Wednesday, July 30, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

الغفلة العظمى

شيكاغو ـ يبدو أن النمو العالمي سوف يظل مكبوحاً طيلة السنوات القليلة القادمة، حيث تناضل الدول الصناعية في محاولة لإصلاح القوائم المالية للأسر والحكومات، وتفطم الأسواق الناشئة نفسها عن الاعتماد على طلب البلدان الصناعية لمنتجاتها. ومع استمرار مرحلة الخروج من أزمة الركود الأعظم الحالية فهناك أمر واحد واضح: ألا وهو أن مصدر الطلب العالمي في المستقبل سوف يكون المليارات من المستهلكين في أفريقيا والصين والهند. ولكن الأمر سوف يستغرق بعض الوقت لتنشيط ذلك الطلب، لأن ما يُنتَج الآن في مختلف أنحاء العالم لتلبية احتياجات المستهلكين في البلدان الصناعية لا يمكن شحنه ببساطة إلى الأسواق الناشئة، وخاصة الأكثر فقراً بينها.

وإذا أردنا أن نتحدث عن المليارات من المستهلكين الجدد، بدلاً من عشرات الملايين من المستهلكين الذين يحصلون على دخول مماثلة لدخول الطبقات المتوسطة في البلدان الصناعية، فلابد وأن ندرك أن العديد من المستهلكين في الأسواق الناشئة يحصلون على دخول أقل كثيراً من أقرانهم في البلدان الصناعية، ويعيشون في ظروف مختلفة إلى حد كبير. فضلاً عن ذلك فإن احتياجاتهم مختلفة، ولقد تجاهلهم المنتجون في مختلف أنحاء العالم حتى وقت قريب.

ولكن الزمن يتغير. فالآن أصبح المنتجون يركزون بشكل متزايد على أفراد الطبقة التي وإن لم تكن في أصف هرم الدخل فإنها تضم عدد هائل من هؤلاء الأقرب إلى قاعدته.

على سبيل المثال، تنتج إحدى الشركات الهندية (غودريج) ثلاجة مبتكرة تستهدف بها أهل القرى الفقيرة. فالنساء القرويات يضطررن عادة إلى الطهي عدة مرات خلال النهار لأنه الأطعمة التي يعدونها في الصباح تفسد بسبب الحرارة إذا أمسى عليها المساء. ولا شك أنهن يتمنين لو يتمكن من تبريد الأطعمة التي لم تؤكل. ولكن من المؤسف أن الطاقة الكهربية في تلك المناطق حتى ولو كانت متاحة فإنها متقطعة في أغلب الأحيان، فضلاً عن ذلك فإن الثلاجات الكهربائية التي تعمل بالمولدات لم تكن بالخيار الوارد لأنها تستهلك الكثير من الطاقة.

ولقد لاحظ المهندسون في غودريج أنه ما دام الهدف هو حفظ الأطعمة من الفساد، وليس صنع الثلج بالضرورة، فقد يكفي أن تكون الثلاجات مصممة للتبريد إلى بضع درجات فوق الصفر المئوي. وهذا من شأنه أن يسمح باستخدام مروحة أقل استهلاكاً للطاقة مقارنة بالضاغط، ومن الممكن أيضاً أن تعمل المروحة على البطاريات بدلاً من الاعتماد على شبكة الكهرباء.

وهذا هو النوع من المنتجات الاقتصادية في استهلاك الطاقة والقادرة على خلق طلب جديد هائل في الأسواق الناشئة. ولقد انتبهت الشركات في العالم الصناعي إلى هذه الحقيقة. فالآن تقوم شركة جنرال إليكتريك على سبيل المثال بخفض الوظائف التي تقوم بها المعدات الطبية التي تنتجها بحيث تقتصر على الوظائف المفيدة فقط بهدف توريدها إلى العيادات الريفية النائية في مختلف بلدان العالم النامي. ويساعد حصر وظائف المعدات في "حدود الكفاية" في جعل هذه المعدات متاحة بأسعار معقولة ومن دون التنازل عن الجودة.

وعلى مدى العقد القادم، فإن نمو هذا النوع من الطلب في البلدان النامية من شأنه أن يساعد في التعويض عن تباطؤ النمو في الطلب في البلدان الصناعية. ولكن من غير الممكن أن نستعجل هذه العملية. ففي ظل المستويات المرتفعة من البطالة في البلدان الصناعية، أصبح المشرعون وصناع القرار السياسي على استعداد للقيام بأي شيء لزيادة معدلات النمو بسرعة. بيد أن السياسات العدوانية التي ينتهجونها قد تعرض عملية التكيف بالكامل للخطر.

ولنتأمل هنا مسألة إصرار بنك الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة على التيسير الكمي. من الواضح أن هدف بنك الاحتياطي الفيدرالي يتلخص في زيادة أسعار السندات، على أمل أن يؤدي انخفاض أسعار الفائدة الأطول أجلاً إلى تحريك الاستثمار من جانب الشركات. فضلاً عن ذلك فإن بنك الاحتياطي الفيدرالي يأمل أن يؤدي خفض أسعار الفائدة الطويلة الأجل إلى دفع أسعار الأصول إلى الارتفاع، نظراً لتزايد ثروات الأسر والحافز الأكبر إلى الإنفاق. وأخيراً يأمل بنك الاحتياطي الفيدرالي بإظهار استعداده لطباعة النقود أن ترتفع توقعات التضخم من مستوياتها المنخفضة الحالية.

ورغم أن الأسواق تتوقع كما يبدو مستويات كبيرة من التسهيل الكمي، فإن الاستثمار في قطاع الشركات في الولايات المتحدة يظل مكبوحا. ويبدو أن الأسر الأميركية تخشى العودة إلى الإنفاق بلا حساب كما كانت حالها في الماضي، بغض النظر عن مدى ثرائها.

بيد أن بنك الاحتياطي الفيدرالي نجح في تحسين توقعات التضخم في الولايات المتحدة. ومع تسبب مشترياته المتوقعة من السندات في الإبقاء على أسعار الفائدة منخفضة، فإن التأثير الصافي هو أن المستثمرين لن يروا عائداً حقيقياً كافياً من الاحتفاظ بالأصول الدولارية، ولعل هذا يكون أحد الأسباب وراء انخفاض قيمة الدولار في الآونة الأخيرة.

وتشعر الأسواق الناشئة بالقلق لأنها تعتقد أن السياسة النقدية المفرطة في العدوانية التي ينتهجها بنك الاحتياطي الفيدرالي لن تؤثر إلى قليلاً فيما يتصل بتوسيع الطلب المحلي في الولايات المتحدة. أو بعبارة أخرى، يبدو التيسير الكمي كوسيلة لخفض قيمة الدولار لا تقل فعالية عن بيعه في أسواق العملة.

ولأن الأسواق الناشئة تدرك أن تزايد الطلب المحلي سوف يستغرق بعض الوقت فإنها غير راغبة في المجازفة بانهيار صادراتها إلى الولايات المتحدة بالسماح لعملاتها بالارتفاع في مقابل الدولار بسرعة أكبر مما ينبغي. وهي تقاوم ارتفاع قيمة عملاتها من خلال التدخل في سعر صرف العملات الأجنبية وفرض الضوابط على تدفقات رأس المال. ونتيجة لهذا فقد لا نشهد نمواً مضطرداً للطلب في الأسواق الناشئة. وبدلاً من ذلك فإن السيولة النقدية الفائضة وفقاعات الأصول الجديدة قد تنشأ في الأسواق المالية وأسواق الإسكان على مستوى العالم، الأمر الذي قد يؤدي إلى إعاقة النمو إن لم يكن تدميره بالكامل.

ولكن تُرى من سيكون أول أطراف المواجهة الجارية بشأن العملات غفلة في مراقبة الأطراف الأخرى؟ قد تزعم الولايات المتحدة (وغيرها من البلدان الصناعية) أن مستويات البطالة لديها مرتفعة وأنها لابد وأن تكو حرة ي تبني السياسات الكفيلة بتعزيز النمو، حتى على حساب النمو في الأسواق الناشئة. وقد تزعم الأسواق الناشئة بدورها أن حال حتى أفقر الأسر في الولايات المتحدة أفضل كثيراً من حال الأسر المتوسطة في الأسواق الناشئة.

وبدلاً من التشاحن حول مَن مِن الأطراف لديه الحجة الأقوى فمن الأفضل أن تسعى كافة الأطراف إلى التوصل إلى حل وسط ـ أي أن تغمض كافة الأطراف أعينها في نفس الوقت. ويتعين على الولايات المتحدة أن تتراجع عن سياستها النقدية العدوانية، وأن تركز على إصلاح المشاكل البنيوية التي يعاني منها اقتصادها، في حين يتعين على الأسواق الناشئة أن تستجيب من خلال السماح لأسعار صرف عملاتها بالارتفاع على نحو مضطرد، وبالتالي تسهيل نمو الطلب المحلي. ولكن هل من قبيل المبالغة أن نأمل أن تتمكن مجموعة العشرين من تحقيق هذه التسوية الحكيمة؟

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured