Wednesday, September 24, 2014
1

عولمة العدالة

باريس ــ عندما تأسست المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة بقرار صادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قبل عشرين عاما، وبالتحديد في الخامس والعشرين من مايو/أيار من عام 1993، كان العديد من المراقبين ينظرون إليها باعتبارها لفتة لا معنى لها. في ذلك الوقت كانت نيران الحرب في البوسنة مستعرة بالفعل منذ أكثر من عام كامل؛ وباتت مدينة سراييفو تحت الحصار؛ وكان عشرات الآلاف من المدنيين غير المقاتلين فقدوا حياتهم بالفعل؛ وأصبح مئات الآلاف من البشر مشردين قسرا.

آنذاك بدا أن صرب البوسنة ــ وأنصارهم في صربيا ــ يقتربون من كسب الحرب، في حين لم تتخذ الأمم المتحدة أي خطوة تسمح بالتحفظ على أولئك المتهمين بإصدار أوامر بارتكاب أعمال وحشية أو تنفيذها شخصيا. والواقع أن البعض نظروا إلى إنشاء المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة باعتباره بديلاً هزيلاً للتدخل العسكري الذي كان مطلوباً لوقف المذبحة.

ولفترة طويلة بدت تلك الاستجابة المتشائمة مبررة. ذلك أن المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة كانت بطيئة في البدء في التحرك. وقد استغرق الأمر أربعة عشر شهراً قبل أن تعين الأمم المتحدة مدعياً عاماً للمحكمة. ثم مر عام كامل آخر قبل أن يصدر مكتبه لوائح اتهام ضد شخصيات عالية المستوى مسؤولة عن ارتكاب جرائم كبرى. وبحلول ذلك الوقت، كانت مذبحة سريبرينتشا، التي راح ضحيتها نحو 8000 رجل وصبي من المسلمين، وهي أكبر عملية قتل جماعي في تاريخ أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، قد وقعت بالفعل.

ولكن برغم أن بعض جوانب أداء المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة تستحق الانتقاد بالفعل، فإن أداءها في الإجمال وإنجازاتها على مدى العقدين الماضيين جعلت منها قصة نجاح عظيمة. والواقع أن نجاحها هذا يتألف من شقين: إنجازات المحكمة في ما يتصل بيوغوسلافيا السابقة، وتأثيرها في مختلف أنحاء العالم في إنهاء الإفلات من العقاب على جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية.

فإذا تحدثنا عن يوغوسلافيا السابقة، فقد نجحت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في نهاية المطاف في احتجاز كل من وجهت إليهم الاتهامات قضائيا، باستثناء أولئك الذين ماتوا في غضون ذلك. كما أدارت محاكمات عادلة ووفرت عملية استئنافية جادة أدت إلى إدانات كبرى وحالات تبرئة على نفس القدر من الأهمية. وقد مهد عملها الطريق لإنشاء محاكم محلية في صربيا، وكرواتيا، والبوسنة، وهي المحاكم التي كانت مكملة لعملها. وحتى وقتنا هذا، أدين المئات من المسؤولين عن الفظائع التي ارتكبت في يوغوسلافيا السابقة في حروب التسعينيات وصدرت في حقهم أحكام قضائية بالسجن نفذوها ــ أو ما زالوا ينفذونها.

وكان تأثير المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في مختلف أنحاء العالم متعدد الأوجه. فقد عززت إنشاء محاكم جنائية دولية مخصصة لوقائع بعينها وامتدت ولاياتها القضائية إلى دول مثل رواندا، وسيراليون، وكمبوديا، ولبنان. كما وفرت الزخم اللازم لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية، في حين شجعت مدعي العموم في كثير من البلدان على توجيه الاتهامات إلى مسؤولين كبار وزعماء حرب العصابات لارتكاب جرائم حرب وتقديمهم للمحاكمة أمام محاكم وطنية.

ولم تكن المحاكمة الأخيرة لرئيس جواتيمالا السابق الجنرال إفراين ريوس مونت أمام محكمة وطنية وإدانته بتهمة الإبادة الجماعية وارتكاب جرائم ضد الإنسانية سوى أحدث ضربة موجهة ضد مبدأ الإفلات من العقاب الذي كان في الماضي يحمي أصحاب المناصب الكبرى المسؤولين عن ارتكاب جرائم فظيعة. ورغم أن هذه الإدانة أسقطت بواسطة المحكمة الدستورية في جواتيمالا، فإن ريوس مونت ينضم إلى العشرات من رؤساء الدول السابقين وقادة الحكومات الذين حوكموا لارتكاب انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان منذ تأسست المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة.

ولكن على الرغم من إنجازات السنوات العشرين الماضية، فإن الحركة من أجل العدالة الدولية لا تزال في مراحلها المبكرة. وحتماً هناك أخطاء وقعت. ولكن برغم هذا فإن الذكرى السنوية العشرين لتأسيس المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة تستحق الاحتفال، لأن الحركة التي قادتها أرغمت القادة العسكريين، وزعماء حرب العصابات، ورؤساء الدول في مختلف أنحاء العالم على أن يضعوا نصب أعينهم احتمالاً جاداً بأنهم سوف يمثلون أمام العدالة ذات يوم إذا ارتكبت جرائم ضد الإنسانية في عهدهم.

وبهذا يكون ما أنجزته المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة أكثر من مجرد تحقيق قدر من العدالة للضحايا والناجين في يوغوسلافيا السابقة. فقد أسهمت أيضاً في منع وقوع أفعال ظلم مروعة في سياقات بعيدة عن منطقة البلقان.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

Hide Comments Hide Comments Read Comments (1)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedNathan Coppedge

    I am attempting to publicize my general approach to justice, which consists of means of discouraging criminals:

    (A) Comfort, (B) Judgment, (C) Regularity, (D) Emotion

    Better than reverse-psychology, this method consists of two counterpoints (A-C and B-D), which work to circumvent problematic motivations and impulses.

    For example, if life is irregular, small incentives (comforts) may be greater appreciated. If judgment is not accepted, then it seems likely that the prospective criminal would be open to some form of emotionalism. If not emotionalism, then perhaps a form of regularity. And if not regularity, then perhaps a reward. In this way deviant behaviors become improbable.

    Another factor to consider is creativity and information-immersion. Those provide additional factors which can be controlled and modulated with potential benefit.

    The system also provides rudimentary criteria for assessing crimes, of two major types, each with two sub-types: [A] Active rationalized crimes (qualified sanity) react to perceived passivity or irrationality, [B] Passive rationalized crimes (unqualified sanity) react to perceived activity or irrationality, [C] Active irrational crimes (unqualified insanity) react to perceived passive reasoning, and [D] Passive irrational crimes (qualified insanity) reacts to perceived active reasoning.

    Each of the forms of judgment, which correspond to the forms of guilt, can be understood in the above system, to correspond first with emotionalism, second with regularity, third with the ability to judge, and fourthly with available comforts.

Featured