إذا أردنا أن نفهم كيف قد تبدو القضية الفلسطينية بدون ياسر عرفات ، فيتعين علينا أن نضع في الاعتبار الألقاب العديدة التي يحملها الآن. فعرفات هو رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، والقائد الأعلى للقوات الفلسطينية، ورئيس حركة فتح.
تجسد منظمة التحرير الفلسطينية الطموح الوطني الفلسطيني إلى الاستقلال وإقامة الدولة. وهي الهيئة السياسية الأعلى لكل الفلسطينيين، سواء منهم الذين يعيشون في فلسطين أو اللاجئين في الشتات. وسيكون لزاماً على خليفة عرفات أن يقسم جهوده بين المفاوضات مع إسرائيل، والتي ستتطلب التنازل بشأن اللاجئين، أو "حق العودة" إلى فلسطين، وطموحات ما يزيد على ثلاثة ملايين من الفلسطينيين الذين يرغبون في العودة إلى ديارهم التي أخرجوا منها نتيجة لحرب 1948 وحرب 1967.
كما أن خليفة عرفات بصفته رئيساً للسلطة الوطنية الفلسطينية ملزماً باتفاقية أوسلو، التي تم وفقاً لبنودها تأسيس الحكومة المؤقتة، التي يترأسها الآن رئيس الوزراء أحمد قريع ، وهي الهيئة المسئولة عن تسـيير الحياة اليومية للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. ويتعين على الفلسطينيين أن يقرروا ما إذا كانوا يريدون لمنصب رئيس الهيئة الوطنية الفلسطينية أن يكون منصباً يتمتع بسلطات قوية أو مجرد منصب رمزياً، كما هو الوضع الآن. والخيار الأخير يمنح رئيس الوزراء قريع سلطات واسعة، وهو ما يحقق رغبة العديد من الفلسطينيين علاوة على جهات أخرى.
أما منصب القائد الأعلى للقوات الفلسطينية فهو من المفترض أن يضع الأجهزة الفلسطينية العسكرية والأمنية والاستخباراتية المتعددة تحت قيادة زعيم واحد ينتظر منه أن يكفل ويضمن حكم القانون. لكن هذه القوات تعيش الآن حالة من الفوضى الناجمة عن الحاجة الملحة إلى إعادة تنظيم أغلب الأجهزة الأمنية الفلسطينية بعد أربعة أعوام من الجهود المكثفة من جانب إسرائيل لسحق هذه الأجهزة.
يتمثل العامل الرئيسي في تحقيق الأمن الداخلي في الوحدات المحلية شبه العسكرية. وهذه الوحدات التي لا يخضع أغلبها لسيطرة القيادة المركزية للسلطة الوطنية الفلسطينية، تدين بالولاء إلى الشخصيات القيادية الصغيرة أكثر من ولائها للقادة الرسميين للسلطة الوطنية الفلسطينية. ويتمتع قادة حركة فتح المحليون مثل مروان البرغوثي بسطوة هائلة على الوحدات القومية المسلحة ذات التنظيم غير المحكم والتي تعمل تحت لقب ألوية شهداء الأقصى .
كان البرغوثي يؤيد عقد انتخابات داخلية في حركة فتح، وكان يحاول تنفيذ ذلك حين اعتقله الإسرائيليون. وباعتباره واحداً من زعماء الشارع الفلسطيني والذي انتخب رئيساً للمجلس الطلابي بجامعة بير زيت ، فقد اكتسب البرغوثي الشرعية من خلال اختياره بواسطة أقرانه. وحين بدأت عملية أوسلو لم يقبل أي منصب داخل السلطة الفلسطينية، واختار عوضاً عن هذا أن يظل قريباً من كوادر فتح المحلية. وإن الشخص الذي سيحل محل عرفات لابد وأنه سيحتاج إلى التأكد من اقتناع هذه الألوية بأنها ستلقى الاحترام الكافي فيما يتصل بوضعها ومطالبها وزعمائها.
من المؤكد أن النزاع الذي سينشأ على السلطة في مرحلة ما بعد عرفات سوف يتمحور في النهاية حول حركة فتح ، التي تمثل العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية. وتتولى جمعية عمومية مكونة من كل التيارات اختيار المجلس الثوري الذي يتكون من مائة عضو، والذي يتولى بدوره انتخاب اللجنة المركزية التي تتكون من عشرين عضواً، حيث سيتركز أغلب الصراع على السلطة. وسوف يصر العديد من شباب قادة الشارع الفلسطيني على عقد اجتماع طارئ للمجلس الثوري، أو حتى انعقاد الجمعية العمومية السادسة (والتي ستكون الأولى منذ عام 1988). وتؤكد الأحداث التي جرت في الشهور الأخيرة أن ألوية شهداء الأقصى قد أجبرت الجميع، حتى عرفات ، على وضع مطالبهم في الاعتبار.
وبينما سيحدث أغلب الصراع داخل معسكر القوميين، إلا أننا لا ينبغي أن نغفل عن معسكر الإسلاميين تحت قيادة حماس و الجهاد الإسلامي . ومع أن الإسلاميين لن يتدخلوا على الأرجح في الصراع على السلطة في مرحلة ما بعد عرفات، إلا أنهم لن يقفوا موقف المتفرج إذا ما سلكت القيادة الجديدة اتجاهاً يرون فيه أنه الاتجاه الخطأ. وبطبيعة الحال، يتعين على القيادة الجديدة أن تتوصل إلى نوع ما من الاتفاق مع الإسلاميين فيما يتصل بقواعد اللعبة، على الصعيد الداخلي، وفي مواجهة إسرائيل. وبدون مثل هذا الاتفاق، وإذا ما اتخذت القيادة الجديدة إجراءات مشددة ضد الإسلاميين، فقد تنشب حرب أهلية عنيفة.
وفي المقام الأول من الأهمية، فلكي يتمكن القائد الفلسطيني الجديد من ترسيخ زعامته فلابد وأن يتخذ بعض القرارات الصعبة وأن يتوصل إلى بعض النتائج الواقعية الملموسة وعلى وجه السرعة. وإن تجربة رئيس الوزراء الفلسطيني الأول الذي كانت استقالته راجعة إلى حد بعيد إلى عجزه عن تحقيق أية تحسينات يلمسها شعبه ـ وعلى الأخص فيما يتصل بالأمن الشخصي والجماعي، وحكم القانون، ووضع نهاية للفوضى في المناطق الفلسطينية ـ ما زالت حتى الآن تجربة حاضرة في ذاكرة الشعب الفلسطيني.
وفي ذات الوقت فإن تجميد الأنشطة الاستيطانية، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين من الفلسطينيين ـ بما فيهم مروان البرغوثي ـ وإزالة نقاط التفتيش التي أقيمت بالمئات بين المدن الفلسطينية، من شأنه أن يساهم في إحياء الشعور بالأمل الذي بدونه لن يتمكن أي زعيم فلسطيني من التوصل إلى ما يريده العالم منه: ألا وهو التسوية السلمية.
المشكلة الحقيقية هي أن أي زعيم فلسطيني، أياً كانت هويته، لن يتمكن من تحقيق مثل هذه التغييرات. فهي في الحقيقة تمثل تحدياً مباشراً للمحتل الإسرائيلي والدول العربية المجاورة، والمجتمع الدولي ككل تحت قيادة الولايات المتحدة.


Comments (0)
You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.
The two commenting options explained
Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.
1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.
2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.