Saturday, November 1, 2014
0

كفوا عن معالجة الجراح بالضمادات المؤقتة

لقد تحول الشرق الأوسط إلى منطقة متفجرة، حيث أصبح بعض اللاعبين الأساسيين في كافة الأطراف يتحينون كل فرصة لتدمير أعدائهم بالرصاص والقنابل والصواريخ. ومن بين نقاط الضعف الخاصة لدى إسرائيل، وبالتالي من بين الأسباب المتكررة لنشوب العنف، إقدام خصومها على احتجاز أفراد منها كسجناء. والحقيقة أن الطوائف المسلحة الفلسطينية واللبنانية تدرك أن أسر جندي أو مدني إسرائيلي إما أن يكون سبباً في نشوب صراع أو قد يشكل ورقة مساومة ذات قيمة كبيرة في إطار عملية تبادل السجناء. وهذا الافتراض يستند تاريخياً إلى عدد من هذا النوع من التبادلات التي تمت من قبل، بما في ذلك تسليم ألف ومائة وخمسين عربي، أغلبهم من الفلسطينيين، في مقابل ثلاثة إسرائيليين في عام 1985؛ و123 لبناني في مقابل رفات جنديين إسرائيليين في عام 1996؛ و433 فلسطيني وآخرين في مقابل رجل أعمال إسرائيلي وجثث ثلاثة جنود إسرائيليين في عام 2004.

كان هذا النوع من التحايل البارع سبباً في التعجيل بتجدد أعمال العنف التي اندلعت في شهر يونيو/حزيران حين حفر بعض الفلسطينيون نفقاً تحت الحاجز الذي يحيط بغزة وهاجموا بعض الجنود الإسرائيليين فقتلوا اثنين وأسروا واحداً منهم. ولقد عرض الفلسطينيون تسليم ذلك الجندي إسرائيل في مقابل إطلاق سراح 95 امرأة و313 طفلاً من بين ما يقرب من عشرة آلاف عربي محتجزين في السجون الإسرائيلية، لكن إسرائيل رفضت أجراء عملية التبادل في هذه المرة وسارعت إلى الهجوم على غزة في محاولة لتحرير الجندي ووقف إطلاق الصواريخ على إسرائيل من غزة. ولقد أدى الدمار الناتج عن ذلك الهجوم إلى تسوية النزاعات التي كانت قائمة بين الفصائل الفلسطينية المتحاربة فوحدت صفوفها، هذا فضلاً عن التأييد الذي حصلت عليه تلك الفصائل في كافة أنحاء العالم العربي.

بعد ذلك قتل محاربو حزب الله في جنوب لبنان ثلاثة جنود إسرائيليين وأسروا اثنين منهم، وأصروا على انسحاب إسرائيل من المنطقة المتنازع عليها وتبادل عدد من آلاف اللبنانيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية. وفي ظل المساندة الأميركية، أمطرت القنابل والقذائف الإسرائيلية مدن لبنان. وعلى الفور تساقطت صواريخ حزب الله، التي زودته بها سوريا وإيران، على شمال إسرائيل.

مما لا شك فيه أن إسرائيل لديها الحق في الدفاع عن نفسها ضد الهجمات التي يتعرض لها مواطنوها، ولكن من غير المعقول ولا المقبول إنسانياً أن يُـعَـاقب السكان المدنيون على أمل مخالف لكل منطق في أن يُـحَـمِل هؤلاء المدنيون حماس وحزب الله المسئولية عن ذلك الدمار نتيجة استفزازهم لإسرائيل وإرغامها على الرد بهذه الوحشية المدمرة. لكن النتيجة جاءت على العكس من تلك الآمال والتوقعات، حيث فوجئت إسرائيل بتأييد عربي وعالمي واسع النطاق لهذه الجماعات، بينما اشتدت الإدانة العالمية لكل من إسرائيل والولايات المتحدة.

بعد تأخير أعلنت إسرائيل عن توقفها عن قصف لبنان لمدة يومين ـ ولو إنها لم تلتزم بإعلانها هذا ـ في استجابة للإدانة العالمية للغارة الجوية التي شنتها إسرائيل على قرية قانا، حيث قُـتِل 57 مدنياً. وقرية قانا هي نفس القرية التي قُـتَل فيها 106 من المدنيين لنفس السبب منذ عشرة أعوام. وكما حدث من قبل أعربت إسرائيل عن "أسفها العميق"، ووعدت بإجراء "تحقيق فوري"، ثم فسرت موقفها بأنها أسقطت وريقات تحذر الأسر في المنطقة وتحثهم على مغادرة منازلهم.

إن الحاجة الملحة في لبنان الآن تتلخص في وقف الهجمات الإسرائيلية وفرض القوات العسكرية النظامية اللبنانية لسيطرتها على المنطقة الجنوبية من البلاد، وتوقف حزب الله عن العمل باعتباره قوة محاربة منفصلة، وتوقف الهجمات ضد إسرائيل في المستقبل. ويتعين على إسرائيل أن تنسحب من كافة الأراضي اللبنانية، بما في ذلك مزارع شبعة، وأن تطلق سراح السجناء اللبنانيين. إلا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولميرت يرفض وقف إطلاق النار على هذا النحو.

هناك عدد من الآمال الطموحة، ولكن حتى لو تبنى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قراراً يفضي إلى مثل هذا الحل النهائي وعمل على تنفيذه، فإن هذا سيكون بمثابة ضمادة سريعة أخرى وحل مؤقت للموقف. ومن المفجع أن الصراع الحالي يشكل جزءاً من دورة متكررة محتومة من العنف الناجم عن غياب أي شكل من أشكال التسوية الشاملة لمشكلة الشرق الأوسط. ومما يزيد الطين بلة انعدام أي جهد حقيقي يهدف إلى التوصل إلى هذه الغاية طيلة الأعوام الستة الماضية، وهو ما لم يحدث من قبل.

والعجيب أن الزعامات على الجانبين تتجاهل الأغلبية القوية التي تتوق إلى السلام، الأمر الذي يسمح للعنف من جانب المتطرفين بإهدار كل الفرص لبناء الإجماع السياسي. فالإسرائيليون الذين هزتهم الصدمات يتشبثون بالأمل الزائف في أن تصبح حياتهم أكثر أمناً عن طريق الانسحاب التدريجي على نحو أحادي الجانب من المناطق المحتلة، بينما يرى الفلسطينيون أراضيهم المتبقية وقد تضاءلت إلى ما يزيد قليلاً على مساحة مقلب نفايات آدمي محاط بسياج أمني استفزازي يحرج أصدقاء إسرائيل ولا يجدي نفعاً في إحلال الأمن أو الاستقرار.

الحقيقة أن الأطر العامة لاتفاق طويل الأمد يعتمد على قيام دولتين مستقلتين، معروفة لدى الجميع.

ولن يتسنى لأي من شعوب هذه المنطقة المضطربة أن يعيش في سلام حقيقي ودائم ما دامت إسرائيل تنتهك قرارات الأمم المتحدة الرئيسية، وتخالف السياسة الأميركية الرسمية، وتمتنع عن تنفيذ "خارطة الطريق" الدولية لإحلال السلام، وذلك باحتلال الأراضي العربية وقمع الفلسطينيين. ولكن يتعين على إسرائيل احترام الحدود الرسمية لها قبل عام 1967، باستثناء التعديلات التي يتفق عليها الطرفان من خلال التفاوض،. وكما كانت الحال مع كل الإدارات الأميركية السابقة منذ تأسيس إسرائيل، فلابد وأن تك��ن قيادات حكومة الولايات المتحدة في طليعة الجهود الرامية إلى تحقيق هذه الغاية التي طال انتظارها.

من بين المعوقات الكبرى أما إحراز أي تقدم في هذا السياق تلك السياسة الغريبة التي تنتهجها الإدارة الأميركية والتي تسمح بامتداد الحوار بشأن القضايا المثيرة للجدال كمكافأة للسلوك المذعن، وتحرم كل من يرفض الإذعان لرغباتها من هذا الحوار. لكن التعامل المباشر مع منظمة التحرير الفلسطينية أو السلطة الفلسطينية والحكومة في دمشق سوف يكون أمراً ضرورياً ولا مناص منه إذا ما كانت كل الأطراف راغبة في التوصل إلى تسوية محكمة ودائمة من خلال المفاوضات. والفشل في التعامل مع القضايا المختلف عليها، ومخاطبة الزعامات المعنية بالمشكلة، من شأنه أن يؤدي إلى خلق قوس يسوده قدر أعظم من عدم الاستقرار ويمتد من القدس مروراً ببيروت ودمشق وبغداد إلى طهران.

إن شعوب الشرق الأوسط تستحق السلام والعدل، ونحن في المجتمع الدولي مدينون لهذه الشعوب بزعامتنا القوية وملتزمون تجاهها بدعمنا الفعّال.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured