Monday, September 22, 2014
0

تشريح التعافي البطيء

بيركلي ـ أثناء الفترة من عام 1950 إلى عام 1990 ـ أيام تصميم بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لدورات الانحدار العتيقة الطراز لمكافحة التضخم ـ كانت معدلات البطالة في أميركا في مرحلة ما بعد الركود تهبط في المتوسط بنسبة 32.4% على مدى عام واحد من مستواها الأولي حو معدلها الطبيعي. ولو كان معدل البطالة في الولايات المتحدة قد بدأ في سلوك هذا المسار بعد الارتفاع القياسي الذي سجله في النصف الثاني من عام 2009، لكان الآن قد بلغ 8.3% بدلاً من 8.9%.

ولكن من المؤسف أن الانخفاض الصافي في معدل البطالة في الولايات المتحدة على مدى العام الماضي لم يكن ناتجاً عن زيادة في نسبة تشغيل العمالة إلى السكان؛ بل إن كل الانخفاض كان ناجماً عن انحدار نسبة المشاركة في قوة العمل. فقط هبط معدل البطالة من 10.1% على مدى الأشهر الثمانية عشر الماضية، ولكن نسبة تشغيل العمالة إلى السكان ظلت عالقة عند مستوى 58.4%. وربما كان الأفضل لو أن العاطلين عن العمل الذين كان بوسعهم العثور على فرصة عمل ـ والذين كانوا ليحصلون على هذه الفرص في ظل التشغيل الكامل للعمالة ـ يبحثون بنشاط عن فرصة عمل بدلاً من الخروج من قوة العمل بالكامل.

وإذا تبنينا وجهة النظر هذه، أثناء الفترة 1950-1990، فإن نسبة تشغيل العمالة إلى عدد السكان كانت لترتفع بنسبة 0.227% سنوياً في المتوسط عن كل عام تجاوز فيه معدل البطالة مستواه الطبيعي. ولو بدأت نسبة تشغيل العمالة إلى عدد السكان في الولايات المتحدة في سلوك مثل هذا المسار بعد المعدل القياسي الذي بلغته في عام 2009، فإن النسبة الحالية كانت لتصبح 59.7% وليس 58.4%. (وفي هذه الحالة، كنا لنشهد "صباحاً في أميركا" بدلاً من الوضع الحالي المظلم من الشدة الاقتصادية).

وهذا في اعتقادي المقياس الأفضل لقياس السرعة التي هي دون المستوى بكل تأكيد اليوم للتعافي الذي افتقر إلى توفير فرص العمل في الولايات المتحدة. وهذا يتماشى مع المقاييس الأميركية الأخرى: فمنذ ركود الناتج، سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نمواً بلغ في المتوسط 2.86% سنوياً، وهذا أعلى بالكاد من معدل النمو المحتمل لإنتاجية الاقتصاد الأميركي. كما يتماشى مع تجربة الكيانات الاقتصادية الغنية الأخرى، سواء كانت اليابان أو أوروبا.

والواقع أن المأزق الذي تعيشه الولايات المتحدة اليوم لا يتناقض بشكل حاد إلا مع التجارب الحالية للبلدان النامية في آسيا. فهناك يُظهِر نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي وانحدار معدلات البطالة تعافياً قوياً وراسخاً وسريعا ـ إلى الدرجة التي قد يصبح معها التضخم قريباً مشكلة اقتصاد كلي أكثر أهمية من خلق فرص العمل.

إن الفرضية الواضحة في تفسير السبب وراء المسار البطيء الذي سلكه التعافي الحالي في الولايات المتحدة تتلخص في أن سرعة التعافي ترتبط بالأسباب التي أدت إلى الانحدار. ففي مرحلة ما قبل عام 1990 كان الركود يحدث بفعل قرار يتخذه بنك الاحتياطي الفيدرالي بتحويل السياسات من العمل كالمعتاد إلى مكافحة التضخم. وكان بنك الاحتياطي الفيدرالي ليعمل بعد ذلك على إحداث أزمة سيولة، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى تشويه أسعار الأصول على النحو الذي يجعل من غير الممكن تحمل تكاليف العديد من مشاريع البناء، وقسم كبير من الاستثمارات الأخرى، فضلاً عن بعض السلع الاستهلاكية (وبالتالي يصبح إنتاجها مستحيلا). وبهذا فإن الفائض الناتج عن ذلك من السلع والخدمات والعمالة من شأنه أن يدفع معدل التضخم إلى الانخفاض.

ولكن بمجرد نجاح بنك الاحتياطي الفيدرالي في تحقيق هدف مكافحة التضخم، فإنه يعمل آنذاك على إنهاء أزمة السيولة، فتعود أسعار الأصول والدخول إلى مستوياتها الطبيعية. وتعود كافة قطاعات العمل التي كانت مربحة قبل الركود إلى سابق عهدها. وعلى هذا فإن التعافي، من منظور المشاريع والشركات، كان بمثابة مسألة واضحة الأبعاد: فما عليك إلا أن تعود إلى استئناف العمل من حيث تركته وترجع إلى القيام بما تعودت عليه من قبل.

ولكن بعد آخر موجة من موجات الركود التي ضربت الولايات المتحدة (وإلى درجة أقل بعد الموجتين السابقتين لها)، أصبحت الأمور مختلفة. ذلك أن موجة الركود لم تكن راجعة إلى أزمة سيولة، أي أن بنك الاحتياطي الفيدرالي لا يستطيع أن يلوح بعصاه السحرية فيعيد أسعار الأصول إلى مستوياتها السابقة للركود. وهذا يعني أن المشاكل التجارية تصبح أكثر تعقيدا، لأن التعافي لم يعد مجرد مقتصراً على إحياء ما كان إنتاجه مربحاً من قبل، بل إن التعافي يدور الآن حول القدرة على تحديد ما قد يكون إنتاجه مربحاً في المستقبل.

وعلى حد تعبير رجل الاقتصاد دان كوهين فإن الركود أشبه بشخص يدخل عليك فيقلب رقعة أحجية الصورة المقطعة التي تحاول ترتيبها ويبعثر القطع في كل مكان، بل ويقلب وجهها إلى الأسفل. وحين ينهي بنك الاحتياطي الفيدرالي أزمة السيولة، فإنه يقلب وجه قطع الأحجية إلى الأعلى، فيصبح من السهل إعادة ترتيب قطع الأحجية. ولكن الآن لا يوجد من يقوم بهذه المهمة، لذا فقد ��صبح تصحيح الأمور أصعب كثيرا.

وفي اعتقادي أن الأمور أسوأ من ذلك: فما دام الطلب الكلي منخفضا، لن يكون بوسعنا حتى أن نميز بين قطع الأحجية التي بات وجهها للأسفل والقطع التي ظل وجهها للأعلى. فالآن أصبحت الاستثمارات الجديدة وقطاعات العمل، التي كانت لتصبح عالية الإنتاجية والربح في ظل المستويات الطبيعية من البطالة والقدرة على استغلال القدرات، غير مربحة.

أي أن ما تحتاج إليه أميركا الآن ليس مجرد انتعاش في الطلب، بل إنها في احتياج أيضاً إلى تكيف بنيوي. ولكن من المؤسف أن السوق عاجزة عن توفير القدر الكافي من تعافي الطلب بالسرعة الكافية من تلقاء ذاتها. ولن تتمكن السوق من إنتاج التكيف البنيوي المطلوب على الإطلاق ما لم يشهد الطلب انتعاشاً قوياً وسريعا.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured