Thursday, October 30, 2014
0

الجذور البرجوازية لثورة تونس

باريس ـ إن تونس، البلد العضو في جامعة الدول العربية التي تضم 22 دولة عربية، تمر بأزمة حادة وعميقة، ولو أنها الأزمة التي تحمل في طياتها حلاً مواتيا. إن هذا البلد هو الأصغر مساحة في شمال أفريقيا، حيث يغطي 163 ألف كيلو متر مربع ـ ضعف مساحة بلجيكا وهولندا ولوكسمبورج تقريبا ـ ويبلغ تعداد سكانه 10.5 مليون نسمة.

وهو أيضاً بلد ساحر ومعتدل من حيث مناخه وتاريخه وثقافته. وكان ذات يوم بمثابة الركيزة لدينامية ونفوذ الجمهورية والإمبراطورية الرومانية. وكان أول المناطق التي يتم تحويلها إلى الديانة المسيحية في أفريقيا، فهو أرض القديس أوجستين والمصدر الرئيسي للبشارة الكاثوليكية في أفريقيا. في الأساس كانت منطقة يسكنها البربر، ثم فتحها العرب وتحولت إلى الإسلام، ثم ظلت لقرون من الزمان منطقة تابعة للباب العالي العثماني.

ثم تحولت المنطقة إلى محمية فرنسية، وليست مستعمرة ـ كما هي الحال في الجزائر المجاورة ـ في القرن التاسع عشر. ولقد ساعد ذلك الاختلاف في تفسير الحفاظ بقدر أعظم نسباً على البنية الاجتماعية التونسية وتقاليدها المحلية.

ومع حصول البلاد على استقلالها في عام 1956، تبنت تونس دستوراً جمهورياً على الطريقة الفرنسية، وهو الدستور الذي أسس نظاماً رئاسياً للحكومة. وكان أول رئيس لتونس، وهو الحبيب بورقيبة، زعيم حركة التحرير، التي خرجت منتصرة بسرعة أكبر كثيرا ـ وبقدر أقل كثيراً من العنف ـ مقارنة بنظيرتها في الجزائر. وكان الزعيم حبيب بورقيبة المستغرب إلى حد كبير حريصاً على صيانة الشخصية العلمانية للدولة التي تولى زمامها بعد رحيل فرنسا، فضلاً عن العديد من الروابط الاقتصادية بالغرب (وفرنسا بشكل خاص بطبيعة الحال)، على نحو أكثر التزاماً مقارنة بما فعلته الجزائر بعد حصولها على استقلالها.

ولقد فشلت بعض المحاولات النادرة التي بذلتها جماعات ماركسية على مر السنين للاستيلاء على السلطة. وخلافاً لبلدان أفريقية أو شرق أوسطية أخرى، فإن تونس ظلت إلى حد كبير أرضاً لروح المغامرة التجارية الحرة، الأمر الذي سمح ببعض التنمية الصناعية. وفي الأعوام الأخيرة، أصبحت تونس البلد الأفريقي الرئيسي المصدر للسلع الصناعية، متفوقة بذلك على جنوب أفريقيا ومصر.

وفي عام 1987، كان بورقيبة المسن يعاني من الوهن على نحو يمنعه من الاستمرار في منصبه. وسرعان ما تمكن وزير داخليته زين العابدين بن علي، الذي عين رئيساً للوزراء، من توثيق حالة بورقيبة باعتباره غير لائق لتولي منصبه، ثم أطاح به من الرئاسة.

وكان من المعروف عن الزعيم الجديد بالفعل قمعه للحركة الإسلامية، وهي السياسة التي ركز عليها بشدة بعد توليه منصب الرئاسة. والواقع أن المواطنين التونسيين من غير المسلمين والعلمانيين ـ وقسماً كبيراً من الرأي العالمي، وخاصة في فرنسا ـ شعروا بالامتنان له، حتى أنهم أوجدوا الأعذار للعنف الوحشي الذي استخدمه زين العابدين بن علي، وصدقوا على النتائج من دون رصد السبل التي استخدمت لتحقيقها أو التشكيك فيها.

ولكن تلك السبل أدت في النهاية إلى القمع شبه الكامل لأي شكل من أشكال حرية التعبير في تونس: فرض الرقابة على الصحافة، وسجن الصحافيين، والمحاكمات السياسية، والاعتقالات التعسفية في كافة دوائر المجتمع، وليس فقط تلك المرتبطة بالحركة الإسلامية. وكان الهدف يتلخص في قمع أي شكل من أشكال المعارضة الديمقراطية.

وفي النهاية تحول نظام بن علي إلى دكتاتورية صِرفة. ولقد عمل هو وأفراد أسرته على بناء إمبراطوريات داخل الاقتصاد المحلي، فاستحوذوا بذلك على كل القطاعات تقريباً وكدسوا ثروات ضخمة لأنفسهم.

ولكن سياسة التصنيع ظلت قائمة بنفس قوتها. وعلى هذا فقد نشأت طبقة متوسطة حقيقية، أشبه بمثيلتها في مصر، ولكنها تختلف عن مثيلاتها في أي بلد عربي آخر، ربما باستثناء المغرب.

من ثَم، وكما حدث في كل مكان آخر، تسببت الأزمة الاقتصادية العالمية التي بدأت في عام 2008 في تقييد النمو، وتأجيج التوترات الاجتماعية. ومنذ تكميم الصحافة والبرلمان، كان السبيل الوحيد للتعبير عن هذه التوترات هو النزول إلى الشارع.

ولقد أطلقت قوات الشرطة النيران على المحتشدين في مناسبات عِدة، ولكن هذا التوجه أثبت ضعفه الشديد في إرهاب المتظاهرين. ثم جاءت اللحظة الحاسمة عندما امتنع الجيش عن قمع المحتجين. وبمجرد أن اتضح رفض الجيش لدعم النظام، فَرَّ زين العابدين بن علي إلى المملكة العربية السعودية، بعد أن رفضت فرنسا استقباله في المنفى.

وللحظة وجيزة نشأ الأمل في تشكيل حكومة وحدة وطنية، حيث يشارك ما تبقى من مجلس وزراء بن علي مع المعارضة في الإعداد لانتخابات رئاسية. ولكن الجماهير الغاضبة رفضت كل ذلك. وكان الخيار الوحيد المتبقي يتلخص في تشكيل ائتلاف يضم التيارات المعارضة القديمة، وهو ما من شأنه في ظل غياب إطار مؤسسي محترم أن يؤدي إلى جعل العودة إلى الاستقرار بطيئاً وصعباً ومحفوفاً بالمخاطر.

وهذا يعني أن تونس تمر بفترة بالغة الخطورة. فقد يخرج التيار الإسلامي من هذه الأزمة منتصرا. ولكن من المحتمل أيضاً أن تكون تونس في معمعة التجربة لأول ثورة "برجوازية" تندلع في العالم العربي على الإطلاق. وإذا كان الأمر كذلك، فإن انتفاضة تونس قد تكون بمثابة حدث مغير لقواعد اللعبة في المنطقة بأسرها.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured