Thursday, October 2, 2014
0

جوانتانامو وبداية النهاية

كانت "الحرب ضد الإرهاب" سبباً في إجبار الأنظمة الديمقراطية على الدخول في نضال شرس إلى حد يجعلها قادرة على حماية الحقوق المدنية والحريات سواء بالنسبة للمواطنين أو الأجانب. ولقد اتخذ الحوار في هذا الشأن زخماً قوياً في الولايات المتحدة، حيث أصبحت العبارة المكررة (اللازمة) التي تستمع إليها حيثما ذهبت هي أن الدستور ليس "ميثاقاً انتحارياً"، وأن حماية الأمن القومي تعد مبرراً قوياً لاتخاذ إجراءات استثنائية. لكن بعض هذه الإجراءات ـ مثل الاطلاع بصورة غير قانونية على سجلات البنوك والتجسس على المكالمات الهاتفية ـ يشكل تهديداً لحرية الجميع. وبعضها الآخر ـ وهو الأكثر خزياً، مثل احتجاز ما يقرب من 450 شخصاً في خليج جوانتانامو بزعم انتمائهم إلى جماعات إسلامية مقاتلة ـ يشكل اعتداءً على حقوق أناس يفترض فيهم أنهم يمثلون العدو.

منذ بعض الوقت، وفي أوج الادعاءات المتصاعدة بشأن الانتهاكات وإساءة المعاملة، أدركت حكومة الرئيس جورج دبليو بوش أنها لن تتمكن من الإبقاء على معسكر الاحتجاز في جوانتانامو قائماً إلى الأبد. إلا أنها لم تكن ترغب في تكرار تجربة محاكمة زكريا موسوي ، التي أدين فيها أخيراً وحكم عليه بالسجن مدى الحياة باعتباره المتهم العشرين في قضية هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، ولكن بعد العديد من طلبات الاستئناف الدعائية من جانب فريق الدفاع. وعلى هذا فقد اقترحت إدارة بوش حلاً وسطاً: إنشاء لجنة عسكرية يرأسها قضاة عسكريين، وتعترف بحقوق أقل للمتهمين وتمنع طلبات الاستئناف من الوصول إلى المحاكم المدنية.

ولكن في قرارها الأخير في قضية حمدان (المدعى عليه) ضد رامسفيلد (المدعي)، قالت المحكمة العليا للولايات المتحدة بكل وضوح: "كلا، لقد تجاوزت ممارسة بوش لسلطاته التنفيذية كل الحدود". ونتيجة لهذا فلسوف يكون لقرار المحكمة أثراً دائماً على البنية الدستورية للولايات المتحدة.

كان سالم أحمد حمدان يعمل كسائق خاص لأسامة بن لادن . وفيما عدا التنقل برئيسه في سيارته من مكان إلى آخر وحضور الاجتماعات، فهو لم يفعل شيئاً للتحريض على هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 الإرهابية. إلا أن قيادته للسيارة وعلمه بنوايا تنظيم القاعدة كان فيهما الكفاية بالنسبة للعسكريين لتوجيه الاتهام إليه بالانضمام إلى مؤامرة لقتل مدنيين والمشاركة في أعمال إرهابية.

حين بدأت محاكمته حاول الادعاء إقصاء حمدان عن قاعة المحكمة أثناء إدلاء أحد الشهود بشهادته ضده. وكانت الحكومة بذلك ترغب في حماية مصادرها. لكن هذا الإجراء الغريب الذي تسمح به اللجان العسكرية، يخالف معايير القانون الفيدرالي، والدستوري، والدولي. وعلى هذا فقد سارع الدفاع إلى المطالبة بأمر قضائي من محكمة فيدرالية يقضي بمنع الاستمرار في هذه المحاكمة.

ولقد قضت المحكمة الفيدرالية بأنه طبقاً لاتفاقيات جنيف، فإن حمدان ، باعتباره أسير حرب، كان له الحق في جلسة استماع تتبع نفس الإجراءات التي تتخذها أي محكمة تنظر في قضايا الجنود التابعين للقوة المـحتَـجِزة، وهي في هذه الحالة محكمة عسكرية أميركية. لكن المحكمة العليا تجنبت الخوض في مسألة ما إذا كان حمدان أسير حرب أم لا، محتجة في ذلك بأن النزاع محكوم بالفقرة الثالثة المشتركة في كافة اتفاقيات جنيف، والذي يفصل في النزاعات المسلحة "غير ذات الصفة الدولية". وفي مثل هذه الحالات فهناك واجب يتلخص في ضمان صدور كافة الأحكام "من قِـبَل محكمة معينة على نحو نظامي وتملك تقديم كافة الضمانات القضائية المعترف بأنها لا غنى عنها بالنسبة للشعوب المتحضرة". لكن لجان بوش العسكرية هذه أسست خصيصاً لتتجاهل هذا المعيار.

وعلى الرغم من أهمية مناقشة اتفاقيات جنيف والحقوق الإجرائية، إلا أن القسم الأعظم جوهرية وعمقاً في رأي الأغلبية، وطبقاً لرئيس المحكمة العليا جون بول ستيفنـز ، يتعامل في إطار حدود قانون الحرب، وعلى وجه الدقة تحديد ما إذا كانت تهمة التآمر الموجهة إلى حمدان تشكل انتهاكاً لنص هذا القانون الدولي المعروف أم لا.

يتفق الجميع على أنه طبقاً لقانون الولايات المتحدة، يقتصر السلطان القضائي للمحاكم العسكرية على حالات مخالفة قوانين الحرب، وعلى هذا فإن لم يكن في وسع المحكمة توجيه تهمة التآمر، فإن حمدان وآخرين مثله لا يجوز لأي محكمة عسكرية أن تنظر في الدعاوى القضائية المقامة ضدهم، فما بالك باللجان الخاصة. ومن أجل التوصل إلى حل لمسألة ما إذا كان التآمر يشكل جريمة طبقاً لقوانين الحرب، فقد استشهد القاضي ستيفنـز رئيس المحكمة العليا بالحجج المقامة في المذكرة التي كنت قد تقدمت بها نيابة عن خبراء في تفسير التآمر وقانون الحرب.

ولقد خَـلُصَت المحكمة إلى أن قانون الحرب لابد وأن يعكس إجماع كافة الأنظمة القضائية. لكن التآمر باعتباره جريمة قائمة بذاتها، يكتسب كياناً مستقلاً في القانون العام الأنجلوأميركي. ولقد كانت هذه الحجة معروفة على نطاق واسع منذ محاكمات نوريمبيرغ ، التي رفضت تهمة التآمر لارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. كما استشهد القاضي ستيفنـز رئيس المحكمة العليا بالقاضي تيلفورد تايلور رئيس هيئة الادعاء في محاكمات نوريمبيرغ، الذي ساق نفس الحجة بشأن شذوذ تهمة التآمر عن المحاكم الدولية.

فضلاً عن ذلك، فقد أسقطت المداولات الخاصة بالقانون الدولي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية أية إشارة إلى تهمة التآمر. ولا نستطيع أن ننكر أن صياغة تلك العملية لم تكن واضحة تمام الوضوح، لكن النموذج كان أيضاً غير قابل للإنكار. وكما كتب القاضي ستيفنـز : "إن تهمة التآمر ... لم يأت لها ذكر لا في اتفاقيات جنيف ولا في اتفاقيات لاهاي ـ اللتين تشكلان المعاهدتين الرئيسيتين فيما يتصل بقانون الحرب". وكان بوسعه أن يضيف إلى ذلك قانون روما، وقرارات الأمم المتحدة التي استند إليها إنشاء المحاكم الخاصة بمحاكمات يوغوسلافيا السابقة ورواندا.

وفي اعتقادي أن رفض المجتمع الدولي لتهمة التآمر كان تصرفاً سليماً، وذلك لأن الإجراءات الجنائية الدولية قائمة على نظام عدلي يرتب الأحداث اللاحقة على السابقة ـ في إصدار الحكم على هؤلاء الذين يفترض أنهم تسببوا بالفعل في وقوع مذابح وجرائم كبرى أخرى تقع في نطاق اهتمام المجتمع الدولي. أما التآمر، وعلى النقيض من ذلك، فهو يتلاءم مع نظام قانوني يؤكد على ضرورة تدخل الشرطة في وقت مبكر، قبل وقوع الجريمة أو تنفيذ المخططات الإجرامية. والتدخل المبكر ممكن في النظام القضائي المحلي، ولكن لا وجود لقوة شرطة دولية تستطيع القيام بوظيفة مماثلة على المستوى الدولي.

لقد أصبحت إدارة بوش الآن في موقف حَرِج. فهي لا ترغب في محاكمة المحتجزين في جوانتانامو في محاكم فيدرالية، ولكن ليس من المرجح أن تتمكن من محاكمتهم طبقاً لقانون الحرب كما جاء في حيثيات القرار الخاص بقضية حمدان .

وعلى الرغم من إقرار حمدان بشرعية احتجاز المقاتلين من الأعداء حتى انتهاء العداوة، إلا أن هذا ليس بالأمر الوارد أو الممكن. ذلك أن المجتمع الدولي لن يتقبل مثل هذا الشكل من أشكال الاحتجاز الوقائي الجماعي، في ظل استمرار الادعاءات بإساءة المعاملة والتعذيب. ولسوف يكون لزاماً على بوش إن آجلاً أو عاجلاً أن يختار بين محاكمة المحتجزين في محكمة فيدرالية أو إغلاق معسكر الاحتجاز.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured