Friday, October 24, 2014
0

عقيدة الإفلاس عند أنصار إلغاء القيود التنظيمية المالية

جنيف ـ الآن وقد بدأت الأزمة المالية العالمية في الانحسار، حان الوقت لتقييم أخطائنا وضمان عدم تكرارها. وبعيداً عن التحسينات التنظيمية، ومنع الحوافز من مكافأة الإفراط في خوض المجازفة، وبناء سور أشبه بسور الصين العظيم بين منشئي الأوراق المالية ووكالات التقييم والتصنيف، فيتعين علينا أن نسعى إلى استكشاف الأسباب التي جعلت التنبؤ باندلاع هذه الأزمة أمراً بالغ الصعوبة.

إن صندوق النقد الدولي يعمل كجهاز مراقبة، ويعتقد العديد من الناس أنه فشل في توقع الأزمة لأن انتباهه كان منصرفاً إلى أمور أخرى أو لأنه كان يفتش في المكان الخطأ. والحق أنني أختلف معهم في هذا. فالمشكلة هي أن صندوق النقد الدولي كان عاجزاً عن تفسير الأدلة التي واجهته.

كنت أخدم في مجلس إدارة صندوق النقد الدولي في يونيو/حزيران 2006 حين ناقشت المراجعة السنوية للولايات المتحدة. ولقد "أدرك" موظفو الصندوق آنذاك مدى تراخي معايير الإقراض في سوق الرهن العقاري في الولايات المتحدة، ولكنهم لاحظوا أن المقترضين المعرضين لخطر زيادة أقساط رهنهم العقاري بشكل كبير كانوا يمثلون أقلية ضئيلة، تتركز أغلبها بين الأسر الأعلى دخلاً والتي كانت مدركة للمخاطر المصاحبة.

وبعد بضعة أشهر في سبتمبر/أيلول 2006، وقبل عشرة أشهر فقط من ظهور أزمة الرهن العقاري الثانوي بوضوح للجميع، ذكر تقرير الاستقرار المالي العالمي، وهو واحد من أهم نشرات صندوق النقد الدولي، أن المؤسسات المالية الكبرى في الأسواق الناضجة كانت سليمة الصحة، وقادرة على در الربح، وجيدة التمويل. وأضاف التقرير أن القطاعات المالية في العديد من البلدان كانت في موقف قوي يسمح لها بالتغلب على أي تحديات دورية أو تصحيحات مستقبلية في السوق.

لم يبدأ رادار صندوق النقد الدولي في إصدار إشارات التحذير إلا في إبريل/نيسان 2007، أو حين أصبحت المشكلة على أعتاب أبوابه بالفعل، ولو بقدر ضئيل من الإلحاح. ومن الواضح أن مراقبة الصندوق لاقتصاد الولايات المتحدة لم يكن فعّالاً، وأن إشرافه المتعدد الأطراف على الأسواق المالية لم يكن أفضل حالاً. لابد وأن نعترف رغم ذلك بأن صندوق النقد الدولي لم يكن وحده الذي فشل في تفسير الحقائق والوقائع الأساسية التي أدت إلى اندلاع الأزمة، ولكن هذا ليس بالعذر الكافي.

فقبل الأزمة كانت الوظيفة الأكثر شهرة لصندوق النقد الدولي ـ إقراض البلدان التي تعاني من مشاكل خاصة بميزان المدفوعات ـ قد أصبحت غير ذات صلة. وكانت أغلب الأسواق الناشئة تفضل تأمين ذاتها من خلال تكديس الاحتياطيات من النقد الأجنبي على الاقتراض من الصندوق. ومن عجيب المفارقات أن هذا الميل كان يدفع صندوق النقد الدولي إلى التركيز على دوره الإشرافي. لذا فبوسعنا حين نبحث عن الأسباب التي أدت إلى فشل صندوق النقد الدولي أن نستبعد مسألة انصراف انتباهه إلى مسائل أكثر إلحاحاً.

إن الصندوق يتوقع المشاكل عادة من جانب المشتبه بهم المعتادين ـ البلدان النامية المتقلبة اقتصادياً ـ ولكن في هذه المرة نشأت الأزمة على بعد بضعة أميال من مقر الصندوق الرئيسي. وربما كان ذلك القرب كامناً في جذور فشل صندوق النقد الدولي في تفسير الأدلة المتوفرة لديه.

وإذا كان الأمر كذلك فإن هذا الفشل يثير سؤالين رئيسيين. أولاً، هل كانت بنية حكم الصندوق مناسبة لممارسة الإشراف على المساهمين الرئيسيين؟ وثانياً، هل منعت الحواجز الإيديولوجية صندوق النقد الدولي من الإقرار بأن إلغاء القيود التنظيمية قد يؤدي إلى عواقب وخيمة؟

من غير المتصور في واقع الأمر أن نتخيل أن الصندوق كان ليفشل على هذا النحو المروع ـ رغم موظفيه المؤهلين المتفانين ـ في استكشاف نقاط الضعف المتراكمة في سوق الرهن العقاري في الولايات المتحدة والتنبيه إليها، لو كانت نقاط الضعف هذه قد ظهرت في أحد البلدان النامية. ولكن السلطة في صندوق النقد الدولي في الوقت الحالي تتبع المنطق المستمد من دوره بوصفه مؤسسة مخصصة للإقراض. وكلما ساهم بلد ما بالمزيد من الأموال في الموارد المشتركة المجمعة، كلما اكتسب ذلك البلد قدراً أعظم من النفوذ.

وأنا عن نفسي لست راضياً عن الطريقة التي يتم بها حساب "حصص" صندوق النقد الدولي، ولكن لابد لي من الاعتراف بأن تبادل الأموال في مقابل الأصوات يشكل بنية حكم ملائمة لأي مؤسسة تعمل في مجال الإقراض. ولكنها ليست بالبنية الملائمة لمؤسسة الهدف الأساسي منها ممارسة الإشراف الكامل على البلدان الأعضاء ـ وخاصة أكثر البلدان الأعضاء نفوذاً، والتي تترتب على السياسات التي تتبناها في الداخل عواقب عالمية شاملة.

والواقع أن تبني سياسة "المال في مقابل النفوذ" في الحكم تؤدي على نحو غير مباشر إلى إضعاف قدرة الصندوق على انتقاد أكثر بلدانه الأعضاء أهمية (ناهيك عن إرغامها على الوفاء بالتزاماتها). وكما شهدت بنفسي عدة مرات، حين يتبنى الصندوق الصراحة المفرطة في انتقاده لأعضائه الأقوياء، فإن الحكومات المستهدفة تستخدم نفوذها لتخفيف وتسفيه البيانات العامة التي يصدرها مجلس إدارة الصندوق.

ولنذهب الآن إلى السؤال الثاني ـ ما إذا كان الصندوق يعاني من عقلية أدت إلى إعمائه عن الأسباب الحقيقية لما حدث. في وقت مبكر يرجع إلى أغسطس/آب 2005، كان راغورام راجان، المستشار الاقتصادي لصندوق النقد الدولي آنذاك (وكبير خبرائه الاقتصاديين) يحذر من الضعف الذي تعاني منه الأسواق المالية في الولايات المتحدة. فقد أدرك راجان أن شيئاً خطيراً يحدث، فحذر من أن قوى المنافسة كانت تدفع الأسواق المالية إلى التلاعب على نحو متواصل بالحدود الدنيا من الافتقار إلى السيولة، وتعمل على إخفاء المخاطر عن المستثمرين سعياً إلى التفوق في الأداء على المنافسين.

ولعل الأمر الأكثر كشفاً للحقائق أن راجان رغم ذلك كان يزعم أن إلغاء القيود التنظيمية نجح في إزالة الحواجز المصطنعة التي كانت تمنع دخول شركات جديدة وتشجيع المنافسة بين المنتجات، والمؤسسات، والأسواق. أو بعبارة أخرى، كان راجان يعتقد بوضوح أن القيود التنظيمية عملت على خلق "حواجز مصطنعة" وأن "المنافسة بين الجهات المختلفة" ـ أي بين الأجهزة التنظيمية المختلفة ـ كان موضع ترحيب.

إن مثل هذه المعتقدات تتناسب بشكل طبيعي مع هؤلاء المتشبثين بوجهة نظر مفادها أن الأسواق تؤدي على نحو أفضل في غياب القيود التنظيمية، والواقع أن تصريح راجان يشكل توضيحاً مثالياً للعقيدة التي كان صندوق النقد الدولي يتبناها في ذلك الوقت. وكان ذلك الإيمان غير المحدود بقدرة الأسواق على تنظيم نفسها بنفسها من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى فشل صندوق النقد الدولي في التوصل إلى المشاكل الحقيقية.

والآن هناك بعض بوادر التغيير المشجعة في صندوق النقد الدولي، ولكن لا ينبغي لهذا أن يطمئننا. فكما لاحظ رجل الاقتصاد السياسي فريد بلوك "فإن المجتمعات تتراجع دوماً عن حافة الدخول إلى التجربة الكاملة النطاق للتنظيم الذاتي للسوق". ولكن من المؤسف أن هذا أيضاً يحول التنظيم الذاتي إلى عقيدة يصعب التخلص منها، وذلك لأن أنصارها والمبشرين بها يزعمون دوماً أن فشلها لم يكن ناتجاً عن فساد العقيدة ذاتها، بل كان راجعاً إلى عدم التمسك بها بالقدر الكافي.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured