Friday, October 31, 2014
0

الجدية في التعامل مع سلامة العقاقير

إن المخاطر الصحية ـ المتمثلة في المفاعلات النووية، والأسلحة النارية، والأغذية الملوثة ـ تحيط بنا جميعاً من كل جانب. ومن هنا فإن الحكومات تلعب دوراً نشطاً في العمل على تقليص هذه المخاطر من خلال التشريعات والقوانين الـمُـنَـظِّمة، الأمر الذي يصادف نجاحاً كبيراً في العديد من الحالات. لكن الأمر يختلف اختلافاً كبيراً فيما يتصل بالسلامة في مجال العقاقير الطبية الموصوفة. والحقيقة أن السلامة في مجال العقاقير تلقى إهمالاً شديداً من قِـبَل المشرعين فيما يتصل بحماية عامة الناس.

إن حجم المشكلة هائل الضخامة. فطبقاً لبعض التقديرات، يموت في الولايات المتحدة فقط في كل عام حوالي مائة ألف مريض بسبب تفاعلات معاكسة خطيرة للعقاقير. وإذا ما صحت هذه التقديرات فإن الموت بسبب العقاقير يحتل المركز الرابع أو الخامس بين الأسباب الرئيسية للوفاة (وفقاً للأسلوب المستخدم في تقدير معدل الوفيات). فضلاً عن ذلك فإن تكاليف المستشفيات السنوية المباشرة المترتبة على التفاعلات المعاكسة للعقاقير تصل إلى مليارات الدولارات، وهذا التقدير لا يشمل المعاناة التي تتسبب فيها التفاعلات المعاكسة للعقاقير والتي قد لا تؤدي إلى الدخول إلى المستشفى (أو الوفاة).

يتعين علينا أن نعترف بالمصاعب التي تواجهنا في تحديد السبب والمفعول. فسواء كانت وفاة أحد المرضى أو دخوله إلى المستشفى بسبب عقار بعينه، فمن الصعب أن نحدد المرض الذي تطلب تناول ذلك العقار، أو أن نربط بين الاثنين. لكن هذا يزيد من أهمية سلامة العقاقير.

هناك حقيقة متلازمة مع مسألة سلامة العقاقير، ألا وهي أن كافة العقاقير، علاوة على الفوائد التي تحققها، تلحق الضرر ببعض المرضى. ومن هنا فإن الموافقة على استخدام عقار ما يتطلب الحرص في وزن وتقدير التأثيرات المرغوبة وغير المرغوبة للعقار. وتتفاوت هذه الأحكام وفقاً للجهة التي تصدرها، سواء كانت شركة أدوية تستفيد من المبيعات، أو مريضاً يواجه خطر التعرض لتأثيرات معاكسة خطيرة.

وتؤدي المعرفة المنقوصة إلى تعقيد هذا التقييم. ذلك أن الاستعجال في طرح العقاقير الجديدة في الأسواق كثيراً ما يقودنا إلى مستندات غير وافية لتأكيد سلامة تلك العقاقير. ومن المعروف أن ما يزيد على نصف العقاقير الحاصلة على موافقة تتسبب في إحداث تفاعلات معاكسة خطيرة لم تكن معروفة وقت حصولها على موافقة الجهات التنظيمية أو الرقابية.

على سبيل المثال، حين تم تقديم الفئة الجديدة من مسكنات الألم التي أطلق عليها "مثبطات الـ كوكس-2"، لم تكن الجهات التنظيمية، ولا الأطباء، ولا المرضى يدركون أن هذه العقاقير قد تتسبب في إحداث أزمات قلبية وصدمات. ولقد عانى عشرات الآلاف من المرضى الأبرياء ـ وربما ما يزيد على هذا ـ من التفاعلات المعاكسة لهذه العقاقير قبل أن يتم سحب أول عقارين من هذه الفئة من الأسواق.

إنه لمن الصعب أن نتوصل إلى التوثيق الملائم والكامل للتأثيرات الضارة للعقاقير. ومن المؤسف أن معدلات الإبلاغ التلقائي للأجهزة الرقابية منخفض إلى حد هائل ـ 1% تقريباً ـ كما أن الرقابة المستمرة كثيراً ما تكون سلبية في العديد من الدول.

فضلاً عن ذلك، هناك عزوف عام عن الإبلاغ عن التأثيرات السلبية للعقاقير. فقد يشعر الأطباء بالذنب ويخشون الوقوع تحت طائلة القضاء، كما ينتاب شركات الأدوية القلق بشأن التهديد الذي قد تتعرض له أرباحها، كما تجد الأجهزة الرقابية نفسها في مواجهة سؤال عصيب: "لماذا تمت الموافقة على العقار في المقام الأول؟".

وهناك صعوبة خاصة تتمثل في إرجاع تفاعل عكسي إلى عقار بعينه إذا ما كانت الواقعة الطبية شائعة بين المجموعة العمرية للمستخدم أو بين المصابين بالحالة الخاضعة للعلاج. ولأن خطر الإصابة بالأزمات القلبية مرتفع بين الأفراد الأكبر سناً، فقد استغرق الأمر ستة أعوام للربط بين "مثبطات الـ كوكس-2" وبين ارتفاع خطر الإصابة بالنوبات القلبية إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف بين العديد ممن كانوا يعانون من آلام في المفاصل تتطلب العلاج بمسكنات الألم.

في مسح أجرته "مؤسسة هاريس" في الولايات المتحدة مؤخراً توصلت إلى أن 60% من البالغين يفتقدون الثقة على الإطلاق أو لا يثقون ثقة كاملة في أن شركات تصنيع الأدوية قد تكشف علناً وفي الـوقت المناسب عـن البيانات الـخاصة بالتأثيرات المعاكسـة لمنتجاتها. ولا نستطيع أن نقول إن التشكك الذي تبديه هذه الفئة من الناس لا أساس له من الصحة: ذلك أن المستندات الداخلية التي تم الحصول عليها في دعاوى قضائية حديثة تكشف أن شركات الأدوية كثيراً ما تحجم عن تقديم بيانات حاسمة خاصة بالسلامة إلى الجهات الرقابية، وفقاً لنصوص القانون، وكثيراً ما تمتنع عن إبلاغ الأطباء والمرضى بمثل هذه المعلومات والبيانات.

من بين المشاكل التي تـواجهنا أن الـعواقب الـقانونية المترتبة على إهمال سلامة العقاقير لا وجود لها أو مخففة إلى حد كبير. ولقد آن الأوان لكي نتناول هذه القضية بالجدية اللائقة:

· يتعين على المواطنين والحكومة الحرص على وضع سلامة العقاقير في مقدمة الأولويات وتخصيص الموارد الكافية لعلاج المشاكل؛

· لابد من تغليظ العقوبات الموقعة على شركات الأدوية نتيجة امتناعها عن الإبلاغ عن البيانات الخاصة بالسلامة إذا ما كنا نريد لهذه العقوبات أن تكون رادعة؛

· من الضروري أن تتمتع الجهات الرقابية بسلطة تنفيذية تسمح لها بفرض قواعد أكثر صرامة؛

· لابد من الـنظر إلى مشكلة سلامة العقاقير باعـتبارها ناجمة عـن قصور شامل لا تُـسأل عنه جهة بعينها. فمن الظلم أن نُـحَمِل الأطباء المعالجين المسئولية عن التفاعلات المعاكسة الخطيرة للعقاقير، وخاصة في غياب المعلومات الكاملة الخاصة بالسلامة. ويتطلب علاج المشكلة التعاون الكامل من قِـبَل الأطباء المعالجين، لكن هذا يتطلب بالتالي القضاء على مخاوفهم من التعرض للمساءلة القضائية. ولقد نجح هذا التوجه إلى حد كبير في صناعة الخطوط الجوية: حيث لا يعاقَب الطيارون الذين يبلغون عن أخطائهم القريبة؛

· لابد وأن يكون المرضى أكثر اطلاعاً على المخاطر المرتبطة بالأدوية الموصوفة، وأكثر مشاركة في الاكتشاف والإبلاغ. كما ينبغي أن نؤكد على عدم جدوى الإرشادات المطبوعة بخطوط دقيقة في النشرات المرفقة داخل العبوات؛

· لابد وأن تكون العمليات الرقابية على التفاعلات المعاكسة للعقاقير أكثر قدرة على استباق المشاكل والوقاية منها. وهذا يتطلب المزيد من التمويل، وهو ما ينبغي على المستفيد الرئيسي من مبيعات العقاقير أن يتحمله ـ صناعة المستحضرات الصيدلانية ـ تماماً كما يتم تمويل الإشراف على سلامة الطيران بواسطة شركات الخطوط الجوية.

وأخيراً لابد وأن ندرك في المقام الأول أن نجاح أي جهود شاملة ترمي إلى تحسين سلامة العقاقير يتوقف على تأسيس إدارة مستقلة لسلامة العقاقير تتولى الدفاع والتنسيق وتوجيه الأجندة الرقابية. مثل هذه الإدارة موجود في المملكة المتحدة. ويتعين على الحكومات الأخرى أن تقتدي بهذا النموذج حتى تتمكن من الاضطلاع بالدور الذي أهملته باعتبارها وصية على الصحة العامة.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured