Exit from comment view mode. Click to hide this space
Email | Print

بوش يمارس القمع

تُـرى كيف سيتذكر التاريخ إدارة الرئيس جورج دبليو بوش؟ بعد خمسة أعوام من تولي المنصب، ومع ثلاثة أعوام أخرى ما زالت متبقية، باتت بعض الإجابات جلية واضحة. وهناك إجابات أخرى تتبدى للعيان شيئاً فشيئاً. وتتضمن الفئة الأخيرة اعتداءات على الحريات المدنية داخل الولايات المتحدة آخذة في التصاعد إلى حد أصبحت معه تضاهي الانتهاكات التي ارتكبتها إدارة ريتشارد نيكسون منذ أكثر من ثلاثين عاماً.

مما لا شك فيه أن الحريات المدنية كان من المحتم أن تقاسي في أعقاب الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر 2001. فطيلة التاريخ الأميركي كانت التهديدات التي يتعرض لها الأمن القومي، سواء كانت حقيقية أو متوهمة، تؤدي إلى فرض قيود صارمة على حقوق المواطنين، وإلى درجة أبعد كثيراً، على حقوق المهاجرين والآخرين المشتبه في عملهم لصالح قوات أجنبية.

أثناء القرن العشرين، كانت الانتهاكات التي تعرضت لها الحريات المدنية شديدة على نحو خاص خلال أربع فترات. أولاً، في الفترة ما بين عامي 1917 و1919، أدت مشاركة الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى ثم التفجيرات الفوضوية التي تلت الحرب إلى ما يقرب من ألفي محاكمة فيدرالية، واحتجاز الأجانب بأعداد هائلة، وترحيلهم بصورة متعجلة. وأثناء الحرب العالمية الثانية، أعقب هجوم اليابان على الولايات المتحدة اعتقال ما يزيد على مائة وعشرين ألفاً من الأميركيين من ذوي الأصول اليابانية بسبب انتمائهم العرقي، على الرغم من أن العديد منهم ولدوا في الولايات المتحدة.

وأثناء أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، أدت الحرب الباردة والمخاوف من أن يعمل "الخطر الأحمر" على إضعاف عزيمة الأميركيين من الداخل إلى إنشاء عدد هائل من البرامج المضادة للأعمال التخريبية، ونتيجة لهذا خسر عشرات الألوف من الأميركيين مصادر رزقهم. وأخيراً، أثناء ولاية الرئيس نيكسون، كانت الشكوك المرضية التي انتابت الرئيس بشأن معارضة حرب فيتنام ومعارضة سياساته سبباً في تغذية نمط من الانتهاكات التي أدت في نهاية الأمر إلى استقالته المخزية.

كانت التراث الذي خلفته إدارة نيكسون مفيداً على نحو خاص في تقييم سجل بوش. وعلى الرغم من أن الأميركيين يميلون إلى جمع كافة الانتهاكات التي ارتكبها نيكسون ضد الحريات المدنية تحت عنوان "واترجيت"، إلا أن تلك الانتهاكات كانت تتضمن الكثير من الفضائح غير اقتحام مقر الحزب الديمقراطي والتغطية التي أعقبت ذلك. فقد تضمنت تلك الأحداث من بين ما تضمنت إنشاء ما يسمى بوحدة "السباكين"، وهي قوة شرطة سرية خاصة أسسها نيكسون، وأطلق عليها ذلك الاسم لأن إحدى مهامها كانت تتلخص في التعامل مع حالات التسرب لمعلومات لم يكن البيت الأبيض راغباً في الكشف عنها.

ومن بين الاعتداءات السرية الأخرى على الحريات المدنية كان تبني نيكسون لما يسمى بـِ"خطة هيوستون" التي سمحت بالمراقبة السياسية من خلال اقتحام الأماكن، والتنصت الإلكتروني، واستخدام قوات عسكرية في التجسس على المدنيين. ولقد استخدم نيكسون هذه الأساليب ضد خصومه السياسيين، والصحافيين، والموظفين الحكوميين الذين حامت الشكوك حول مدى إخلاصهم للرئيس.

على حد علمنا، لم تبلغ إدارة بوش ذلك الحد بعد. لكن التنصت الإلكتروني دون تفويض من محكمة، من ذلك النوع الذي أمر به بداية من عام 2002، لعب دوراً مهماً على نحو خاص في سقوط نيكسون. فمن بين الاتهامات الثلاثة الموجهة إلى نيكسون، في إطار التصويت الذي أجرته اللجنة القضائية التابعة لمجلس النواب بشأن عزله، جاء أحدها مستنداً إلى مثل هذه الأوامر التي أصدرها بالتنصت.

والحقيقة أن بوش استمر على سياسته هذه على الرغم من القانون 1978 ـ الذي كان الهدف منه التصدي لمثل هذه الانتهاكات التي ارتكبت في عصر نيكسون ـ والذي ينص بوضوح على الحصول على موافقة قضائية، وبالتناقض مع تصريحاته العلنية التي أكد فيها أن مثل حالات التنصت هذه لا تتم بدون أمر من محكمة. والآن بعد افتضاح برنامجه للمراقبة الإلكترونية فقد أمرت وزارة العدل في إدارة بوش بإجراء تحقيق للكشف عن الكيفية التي تسربت بها تلك المعلومات إلى العلن، وهددت الصحافيين الذين أوردوا تلك المعلومات في تقاريرهم.

ولكن حتى قبل افتضاح هذه الانتهاكات الأخيرة، كانت اعتداءات إدارة بوش على الحريات المدنية متعددة، فقد تضمنت سجن المئات من الرجال دون توجيه أي اتهام لهم في خليج جوانتانامو، في إطار الجهود المبذولة للتملص من المراجعة القضائية لحالاتهم. كما عمدت إدارة بوش إلى جمع واحتجاز وترحيل المئات من الأجانب في موجة مزعومة من موجات محاربة الإرهاب التي لم يثبت أي من أهدافها الحقيقية أية صلة بالإرهاب.

ولا تتوقف القائمة عند هذا الحد. فقد أصدر مرؤوسو بوش الإذن باتخاذ أساليب في التحقيق أدت إلى التعذيب، كما قاومت إدارته بكل عناد وتصلب أي تشريعات من شأنها أن تحظر استخدام مثل هذه الأساليب. حتى أن هذه الإدارة أصرت على حقها في احتجاز المواطن الأميركي خوسيه باديلا في سجن انفرادي لمدة غير محدودة وبدون توجيه اتهامات جنائية له، إلى أن وجدت الإدارة نفسها في مواجهة مع احتمال مراجعة المحكمة العليا لحالة هذا السجين، فبادرت فجأة إلى اتهامه بجنايات لم يكن لها أية علاقة بالادعاءات التي استندت إليها في احتجازه في الأساس.

والحقيقة أنه من بين السمات التي تميزت بها انتهاكات إدارة بوش للحريات المدنية أن العديد منها كانت تشتمل على جهود للتملص من المراجعة القضائية. فكانت حالات الاحتجاز في جوانتانامو، وحالات الترحيل، وحالة باديلا، كلها مشتركة في هذه الخاصية. وفي ذات الوقت، فقد عمد بوش على نحو نظامي إلى شغل مناصب المحاكم الفيدرالية بقضاة اختارهم خصيصاً بسبب ميلهم إلى الإذعان للسلطة الرئاسية. وكان آخر مرشحيه لرئاسة المحكمة العليا للولايات المتحدة، القاضي صامويل أليتو، تجسيداً لهذا التوجه.

إن المزاج النفسي الذي تعيشه الولايات المتحدة اليوم بعيد عن النقطة التي بلغها أثناء عامي 1973 و1974، حين كانت الحملة الرامية إلى عزل نيكسون وإدانته في مجلس شيوخ الولايات المتحدة سبباً في إجبار نيكسون على تقديم استقالته. ولكن بينما يبدو من المعقول أن نتوقع استكمال بوش لفترة ولايته الثانية، فإنه يبدو من المؤكد أيضاً أن التاريخ سوف ينظر إليه باعتباره رئيساً سعى جاهداً إلى تقويض الحريات المدنية.

ولكن مما يدعو للأسف، في ظل ادعاء بوش على نحو متواصل ـ دفاعاً عن التقليد الدستوري الأميركي المتمثل في الضوابط والتوازنات ـ أن منصبه يمنحه سلطات أحادية تسمح له بانتهاك الحقوق، يبدو أن بوش لا يبالي برأي التاريخ فيه.

Reprinting material from this Web site without written consent from Project Syndicate is a violation of international copyright law. To secure permission, please contact us.

Exit from comment view mode. Click to hide this space

Comments (0)

You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.

Show comments of
close

The two commenting options explained

Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.

1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.

2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.

Top Project Syndicate commentaries

Email this article

Your name is required.

Your email is required.


Your friend's name is required.

Your friend's email is required.


A message is required.