Friday, October 24, 2014
0

اشكروا بوش لأنه عَـيَّـن بيرنانك

قـد لا يدرك العالم هذا، لكننا تفادينا خـطراً داهماً حين قرر جورج دبليو بوش تعيين بن بيرنانك ليكون خلفاً للرجل القوي رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي ألان جرينسبان. كانت بعض الأسماء المخيفة لمرشحين لرئاسة بنك الاحتياطي الفيدرالي قد تسربت من البيت الأبيض، ولقد كنت شخصياً من بين كثيرين يفتقرون إلى الثقة في النتيجة.

ولكن بدلاً من هذا، وعلى نحو يشبه المعجزة، أصبح لدينا خبير اقتصادي رفيع المستوى بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، رجل نظيف اليد يتولى مهمة إرشاد الاقتصاد العالمي. والحقيقة أن الذين يعرفون بيرنانك ينظرون إليه باعتباره رجلاً عريض الخبرة، رفيع الثقافة، وصاحب شخصية لابد وأن تكون في غاية التألق حين يتولى منصبه في فبراير القادم.

ولكن ما السبب وراء الأهمية الشديدة لهذا المنصب؟ من المؤكد أن ألان جرينسبان رجل عظيم، ولكن بسبب مجموعة غريبة من الظروف ارتقى منصب رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى مكانة لا يحلم بها الملوك.

ولنضع في اعتبارنا أولاً أن البنكين المركزيين الآخرين الرئيسيين على مستوى العالم (البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان) لا يؤديان وظيفتهما على الوجه الأكمل. وبينما يبادر بنك الاحتياطي الفيدرالي، على نحو يتسم بالرشاقة وسرعة التصرف، إلى تغيير سياسة أسعار الصرف بهدف تثبيت معدلات التضخم والناتج، فلم يغير بنك اليابان أو البنك المركزي الأوروبي سياساتهما الرئيسية فيما يتصل بأسعار الصرف لأعوام عديدة، حيث توقف البنك المركزي الأوروبي عند نسبة 2%، وبنك اليابان عند نسبة صفر%.

وعلى الرغم من أن الفشل في تعديل أسعار الصرف لا يشكل دليلاً أولياً على الخلل الوظيفي ـ ذلك أنه حتى ساعة الحائط المعطلة تكون عقاربها فـي المكان الصحيح مرتين في اليوم ـ إلا أن أسعار الصرف المجمدة توحي بشلل تعاني منه السياسة النقدية. وعلى هذا فبعد ضياع البنكين المركزيين الرئيسيين الآخرين في معمعة المعركة، أصبح مسرح الاقتصاد العالمي مفتوحاً أمام بنك الاحتياطي الفيدرالي منفرداً.

وعلى نفس القدر من الأهمية، يسيطر رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي أيضاً على مسرح اقتصاد الولايات المتحدة. وبطبيعة الحال فلابد وأن يلعب وزير مالية الولايات المتحدة أو أحد الزعماء الآخرين في الإدارة الأميركية دوراً موازناً للدور الذي يلعبه رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي. ولكن المشكلة ببساطة تكمن في أن مثل أولئك المسئولين في إدارة بوش لا يتمتعون بالدعم السياسي الذي يسمح لهم بالعمل على نحو مؤثر، وبصورة خاصة في وجود شخص على النقيض من جرينسبان.

من الواضح أن الرئيس بوش قد اتخذ القرار بأن يكون هو شخصياً الناطق الرسمي الاقتصادي الرئيسي للإدارة. ولكن من المحتم أن يبدو بوش وكأنه قائد فريق تشجيع، بينما يتفوق عليه بوضوح رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي الأكثر موضوعية.

بطبيعة الحال، لم يضطر جرينسبان قط إلى تعريض مصداقيته للخطر فيما يتصل بالقضايا الاقتصادية، من خلال إلقاء المواعظ بشأن نظرية النشوء والارتقاء لداروين (التي ينكرها العديد من مؤيدي بوش)، أو الغمغمة المتواصلة حول الوضع الرائع لقوات الولايات المتحدة في العراق وكيف أن الأمور هناك تسير على خير ما يرام. ففي مواجهة حماسة بوش المضجرة كانت هناك معرفة جرينسبان وخبراته العريضة.

فضلاً عن ذلك فمن قبيل المستحيل أن يتمكن رئيس الولايات المتحدة، المنشغل بالعشرات من المشاكل الملحة الأخرى، من منافسة رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي الذي يتميز عنه بالقدرة على التركيز طيلة الوقت على القضايا الاقتصادية فقط. لذا يتعين علينا أن نعترف ببراعة بوش في اختيار الشخص الذي يستطيع أن يواصل الدور الذي كان يلعبه جرينسبان بصفته الخبير الاقتصادي الأكبر في الولايات المتحدة بلا منازع.

والحقيقة أنه قد يمر بعض الوقت قبل أن يصبح اسم بن بيرنانك على لسان رجل الشارع العادي في كل أنحاء العالم كما كان اسم جرينسبان. فحتى أولئك الذين لا يهتمون كثيراً بأمور الاقتصاد والمال يعرفون اسم رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي الحالي في الولايات المتحدة. ومما لا شك فيه أن هذه الحقيقة جعلت حياتي أكثر سهولة حين كنت أشرح للناس أنني أستاذ أتولى تدريس العلوم الاقتصادية.

من المؤكد أن بعض الناس، مـثل ذلك الموسيقار الشاب الشهير الذي التقيت به مؤخراً، لم يسمعوا قط بألان جرينسبان ـ أو حتى ببنك الاحتياطي الفيدرالي (فقد ظل ذلك الشاب طيلة نصف ساعة مأخوذاً بفكرة احتمال وجود شخص ما يستطيع أن يطبع مليار دولار لمجرد نزوة). ولكن بصورة عامة، فعلى الرغم من أن أغلب الناس لا يفهمون حقاً الوظيفة التي يقوم بها البنك المركزي، إلا أنهم ينظرون إلى ألان جرينسبان باعتباره شخصية على قدر كبير من الأهمية ويمتلك القدرة على تحديد أسعار الفائدة، وبالتالي يستطيع التأثير على حياتهم.

وهذا يعيدنا إلى البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان، وذلك لأن المشكلة الحقيقية التي يعاني منها البنكان ليست ببساطة الشلل الذي اعترى أسعار الفائدة لديهما، ولكنه يكمن في أن كل من البنكين يستشعر تلك القيود الهائلة التي تحكمه فيما يتصل بالتعامل مع القضايا الاقتصادية الرئيسية باستثناء السياسة النقدية.

والحقيقة أن البنك المركزي الأوروبي باعتباره المؤسسة الرائدة التي تشمل الاتحاد الأوروبي بالكامل يجد نفسه في موقع فريد ��سمح له بأن يلعب دوراً قيادياً في المناقشة الدائرة بشأن السياسة المالية، والسياسة التجارية، والتحول الديموغرافي. ولكن على الرغم من أن البنك يقدم العديد من الإسهامات الفنية المهمة في العديد من المناقشات بهدوء، إلا أنه مقيد على الصعيد السياسي إلى درجة تمنعه من الامتداد بالقوة إلى ما هو أبعد من نطاق سلطاته.

والواقع أن هذا قيد مشئوم فُـرِض على تصميم البنك المركزي الأوروبي من قبل مجموعة من الدول القومية التي لم تتوصل بعد إلى قرار بشأن ما إذا كانت تفضل وحدة أعظم أو تفككاً أكبر. أما بنك اليابان فإن المشكلة الجوهرية التي يواجهها تكمن في خوفٍ مؤسسي عميق من تعكير الصفو على المستوى السياسي، ويؤدي به ذلك إلى العجز عن الاضطلاع بدور رئيسي على المستوى الاقتصادي.

نتيجة لكل هذا أصبح رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي يتمتع بنفوذ خارق للعادة. وربما أصبح في الإمكان ذات يوم تحجيم هذه السلطة المطلقة إذا ما استعاد البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان نشاطهما وعافيتهما. ولكن إلى أن يتسنى ذلك فليس لنا إلا أن نشعر بالاطمئنان والارتياح لأن الرئيس بوش، سواء كان ذلك من قبيل الصدفة أو بتدبير من القدر، قد عين بالفعل خليفة جدير بالاحترام لجرينسبان. فلو لم يحدث ذلك لكان من الممكن أن ينزلق العالم إلى كارثة محققة.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured