Monday, November 24, 2014
0

عشرة أسباب تجعل الصين مختلفة

نيو هافن ـ لقد عاد المشككون في الصين من جديد، وبكل قوة في هذه المرة. ويبدو الأمر وكأنهم يأتون في موجات ـ كل بضعة أعوام أو نحو ذلك. ورغم ذلك فإن الصين دأبت عاماً بعد عام على تحدي الرافضين والمعارضين والتزمت بمسارها حتى النهاية، لكي تديم بذلك معجزة التنمية الأكثر إذهالاً في العصر الحديث. ومن المرجح أن يستمر هذا المنوال.

إن هذا الشعور المحموم بالقلق اليوم يعكس مجموعة من المخاوف ـ وخاصة المخاوف بشأن التضخم، وفرط الاستثمار، وارتفاع الأجور، والقروض المصرفية المعدومة. ويحذر أكاديميون بارزين من أن الصين قد تسقط ضحية لمصيدة الدخل المتوسط اللعينة، التي خربت العديد من الدول النامية.

والواقع أن العديد مما سبق يحمل في طياته لب الحقيقة، وخاصة فيما يتصل بمشكلة التضخم الحالية. ولكن هذه المخاوف تنبع إلى حد كبير من تعميمات في غير محلها. فهناك العشرات من الأسباب التي تجعل من غير المجدي أن نحاول تشخيص الاقتصاد الصيني باستخلاص الاستنتاجات والاستدلالات من تجارب الآخرين:

الاستراتيجية: منذ عام 1953، وضعت الصين أهداف الاقتصاد الكلي في سياق من الخطط الخمسية، بالاستعانة بأهداف محددة بوضوح ومبادرات تخطيطية مصممة لتحقيق تلك الأهداف. والواقع أن الخطة الخمسية الثانية عشرة التي صدقت عليها الحكومة الصينية مؤخراً قد تشكل نقطة تحول استراتيجية ـ تبشر بتحول من نموذج المنتج الذي حقق نجاحاً كبيراً طيلة الأعوام الثلاثين الماضية إلى مجتمع استهلاكي مزدهر.

الالتزام: إن القيادة الصينية، التي اكتوت بذكريات الفوضى والاضطرابات والتي تستمد قوتها من الثورة الثقافية في سبعينيات القرن العشرين، تضع الاستقرار على رأس أولوياتها. ولقد خدم هذا الالتزام الصين بشكل واضح في تجنب الأضرار الجانبية الناجمة عن أزمة 2008-2009. وهي مستعدة للاضطلاع بدور لا يقل عن ذلك أهمية في قيادة المعركة ضد التضخم، وفقاعات الأصول، وتدهور نوعية القروض.

توفر سبل التنفيذ: إن التزام الصين بالاستقرار له أنياب. فبفضل أكثر من ثلاثين عاماً من الإصلاح تحررت ديناميتها الاقتصادية. وكانت الإصلاحات التي نفذتها في مجال المشاريع والأسواق المالية بالغة الأهمية، وهناك العديد من الإصلاحات القادمة. كما أثبتت الصين فضلاً عن ذلك براعتها في التعلم من أزمات الماضي، وقدرتها على تحويل المسار كلما لزم الأمر.

الادخار: لقد خدم معدل الادخار المحلي الذي تجاوز 50% الصين إلى حد كبير. فقد ساعد في تمويل الضرورات المرتبطة بالتنمية الاقتصادية وتعزيز الاحتياطيات من النقد الأجنبي والتي حمت الصين من الصدمات الخارجية. واليوم أصبحت الصين على استعداد لاستيعاب جزء من هذه المدخرات الفائضة لتعزيز التحول نحو الطلب الداخلي.

الهجرة من الريف إلى الحضر: على مدى الأعوام الثلاثين الماضية، ارتفعت حصة سكان الحضر من إجمالي سكان الصين من 20% إلى 46%. ووفقاً لتقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فإن ما يقرب من 316 مليون آخرين من سكان الصين لابد وأن ينتقلوا من المناطق الريفية إلى المدن في غضون الأعوام العشرين المقبلة. والواقع أن هذه الموجة غير المسبوقة من التحول الحضري توفر دعماً قوياً للاستثمار في البنية الأساسية وأنشطة التشييد والبناء التجاري والسكني. وتركز المخاوف من فرط الاستثمار و"مدن الأشباح" على جانب العرض، من دون إعطاء الوزن المستحق للطلب المتزايد.

الثمار الدانية ـ الاستهلاك: يشكل الاستهلاك الخاص نحو 37% فقط من الناتج المحلي الإجمالي الصيني ـ وهي الحصة الأصغر بين كافة القوى الاقتصادية الكبرى. وبالتركيز على خلق فرص العمل، وزيادة الأجور، وشبكة الأمان الاجتماعي، فإن الخطة الخمسية الثانية عشرة قادرة على إشعال شرارة زيادة كبيرة في القوة الشرائية التقديرية للمستهلكين. وهذا من شأنه أن يقود إلى زيادة قد تصل إلى خمس نقاط مئوية في الحصة الاستهلاكية في الصين بحلول عام 2015.

الثمار الدانية ـ الخدمات: تشكل الخدمات 43% فقط من الناتج المحلي الإجمالي الصيني ـ وهي نسبة أدنى كثيراً من المعايير العالمية. إن الخدمات تُعَد جزءاً بالغ الأهمية من الاستراتيجية المؤيدة للاستهلاك في الصين ـ وخاصة الصناعات الضخمة القائمة على المعاملات مثل التوزيع (الجملة والتجزئة)، والنقل الداخلي، والخدمات اللوجستية لسلسلة العرض، والضيافة والترفيه. وعلى مدى الأعوام الخمسة المقبلة فإن حصة الخدمات في الناتج المحلي الإجمالي الصيني قد ترتفع إلى ما يتجاوز الزيادة المستهدفة حالياً بنسبة أربع نقاط مئوية. وهي وصفة للنمو تقوم في الأساس على الكثافة العمالية وكفاءة استخدام الموارد وحماية البيئة ـ وهو ما تحتاج إليه الصين على وجه التحديد في المرحلة المقبلة من التنمية.

الاستثمار الأجنبي المباشر: لقد عملت الصين الحديثة لفترة طويلة كمنطقة جاذبة للشركات العالمية المتعددة الجنسيات الباحثة عن الكفاءة وموطئ قدم في السوق الأكثر اكتظاظاً بالسكان على مستوى العالم. وتوفر هذه الاستثمارات للصين القدرة على الوصول إلى التكنولوجيات الحديثة والأنظمة الإدارية المتطورة ـ وهو ما يشكل محفزاً للتنمية الاقتصادية. ومن الواضح أن إعادة التوازن إلى الاقتصاد الصيني على نحو مؤيد للاستهلاك تنطوي على تحول محتمل في الاستثمار الأجنبي المباشر ـ بعيداً عن التصنيع ونحو الخدمات ـ بشكل قادر على دفع المزيد من النمو.

التعليم: لقد قطعت الصين أشواطاً هائلة في بناء رأس المال البشري. فقد أصبح معدل معرفة القراءة والكتابة الآن 95% تقريبا، وبلغت معدلات الالتحاق بالمدارس الثانوية 80%. ومؤخراً جاء طلاب شنغهاي في سن خمسة عشر عاماً في الترتيب الأول على مستوى العالم في الرياضيات والقراءة وفقاً لمقياس البرنامج الدولي لتقييم الطلاب المعياري. والآن تخرج الجامعات الصينية أكثر من 1.5 مليون مهندس وعالم سنويا. وأصبحت الدولة على الطريق السليم نحو الاقتصاد القائم على المعرفة.

الإبداع: في عام 2009، بلغ مجموع طلبات الحصول على براءات الاختراع المحلية في الصين نحو 280 ألف طلب، فاحتلت بذلك المرتبة الثالثة على مستوى العالم، بعد اليابان والولايات المتحدة. كما تحتل الصين المرتبة الرابعة على مستوى العالم من حيث طلبات الحصول على براءات الاختراع الدولية. وفي الوقت نفسه تستهدف الصين تخصيص حصة تبلغ 2.2% من الناتج المحلي الإجمالي لمشاريع البحث والتطوير بحلول عام 2015 ـ ضعف النسبة في عام 2002. وهذا يتناسب مع التركيز الجديد الذي أولته الخطة الخمسية الثانية عشرة للصناعات الناشئة الاستراتيجية القائمة على الإبداع ـ الحفاظ على الطاقة، والجيل الجديد من تكنولوجيا المعلومات، والتكنولوجيا الحيوية، وتصنيع المعدات المتطورة، والطاقة المتجددة، والمواد البديلة، والسيارات التي تعمل بالوقود البديل. في الوقت الحالي، تشكل هذه الصناعات السبع نحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي الصيني؛ وتستهدف الحكومة حصة تبلغ 15% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2020، وهي خطوة بالغة الأهمية للارتقاء على سلسلة القيمة.

لم يكف المؤرخ جوناثان سبنس من جامعة ييل لفترة طويلة عن التحذير من أن الغرب يميل إلى النظر إلى الصين من خلال نفس العدسة التي ينظر بها إلى نفسه. والواقع أن هذه الفكرة تتجلى بوضوح في الأنشطة غير المنظمة التي يزاولها المشككون في الصين. صحيح أن اختلال التوازن في الصين غير مستقر وغير قابل للاستمرار وفقاً لمعاييرنا، حتى أن رئيس مجلس الدولة الصيني ون جيا باو علَّق علناً على هذا الأمر بانتقاد مماثل.

ولكن هذا هو السبب الذي يجعل الصين مختلفة إلى هذا الحد. فهي في واقع الأمر تتعامل بجدية مع هذه المخاوف. فعلى النقيض من الغرب، حيث تحول مفهوم الاستراتيجية إلى تعبير متناقض، تبنت الصين إطاراً انتقالياً يهدف إلى حل القيود الخاصة بمسألة الاستدامة. وعلى النقيض من الغرب أيضا، تتحلى الصين بالالتزام بهذه الاستراتيجية والسبل اللازمة لتنفيذها. وأظن أن الوقت الآن ليس المناسب أبداً للمراهنة ضد الصين.

  • Contact us to secure rights

     

  • Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

    Please login or register to post a comment

    Featured