8

الأجراس تدق لحزب المؤتمر في الهند

نيويورك ــ لقد أصيبت السياسة في بلدي آسيا العملاقين، الهند والصين، بحالة مفاجئة من الشك وعدم اليقين. ويظل مزاج الصين سلطوياً بطبيعة الحال، ولكن انتهاكات حقوق الإنسان الصارخة وقمع المعارضة من الأمور التي تبث الحياة في شبح اضطرابات النمو المتفاقمة، وبخاصة في أعقاب عمليات التطهير التي تمت داخل دوائر القيادة العليا.

وعلى النقيض من هذا، فإن الهند التي تتمتع بديمقراطية ليبرالية راسخة، تبدو في نظر البعض وكأنها بستان زهور. ولكن العديد من المراقبين يعتقدون أن الهند أيضاً تواجه توقعات سياسية غير مؤكدة.

وبشكل خاص، هناك اعتقاد واسع الانتشار في الهند بأن أحد الحزبين الرئيسيين في البلاد، حزب المؤتمر الوطني الهندي الذي يُدار بشكل أساسي من قِبَل سونيا غاندي وولدها راؤول غاندي، بلغ الآن آخر مداه وسوف يغرق في غياهب النسيان. وكما ذكرت مجلة الإيكونوميست فإن "حزب المؤتمر... أصابته حالة من الجبن، وأصبح عُرضة لخطر الانحدار في الأمد البعيد".

ولكن حزب المؤتمر استُبعِد من الحسابات من قبل: فقد نُشِرَ هذا المقال في الإيكونوميست في يناير/كانون الثاني 2003. والواقع أن التوقع الموحد قبل انتخابات 2004 كانت أن حزب المؤتمر يتجه نحو هزيمته الرابعة ثم حله في النهاية بعد خسارته في ثلاثة انتخابات متتالية. ولكنه فاز في الانتخابات، ثم فاز في الانتخابات البرلمانية في عام 2009.

لا شك أن السياسة عامرة بالتحولات والتقلبات. ولكن خلافاً لما حدث في عام 2004، فمن غير المرجح لأسباب عديدة أن يتمكن حزب المؤتمر من النجاة من المأزق الرهيب الذي يواجهه اليوم.

فبادئ ذي بدء، كان حزب المؤتمر في عام 2004 يتحدى حكومة قائمة خدمت لست سنوات. أما هذه المرة فقد شكل حزب المؤتمر الحكومة لدورتين متواليتين، وكان أداؤه يتسم مؤخراً بالفضائح التي جعلته يبدو عاجزا، وبلا دفة، وفاسدا. ولكي يزيد الطين بلة فإن الهند تشهد تباطؤاً اقتصادياً حادا، الأمر الذي يعني بالضرورة إضعاف فرص حزب المؤتمر في الانتخابات التي لابد أن تجرى في موعد أقصاه يونيو/حزيران 2014.

الأمر الثاني والأكثر أهمية هو أن مواقف الناخبين تحولت بشكل كبير خلال العقد الماضي. فقد أدى متوسط النمو الاقتصادي السنوي بنسبة 8,5% على مدى فترة السنوات الثماني من عام 2003 إلى عام 2011 إلى ثورة من الاحتمالات المتصورة. وكما أثبت خبيرا الاقتصاد بونام جوبتا وارفيند ياناجاريا، فإن الناخبين في أغلب الولايات الهندية لا يؤيدون الآن ألا الزعماء والأحزاب التي تحقق نتائج اقتصادية طيبة فقط. ويمثل هذا تحولاً كبيراً عن مواقف الماضي الجبرية، التي ساعدت الحكام الشاغلين للمناصب عموما، والذين استفادوا من اعتقاد الناخبين بعدم وجود بديل حقيقي للترتيبات القائمة.

ولقد تعزز هذا السلوك الانتخابي بأمثلة حديثة من الفشل والنجاح السياسي. فبعد فترة ولاية واحدة استبعد زعماء فاسدون إلى حد الوقاحة، مثل كوماري ماياواتي من ولاية أوتار براديش، و ديجامبار كامات من ولاية جوا. ومن ناحية أخرى، أعيد إلى السلطة أهل القدوة الإيجابية مثل نيتيش كومار من ولاية بيهار، وناريندرا مودي من ولاية جوجارت، ونافين باتنيك من ولاية أوريسا، كوزراء كبار لمرة واحدة على الأقل؛ وكل منهم نجح في تحقيق نتائج لافتة للنظر في حين احتفظ بسجل نظيف من النزاهة الشخصية. ومن المحتم أن يجد حزب المؤتمر نفسه تحت ضغوط شديدة لتقديم أداء طيب، فالآن يدرك الناخبون أن الأداء الأفضل ليس أمراً بعيد المنال.

كان اغتيال رئيس الوزراء راجيف غاندي قبل أكثر من عقدين من الزمان سبباً في خلق موجة من التعاطف مع أرملته سونيا، التي بفضلها تمكن حزب المؤتمر من الفوز في عام 2004. أما اليوم، فمن غير المرجح أن تساعد مأساة مماثلة حزب المؤتمر. فالآن يُشاع أن سونيا غاندي مصابة بالسرطان، ولكنها بدلاً من الاستفادة من هذا أبقت التفاصيل داخل جدران مجمع أسرة غاندي في نيودلهي.

ولكن المشكلة الحقيقية هي أن السياسة القائمة على شخصيات مشهورة أصبحت في انحسار متزايد في الهند، تماماً كما هي الحال في الولايات المتحدة. فمثله كمثل نموذج كينيدي وبوش، فقد نموذج نهرو-غاندي بريقه في الهند.

وهذه في جزء منها وظيفة تتسم بالتغير الديموغرافي السريع. فالأفراد الذين ولدوا بعد عام 1975 يشكلون الآن نسبة كبيرة للغاية من الناخبين. وبالنسبة لهؤلاء الناخبين فإن الرموز من أمثال جواهر لال نهرو وإنديرا غاندي ليست أكثر من شخصيات تاريخية، وذاكرة بعيدة حتى بالنسبة للعديد من الناخبين الذين ولدوا قبل عام 1975. ومن غير المستغرب أن يثبت راؤول غاندي عجزه عن جلب النصر لحزب المؤتمر في الانتخابات التي جرت مؤخراً في إحدى الدوائر الانتخابية التي كانت تاريخياً معقلاً لدعم عائلته.

الواقع أن نموذج السيادة المشتركة لنهرو وغاندي الذي هيمن على سياسة الهند كان في حد ذاته سبباً في تقويض احتمالات بقاء الحزب لأنه جعل من الصعب للغاية بالنسبة للحزب توظيف وتطوير زعماء جدد. ومن المعروف أن سونيا غاندي على مدى الأعوام الثمانية الماضية كانت تمارس عملياً سيطرة شبه كاملة دا��ل الحزب. ونتيجة لهذا، لم يبرز أي منافس لراؤول غاندي.

ومع اعتلال صحة سونيا غاندي، وعجز راؤول عن التواصل مع الناخبين حتى في دائرته الانتخابية "الآمنة" تاريخيا، وفقدان نموذج نهرو-غاندي لجاذبيته، فإن الاحتمالات بالنسبة لحزب المؤتمر في عام 2014 تبدو قاتمة. والنتائج فقط سوف تنبئنا بما إذا كان قادراً على البقاء.

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali