Tuesday, September 2, 2014
0

أفضل المتعصبين وأكثرهم تألقاً

في بريطانيا وأستراليا، اعتقلت السلطات العديد من الأطباء البشريين والمهندسين المسلمين في أعقاب اكتشاف سلسلة من السيارات المفخخة قبل انفجارها. والحقيقة إن إلقاء القبض على هؤلاء المتخصصين من الحاصلين على تعليم جيد، فضلاً عن الدور الذي يلعبه الدكتور المصري أيمن الظواهري كنائب لرئيس تنظيم القاعدة، يثير عدداً من التساؤلات التي تتجاوز مسألة السخط بين المسلمين والعواقب المترتبة على الكوارث الأميركية في الشرق الأوسط.

إن الأطباء والمهندسين أشخاص محترفون، نشأوا نشأة طيبة، وأصبحوا أعضاءً راسخين في المجتمع، وهم ليسوا مجرد شخصيات هامشية كتلك التي قد نتوقع منها أن ترتكب تصرفات عنيفة يائسة. فضلاً عن ذلك فهم ينتمون إلى خلفية علمية، والعلم عادة لا يرتبط بالتعصب الديني أو السياسي.

مما لا شك فيه أن أقلية من المسلمين المتعصبين يعتنقون العنف السياسي، وأن عدداً ضئيلاً من أصحاب المهن المتخصصة بين المسلمين يفجرون القنابل. إلا أن انتماء أطباء ومهندسين إلى حركات أصولية متعصبة لابد وأن يستوقفنا. الحقيقة أن زعماء الحركات المتعصبة كثيراً ما ينتمون إلى خلفية مهنية. فالأطباء الذين ينظمون الجماعات استناداً إلى تفسيرات حرفية للنصوص المقدسة، والمهندسون الذين يتزعمون الأحزاب السياسية الإسلامية هم في الحقيقة من بين الشخصيات المألوفة في العالم الإسلامي.

يكمن أحد الأسباب التي تؤدي إلى هذا في الفرق بين ثقافة العلوم الأساسية وثقافة العلوم التطبيقية. ففي كافة أنحاء العالم يميل الأطباء وعلماء الأحياء إلى التشكك وليس التدين. إلا أنه ليس من غير المعتاد أن نجد بين المهندسين وعلماء الطب الحيوي بعض المحافظين، بل وحتى المتعصبين دينياً.

ولا ينفرد الإسلام بهذه الظاهرة. ففي الولايات المتحدة قاد مسيحيون، ممن يفسرون النصوص المقدسة حرفياً رغم انتمائهم إلى خلفيات علمية، حملات التصدي لنظرية دارون بشأن النشوء والتطور. والحقيقة أن أنصار التفسير الحرفي للنصوص المقدسة بين الأطباء أكبر عدداً مقارنة بعددهم بين علماء الأحياء.

وعلى نحو مماثل، ليس من غير المعتاد في البلدان الإسلامية أن نجد أساتذة الهندسة يدينون دارون باعتباره محتالاً، كما يؤكد العديد من الأطباء المشهورين أن القرآن أشار إلى العديد من التطورات التكنولوجية والعلمية الحديثة قبل أربعة عشر قرناً من الزمان.

وفي العالم الإسلامي تتشابك العلوم التطبيقية بصورة أكبر مع الدين والسياسة. ففي إطار جهودهم الرامية إلى التغلب على قرون من التخلف العسكري والتجاري، سعى المسلمون إلى التصنيع، وتنظيم الإدارة، وتبني الأشكال الحديثة من الحياة السياسية. إلا أن هذه الجهود كانت مصحوبة بحرص دائم على تبني هذه التغييرات دون المساس بالثقافة الإسلامية ـ إي اكتساب الخبرات التكنولوجية والالتزام بالانتماء إلى الإسلام في ذات الوقت.

وفي غمار هذه الجهود حظي أصحاب المهن المتخصصة في العلوم التطبيقية، باعتبارهم الأشخاص القادرين على مساعدة الدول الإسلامية على اللحاق بالغرب، بقدر عظيم من التبجيل والاحترام. وارتفع الطلب على البرامج الهندسية، واستمتع المهندسون بمكانة تشبه مكانة المحامين والأطباء في الغرب. وعلى هذا فقد سارع أفضل الشباب المسلمين وأكثرهم تألقاً إلى الالتحاق بالعلوم التطبيقية، بينما تضاءل الاهتمام بالعلوم الأساسية.

فضلاً عن دورهم المهم في التحديث، شارك العلماء التطبيقيون أيضاً في المناقشات الثقافية. فقد يختار أحد الأطباء مساراً علمانياً، أو قد يحاول الدمج بين الإيمان التقليدي والمبادئ المهنية الحديثة. وارتبطت هذه الخيارات على نحو مباشر بالمناقشات الدائرة بشأن التوجهات التي ينبغي للمجتمع ككل أن يتخذها.

وما يزيد الأمور تعقيداً إن العالم الإسلامي يمر بفترة من التجريب الديني. فما زال الإيمان بالغيبيات والعقائد التقليدية يتمتع بالقوة، إلا أن هياكل السلطة الدينية تتغير. لقد أصبحت أصولية اليوم تشكل الوسيلة الحديثة للتدين، فهي تتلاءم مع السكان المتعلمين في الحضر أكثر من تناسبها مع أهل الريف الذين يسترشدون بعلماء الدين التقليديين.

كان علماء الدين المسلمون يكتسبون مكانتهم من خلال إلمامهم بنوع من المعارف المفيدة على المستوى الاجتماعي، والذي يتمثل في الشريعة الإسلامية. إلا أن العلوم التطبيقية اليوم أصبحت تشكل أيضاً معارف مفيدة للعالم المعاصر. ونتيجة لهذا، فقد أصبح بوسع الأطباء والمهندسون، في ظل بيئة معاصرة، أن يصلوا إلى مكانة ذات سلطة دينية، فيديرون جماعات تدريس القرآن وتفسير النصوص القرآنية.

إن العالم الإسلامي موطن للعديد من الحركات الناجحة التي تجمع بين الحفاظ على العقائد والظهور بمظهر معاصر يدعم الرأسمالية ويعتنق التكنولوجيا. وكان أصحاب المهن المتخصصة يشكلون جزءاً أساسياً من هذه الحركات، وذلك لأن الحداثة تشجع العمل والحركة بدلاً من قبول الواقع. والحقيقة أن الأفكار السياسية من السهل أن تترجم إلى لغة دينية، وتحت الظروف القصوى يصبح من الممكن اللجوء إلى الجهاد العنيف كتعبير عن الإحباطات السياسية.

إلا أن إمكانية تبني العنف لا ينبغي لها أن تحول انتباهنا عن حقيقة مفادها أن القناعات الأصولية تؤدي أيضاً إلى تحريك أنشطة سياسية إيجابية. إن الإسلاميين (من أمثال المنتمين إلى حركة حماس) يكتسبون الشهرة بين المسلمين بسبب الخدمات الاجتماعية وأشكال الدعم الاجتماعي التي يساعدون في تنظيمها وتقديمها. والحقيقة أن الأصوليين من أصحاب المهن المتخصصة كثيراً ما يبرعون في مثل هذه الأنشطة. ويعبر أسلوبهم الديني المتزمت عن أخلاقيات مثالية ذات قواعد صارمة شبيهة بالقيود والضوابط التي تحكم أي مشروع هندسي. فيتصدى المهندسون لمهمة تغيير العالم طبقاً لرسم هندسي أولي، أو وفقاً لما تعودوا عليه.

إن العنف السياسي ذي الصبغة الدينية سوف يستمر دوماً في اجتذاب بعض أصحاب المهن المتخصصة. إلا أننا نؤكد مرة أخرى أن عدد هذه الفئة ضئيل للغاية. إن الغالبية العظمى من المسلمين الواعين مسالمون، ولقد تبنى أغلب الإسلاميين اليوم سياسات أكثر اعتدالاً وميلاً إلى الديمقراطية.

إن النزعة الإسلامية تتحول بالتدريج إلى شكل من أشكال الشعوبية اليمينية. ولكن مثلهم كمثل المسيحيين اليمينيين في الولايات المتحدة، يستطيع الإسلاميون أن يشكلوا جزءاً مشروعاً من الساحة السياسية الديمقراطية. ومن بين فضائل الديمقراطية أنها قادرة على تثبيط الميول العنيفة. وإن كنا راغبين في تشجيع الميول الديمقراطية في الإسلام السياسي، فلابد وأن نتعلم كيف ننظر إلى الإسلاميين باعتبارهم خصوماً سياسيين وليسوا مجرد جماعة من الأعداء الذين قد يكون بينهم من يحملون شهادات في الطب والهندسة.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured