المحررة من القيود التنظيمية قد تشكل مصدراً رئيسياً لاختلال الاقتصاد الكلي.

بيد أن مجموعة العشرين ركزت إلى حد كبير على إعادة تنظيم التمويل المحلي، في حين استبعدت مسألة التمويل عبر الحدود بالكامل من أجندتها، وكأنها لا تحتاج إلى تنظيم ـ بل وكأنها لا تشكل جزءاً من التمويل العالمي. وينطوي هذا الأمر أيضاً على تشوه لغوي خاص: حيث يطلق على القيود المحلية "تنظيمات محلية"، ولكن إذا اشتمل الأمر على تدفقات عابرة للحدود فإن هذه القيود يطلق عليها مسمى "ضوابط".

والواقع أن المناقشة الجادة لتنظيمات حسابات رأس المال العالمية قد تفيد كثيراً الأسواق المتقدمة والناشئة. ومن الممكن تعزيز فعالية التوسع النقدي في البلدان المتقدمة من خلال الحد من التسربات الناتجة عن تجارة الحمل وغيرها من أشكال تدفق رأس المال القصير الأجل إلى الخارج.

وهذا يعني ضمناً العودة إلى المبدأ المؤسس لصندوق النقد الدولي: والذي يزعم أنه من مصلحة كل البلدان الأعضاء أن يتم السماح للبلدان بملاحقة سياسات الاقتصاد الكلي اللازمة للتشغيل الكامل للعمالة، حتى ولو كان ذلك يتطلب تنظيم تدفقات رأس المال. ولهذا السبب تسمح القواعد التي يتبناها صندوق النقد الدولي بتنظيم حسابات رأس المال، ولنفس السبب فشلت محاولات إدراج قابلية تحويل حسابات رأس المال تحت بنود الاتفاقية المؤسسة لصندوق النقد الدولي في عام 1997.

أما بالنسبة للأسواق الناشئة فإن السبيل الأفضل للمضي قدماً يتلخص في تصحيح الحوافز لموازنة أسعار الفائدة عند منبع تدفقات رأس المال. ومثل هذا الإصلاح من شأنه أيضاً أن يخدم كآلية للتنسيق على المستوى الدولي، وذلك نظراً لصعوبة الاتفاق على تنظيمات منسقة لحسابات رأس المال بين البلدان المتلقية. وفي غياب مثل هذا التنسيق فقد تتسبب التوجهات الأحادية السائدة الآن في توليد المزيد من التشوهات.

وهذا النمط من التصحيح من شأنه أيضاً أن يسمح للأسواق الناشئة بتطبيق سياسات نقدية أكثر صرامة، وهو ما تحتاج إليه الآن، في ضوء تزايد قوتها في مجال الاقتصاد الكلي. والواقع أن العالم سوف يتسم لعدة سنوات بالتفاوت الناجم عن ضعف البلدان المتقدمة وتزايد قوة الأسواق الناشئة، وهو ما يدعو إلى التفاوت وعدم التكافؤ بين السياسات النقدية لهاتين الفئتين من البلدان. ومن المؤكد أن التعامل مع هذا التفاوت أمر بالغ الصعوبة في غياب أي شكل من أشكال تنظيم حسابات رأس المال.

وقد تكون العديد من القيود التنظيمية منطقية، كما أقر صندوق النقد الدولي في العديد من الحالات. ومن بين هذه القيود التنظيمية فرض متطلبات الاحتياطي على التدفقات العابرة للحدود. فالصناديق المشتركة وصناديق القطاع الخاص تتطلب الحد الأدنى من الشروط للاستثمار، ولابد من تطبيق فترات المنع النقدي هذه على تدفقات رأس المال أيضاً. ولابد أيضاً من فرض متطلبات عالية على رأس المال على معاملات بعينها، أو حظر هذه المعاملات بالكامل، وذلك لأسباب تحوطية. ويصدق هذا بصورة خاصة فيما يتصل بتقديم قروض بعملات أجنبية لوكلاء اقتصاديين لا يحصلون على عائدات بهذه العملات.

إن فرض متطلبات رأس المال من المنبع على عدم تطابق العملات في المحافظ الاستثمارية، إلى جانب فرض متطلبات هامشية على مشتقات الصرف الأجنبي، أمر منطقي. ولابد وأن تخضع العقود الآجلة غير القابلة للتسليم لقيود تنظيمية أكثر صرامة في كل من بدلي المنشأ والمقصد. والواقع أن فرض ضريبة على معاملات صرف العملات الأجنبية ـ "ضريبة توبين"، التي نادى بها رجل الاقتصاد الراحل جيمس توبين الحائز على جائزة نوبل ـ قد يكون السبيل الأفضل للمضي قدما.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured