قد تكون الديمقراطيات الشابة بلا رحمة؛ فغالباً ما يكون ناخبوها أكثر قسوة من معارضيها السياسيين. وقد أثبت الأسبوعان اللذان تليا الانتخابات الرئاسية التايوانية هذه الحقيقة إلى أبعد الحدود ـ وهي الانتخابات الديمقراطية الثالثة من نوعها في تاريخ البلاد ـ فعلى ديمقراطية تايوان الشابة أن تتعايش الآن مع التوازن الذي فرضته عليها إعادة انتخاب الرئيس تشين شوي بيان.
وفي عشية الانتخابات، وأثناء صراعه من أجل الأصوات، جرح الرئيس تشين ونائبه آنيت لو برصاصات قاتل مغتال. لقد منح التعاطف الذي سببته هذه الحادثة الرئيس تشين فوزه ـ بغلبة ضئيلة جداً، ولا تكاد ترى، 50,1% من الأصوات ـ على منافسه لين تشان مرشح الائتلاف بين حزب الكيومينتانغ وحزب الشعب الأول. وعلت أصوات واحتجاجات المعارضة بعد هذا، قائلة بأن الاغتيال ملفق. وطالبت بإعادة فرزٍ للأصوات.
ليس في هذا مفاجأة، وذلك لأن المجتمع التايواني منقسم بطريقة متساوية إلى أبعد الحدود. يدعو حزب الرئيس تشين، الحزب التقدمي الديمقراطي، إلى "بلد واحدة على ضفتي المضيق التايواني"، وإلى "منع عودة نظام دخيل"، والمقصود هنا حزب الكيومينتانغ، الذي قدم إلى تايوان في عام 1949. ولكن، وبينما حفزت حملة الرئيس إلى تحصين تايوان ضد تهديدات الأرض الأم، الصين مؤيدي حزبه، أثارت، بالمقابل، غضب الملتزمين وغير الملتزمين من أعضاء حزب الكيومينتانغ.
ونسبة لإتلاف الحزبين، حزب الشعب الأول، وحزب الكيومينتانغ، كانت الحملة تمثل حرباً مقدسة، ليس لإحياء اقتصاد سقيم فقط بل للحفاظ على الاسم الرسمي للبلاد ألا وهو "جمهورية الصين". وبوجود كل هذه الأشياء على المحك، جند المعسكرين ملاييناً من الناس.
وقد زاد الرئيس تشين الرهانات بشكل أكبر، حين أصدر عريضته الشعبية الأولى، التي دعت إلى رفع قوة الدفاعات التايوانية في وجه التهديدات الصاروخية للأرض الأم، الصين، وإلى بناء أطر عمل سلمية للعلاقات عبر المضيق الذي يفصل تايوان عن الأرض الأم. لم تسم الصين وحدها المذكرة بالشجب والتحريض، بل ساندها الرئيس جورج دبليو بوش.
ترنحت تايوان في الأسابيع التي تلت الاقتراع. ووافق الرئيس تشين على إعادة فرز الأصوات. ولكن بقيت أسئلة تحوم على شفاه الجميع؛ هل سيقبل الخاسر في إعادة الفرز بالنتيجة، وهل ستنجو ديمقراطية تايوان الشابة من هذا الاضطراب!؟
ليست إعادة الاتحاد مع الصين هي الموضوع الأكثر أهمية الذي يواجه تايوان اليوم، بل يمثل تعميق وتدعيم مؤسساتنا الديمقراطية الموضوع الأهم. يجب أن يستبدل الاضطراب الذي هيمن على بناء الديمقراطية في تايوان بتقاليد من التسامح.
إن الفائدة الوحيدة التي يمكن اكتسابها من العريضة التي أصدرها الرئيس تشين هي الطلب من المواطنين التايوانيين، وللمرة الأولى، بأن يشاركوا في مناقشة مواضيع متعلقة بالدفاع الوطني، والعلاقات عبر المضيق. أصبح باستطاعة أي مواطنبالمشاركة في واحد من عشرة نقاشات تبث على شاشات التلفاز الوطنية، يجادل فبها مسؤولين حكوميين.
وعلاوة على ذلك، تلاقى مرشحا الرئاسة، لمرتين، في مناظرتين متلفزتين، وقدما في مناسبة أخرى خطبتين متلفزتين، الأمر الذي يشكل انفتاحاً سياسياً جديداً على تايوان، وفريداً من نوعه في العالم الصيني. وعلى الرغم من إلغاء الحكام الصينيين للانتخابات، فسيكون لتمرين تايوان الديمقراطي المفتوح أثره الكبير على مجتمعات الصين السياسية في سعيها نحو تعددية سياسية أكبر.
من هذا المنظور، يمكننا القول بأن النمو هو الاتجاه الوحيد للتقاليد الديمقراطية التايوانية. إن الحزب الديمقراطي التقدمي التايواني هو حزب شاب نسبياً، أسس في عام 1986. وبالفعل، خيم حكم حزب الكيومينتانغ على تايوان لوقت طويل. أصبحت هذه الهيمنة، وبالتأكيد، أمراً من الماضي.وقد دفع التوزيع غير المتعادل للقوى بالكثير من الناس إلى توقع فوز الائتلاف. وبالفعل، لم يستطع الحزب الديمقراطي التقدمي التايواني الفوز بأكثر من 40% من أصوات الناخبين سابقاً. إن فوزه الحالي رسخه كلاعب أساسي في الساحة السياسية التايوانية.
بحكمه لتايوان لمدة طالت أربع سنوات، استطاع الحزب الديمقراطي التقدمي التايواني إعادة رسم الخريطة السياسية في البلاد. وقد بنى إيمانه بتايوان ودعواته الإصلاحية وضرورة موافقته في التوجه نحو الدفاع ضد التأثير الضاغط وغير المجدي للصين، ولاء أكثرية صغيرة من السكان. ولكن، وعلى الرغم من هذا، لايمكننا القول باعتبار هذا الأمر فوزاً ساحقاً للقومية التايوانية.
إذ أنه، ولولا حادثة إطلاق النار عشية الانتخابات، وخصوصاً بوجود العامل الحاسم للاقتصاد الهزيل، لربما حصلت المعارضة لنفسها على فوز بفارق بسيط. إن الأكثرية الضئيلة، والاختلاف الواضح بين المعسكرين السياسيين عواملٌ سوف تساهم بالتأكيد في بناء نظام حكم نشيط بتعددية حزبية في المستقبل.
ولكن لم تنحصر حصيلة هذه الحملة ببناء حزبين قويين فقط، بل دفع القانون الديمقراطية إلى الأمام هنا أيضاً.
وكمثال على ذلك، نجد المعسكرين منهمكين اليوم في نقاش محموم حول الانتخابات الرئاسية وانتخابات نائب الرئيس، وحول إصدار قانون جديد يمنع تكرار الظروف المقلقلة الحالية المتعلقة بإعادة فرز الأصوات. إذ يقترح في المستقبل قانون يقضي بفرض إعادة فرز الأصوات في حال قل الفارق عن 1%. وقد سن قانون جديد لتنظيم الهبات السياسية قبل إصدار أوراق الاقتراع. وبالتالي فقد وضع نظام رقابة دقيق على التمويل القادم للرئيس وعائلته.
وعلى الرغم من الفوضى الظاهرة على تجربة تايوان الديمقراطية إلا أنها لا تفوق فوضوية التجربة الأمريكية التي أوصلت بوش إلى كرسي الرئاسة. وعلى الرغم من صحة القول بأن الانتخاب الحالي ترك وراءه بلاداً مقسمة، إلا أن هذه التقسيمات هي تقسيمات ديمقراطية، ويقضي الناس وقتهم الآن بالاستعداد للانتخابات المقبلة. وسوف تساعد الأصوات المتشاحنة في التجربة الديمقراطية التايوانية على تدعيم وزيادة تماسك هذه الديمقراطية ونظمها بدلاً من إلغائها بوسمها بحتمية الهلاك أو أسوأ من ذلك من صفات.


Comments (0)
You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.
The two commenting options explained
Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.
1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.
2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.