Wednesday, September 3, 2014
0

الوضع الجديد لمنطقة البلقان

صوفيا ـ إن منطقة البلقان تشكل قصة نجاح غير مروية من قصص نجاح الاتحاد الأوروبي. والواقع أن التزام الاتحاد الأوروبي بإدخال هذه المنطقة ضمن حدوده يظل راسخا. ففي شهر سبتمبر/أيلول من هذا العام، نجحت كاثرين أشتون، الممثلة العليا للشئون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، في كسر جمود العلاقات بين صربيا وكوسوفو من خلال حمل الجانبين على العودة إلى طاولة المفاوضات. الأمر الذي يؤكد أن قوة الاتحاد الأوروبي الناعمة لا تزال مرئية كحالها في أي وقت مضى.

وفي شهرنا هذا سقط أخيراً وإلى الأبد جدار التأشيرة الذي كان محيطاً بالمنطقة طيلة العقدين الماضيين (مع استثناء ألبان كوسوفو). وكأن الأزمة في مركز الاتحاد الأوروبي لم تصل إلى محيطه البلقاني. وهذه على الأقل الكيفية التي تريد المفوضية الأوروبية أن تنظر بها إلى البلقان، والكيفية التي تريد المنطقة أن تقدم بها نفسها.

ولكن الواقع أقل بثاً للطمأنينة. فبإمعان النظر سوف يتبين لنا أن منطقة البلقان تشكل في الوقت الحالي خليطاً من المشاكل الاقتصادية على غرار المشكلة اليونانية، والمشاكل الاقتصادية على غرار مشكلة بيلاروسيا، والحماس على الطريقة التركية حين يتصل الأمر بإرادة الاتحاد الأوروبي في دمج بلدان المنطقة.

ولفهم هذا الخليط فما علينا إلا أن نتصور يوماً انتخابياً ممطراً في دولة ما، وأن ثلاثة أرباع صناديق الاقتراع كانت فارغة. إن هذا من شأنه أن يحمل الحكومة على المطالبة بإعادة الانتخابات بعد أن تشرق الشمس. والنتيجة مروعة: حيث تتزايد الاحتجاجات مع إحجام 83% من الناخبين عن اختيار مرشح.

وهذه هي حبكة رواية خوسيه ساراماجو في رواية "الإبصار" ـ وهي عبارة عن رؤية معاكسة لليوتوبيا للأنظمة الديمقراطية في مرحلة ما بعد السياسة، حيث الناس غاضبون، وحيث يستسلم أهل النخبة لعقلية المؤامرة ويشعرون بانعدام الأمان، وحيث تصاب الحياة الاجتماعية بالشلل. وتُعَد هذه الرواية أيضاً تصويراً عادلاً لمشاعر مواطني منطقة البلقان إزاء الأنظمة السياسية الجديدة في بلدانهم.

والمكان الذي أبقاه ساراماجو بلا اسم هو كل مكان في البلقان. فحين سُئِلوا في إطار أحدث استطلاع أجرته مؤسسة جالوب لمراقبة البلقان عن أكثر الجهات جدارة بثقتهم، أعرب أغلب المستجيبين للاستطلاع عن إيمانهم بالكنيسة، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، ولكنهم أظهروا قدراً عميقاً من التشكك في المؤسسات الوطنية، بما في ذلك المؤسسات المنتخبة.

بعد انقضاء عشرة أعوام على آخر حرب تشهدها منطقة البلقان، فإنها لا تزال تشتمل على مجموعة من المحميات المحبطة والدول الضعيفة. فالبوسنة وكوسوفو سجينتان في متاهة من سياسات شبه الاستقلال؛ وألبانيا والجبل الأسود ومقدونيا جمهوريات صغيرة بلا سواحل بحرية، وخاضعة لحكومات شعوبية ومنقسمة قوى معارضة محبَطة ومثبطة للهمم في آن.

لقد فقدت صربيا كوسوفو، ولكنها لم تجد نفسها حتى الآن، في حين ينقسم الكروات فيما يتصل بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، حيث يخطط أغلبهم للتصويت ضد الانضمام. ولا يزال الصرب والكروات مختلفين بشأن التاريخ، ولكن العديد منهم متفقون على أن دفع الضرائب يشكل إهداراً للمال، ويتفق أغلبهم على عدم وجود أي حزب أو سياسي يعبر عن وجهات نظرهم.

لقد فقد الاتحاد الأوروبي سحره، ولكنه لم يخسر بعد أهميته. إذ يصر أهل مقدونيا، في مواجهة خيار الاحتفاظ باسم بلدهم الدستوري أو التسوية مع اليونان من أجل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، على التشبث ببنادقهم. ويقول الصرب أيضاً إن التظاهر بأن كوسوفو تشكل جزءاً من صربيا أكثر أهمية من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

ولكن التصريحات شيء والواقع شيء آخر. فمن الواضح أن أي أمل واقعي لمواطني المنطقة في الحياة الأفضل والاستقرار السياسي سوف يكون مرتبطاً باحتمالات التحاق بلدانهم بعضوية الاتحاد الأوروبي. وهذا ما يجعل من منطقة البلقان عاملاً بالغ الأهمية لفهم الظروف الجديدة في أوروبا. فما تزال شعوب المنطقة تؤمن بالاتحاد الأوروبي، ولكنها ليست على يقين من إيمان الاتحاد الأوروبي بها.

فضلاً عن ذلك فإن هذه الشعوب لم تعد تعرف كيف قد يتمكن اقتصاد بلدانهم من النمو في أوروبا ما بعد الأزمة. ففي وقت سابق كان هناك نموذجان صالحان لأي اقتصاد صغير يسعى إلى دمج نفسه في الاتحاد الأوروبي: النموذج الأيرلندي المتمثل في إصلاحات السوق الجذرية، والنموذج اليوناني التمثل في الحسابات المالية الخلاقة واستيعاب الأموال الأوروبية. والآن انحرف كل من النموذجين عن مساره.

إن أفضل وسيلة لفهم التأثير المترتب على الأزمة الحالية التي يمر بها الاتحاد الأوروبي على منطقة البلقان يتلخص في اعتبارها أزمة في الخيال السياسي. فقبل عامين أو ثلاثة أعوام فقط، كانت شعوب المنطقة تخشى أن تضطر للحياة على المحيط الخارجي لأوروبا؛ والآن تشعر هذه الشعوب بالخشية من أوروبا ذاتها. فذات يوم كان من الشائع أن نخبر أهل مقدونيا بأن بلدهم من الممكن أن يتحول إلى بلجيكا أخرى. والآن يتعين على المرء أن يسأل نفسه ما إذا كان أهل مقدونيا راغبين في الوصول إلى مثل هذه النتيجة، وذلك نظراً للطريقة المسرفة والمعقدة التي تعمل بها بلجيكا اليوم. والواقع أن أحداً لا يستطيع أن يعد بأن بلجيكا لن تنهار في غضون السنوات العشر أو العشرين المقبلة.

فكيف يصبح من الممكن دعم استمرار مؤسسات البلقان، التي بنيت بعد عقد كامل من الحرب والنعرات القومية، في وقت حيث نستمع إلى العديد من الساسة الأوروبيين البارزين وهم يقولون إن التعددية الثقافية قد توفيت؟ وكيف يصبح من الممكن تحويل الترتيبات المؤسسية التي أنشئت لوقف الحرب إلى ضمانة فعّالة لمستقبل مشترك يتضمن عضوية الاتحاد الأوروبي؟

إن الأوروبيين الذين يركزون على مشاكلهم الخاصة لا يجدون الوقت الكافي للتفكير بشأن الكيفية التي قد تؤثر بها الأزمة في الاتحاد الأوروبي على البلدان الواقعة على المحيط الخارجي لأوروبا. وينبغي لهذا أن يتغير. ذلك أن حال البلقان الجديدة تشكل إلى حد كبير انعكاساً لحال أوروبا الجديدة.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured