Saturday, October 25, 2014
0

التحفيز التام أو الموت الزؤام

نيويورك ـ بعد أن ذبلت البراعم الخضر للانتعاش الاقتصادي والتي استشعرها العديد من الناس في هذا الربيع، أثيرت التساؤلات حول ما إذا كانت سياسة تحفيز الاقتصاد من خلال الحوافز المالية الهائلة قد فشلت في نهاية المطاف، وهل ثبت خطأ المبادئ الاقتصادية الكينزية (لصاحبها جون ماينارد كينز ) بعد خضوعها لاختبار حقيقي؟

ولكن هذا السؤال يصبح بلا معنى إلا إذا كانت السياسات الكينزية قد جربت بالفعل. الحقيقة أن ما نحتاج إليه الآن هو جرعة أخرى من الحوافز المالية. وإذا لم يحدث هذا فعلينا أن ننتظر فترة أطول يعمل الاقتصاد خلالها بأدنى من طاقته وبمصاحبة معدلات بطالة مرتفعة.

يبدو أن إدارة أوباما أصيبت بالدهشة وخيبة الأمل إزاء ارتفاع معدلات البطالة على نحو متزايد رغم حزمة التحفيز. ولكن لا ينبغي لها أن تندهش، إذ أن كل ما يحدث الآن كان متوقعاً. إن المقياس الحقيقي لنجاح التحفيز ليس المستوى الفعلي للبطالة، ولكن المستوى الذي كانت البطالة لتبلغه لولا الحوافز. كانت إدارة أوباما واضحة دوماً في أنها سوف توفر حوالي 3 ملايين فرصة عمل زيادة على فرص العمل التي كان الاقتصاد الأميركي ليحتاجها في الظروف العادية. والمشكلة هنا أن الصدمة التي تحملها الاقتصاد نتيجة للأزمة المالية كانت شديدة إلى الحد الذي جعل حتى خطة أوباما الضخمة للتحفيز غير كافية.

ولكن ثمة مشكلة أخرى: ففي الولايات المتحدة تم تخصيص حوالي الربع فقط من حزمة التحفيز التي تبلغ ثمانمائة مليار دولار أميركي للإنفاق في هذا العام، فضلاً عن ذلك فإن الإنفاق حتى على المشاريع الجاهزة للبداية على الفور كان بطيئاً إلى حد كبير. وفي الوقت نفسه، وجدت الولايات الأميركية نفسها في مواجهة عجز هائل في الإيرادات تجاوز المائتي مليار دولار. وأغلب الولايات تعمل وفقاً لمتطلبات دستورية تلزمها بإدارة ميزانيات متوازنة، وهذا يعني أن هذه الولايات باتت الآن مضطرة إما إلى زيادة الضرائب أو خفض الإنفاق ـ وهو الحافز السلبي الذي أبطل جزءاً على الأقل من الحافز الإيجابي الذي تبنته الحكومة الفيدرالية.

وفي الوقت نفسه تم تخصيص ثلث الحافز تقريباً لخفض الضرائب، وهو التدبير الذي كان من المتوقع طبقاً للسياسات الاقتصادية الكينزية أن يكون غير فعال نسبياً. ذلك أن الأسر المثقلة بأعباء الديون لم تنفق سوى قسم بسيط للغاية من الدخل الإضافي الذي عاد عليها نتيجة لخفض الضرائب بعد أن تضاءلت مدخراتها وظلت فرص العمل المتاحة أمامها هزيلة.

وفي الولايات المتحدة وغيرها كان القدر الأعظم من الانتباه مركزاً على تثبيت استقرار النظام المصرفي. وقد يكون هذا التدبير لازماً لاستعادة النمو القوي، ولكنه ليس كافياً. ذلك أن البنوك لن تبادر إلى الإقراض ما دام الاقتصاد في حالة ركود، وسوف تكون الأسر الأميركية غير راغبة بصورة خاصة في الاقتراض ـ على الأقل على النحو المسرف المبذر الذي كانت تقترض به قبل الأزمة. إن المستهلك الأميركي كان بمثابة المحرك للنمو العالمي، ولكن من المرجح الآن أن يظل متردداً في الإنفاق حتى بعد أن يتم إصلاح البنوك. وفي غضون ذلك فإن الأمر سوف يتطلب شكلاً من أشكال التحفيز من جانب الحكومة.

يشعر البعض بالانزعاج إزاء الدين الوطني الأميركي المتزايد. ولكن في حالة تطبيق حافز جديد جيد التصميم، وإنفاق القسم الأعظم من الأموال على الأصول، فسوف يصبح في الإمكان فعلياً دعم الموقف المالي والنمو المستقبلي.

من الخطأ أن ننظر إلى ديون بلد ما ونتجاهل أصوله. ولا شك أن هذا يُـعَد حجة ضد سوء تصميم عمليات إنقاذ البنوك، كتلك العملية التي تبنتها أميركا، والتي كلفت دافعي الضرائب في الولايات المتحدة مئات المليارات من الدولارات. لقد ارتفع الدين الوطني من دون أن تضيف الحكومة إلى ميزانيتها العمومية أصلاً يعادل هذه الزيادة في الدين. ولكن لا ينبغي لنا أن نخلط بين رفاهة الشركات والحوافز الكينزية.

ويخشى قِلة من المراقبين أن تؤدي هذه الجولة من الإنفاق الحكومي إلى التضخم. ولكن الانكماش يظل يمثل المشكلة الأكثر إلحاحاً، وذلك نظراً لارتفاع مستويات البطالة والقدرة الفائضة. وإذا تمكن الاقتصاد من استعادة عافيته على نحو أقوى من توقعاتي فمن الممكن إلغاء الإنفاق. والأفضل من ذلك، إذا تم تخصيص القدر الأعظم من الجولة الثانية من التحفيز لدعم عوامل الاستقرار التلقائية ـ مثل التعويض عن العجز في إيرادات الولايات ـ ثم استعاد الاقتصاد عافيته، فلن يكون للإنفاق ضرورة. وبهذا ينخفض عامل المجازفة السلبي إلى أدنى مستوياته.

ومع ذلك فهناك بعض الخوف من أن تؤدي توقعات التضخم المتنامية إلى ارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل، فتُهدَر بذلك الفوائد المترتبة على التحفيز. وهنا يتعين على السلطات النقدية أن تكون في غاية اليقظة، وأن تواصل تدخلاتها "غير المعيارية" ـ إدارة كل من أسعار الفائدة قصيرة الأجل والفائدة طويلة الأجل.

إن كل السياسات تنطوي على مجازفة. وعدم الإعداد لحزمة تحفيز ثانية الآن يعني المجازفة بإضعاف الاقتصاد ـ وعدم توفر المال عند الحاجة إليه. إن تحفيز الاقتصاد يستغرق وقتاً، كما أظهرت لنا الصعوبات التي تواجهها إدارة أوباما في إنفاق المبالغ التي تم تخصيصها بالفعل؛ والتأثير الكامل لهذه الجهود قد يستغرق نصف عام قبل أن يصبح ملموساً.

إن الاقتصاد الأضعف يعني المزيد من حالات الإفلاس وحبس الرهن العقاري وارتفاع معدلات البطالة. وحتى لو نحينا جانباً مسألة المعاناة الإنسانية، فإن هذا يعني بالتالي المزيد من المشاكل بالنسبة للنظام المالي. وكما رأينا فإن النظام المالي الأضعف يعني اقتصاداً أضعف، بل وربما الحاجة إلى المزيد من أموال الطوارئ لإنقاذه من كارثة أخرى. أما إذا حاولنا توفير المال الآن فإننا نجازف بإنفاق المزيد في وقت لاحق.

لقد أخطأت إدارة أوباما حين طلبت حافزاً أصغر مما ينبغي، وخاصة بعد تقديم التنازلات السياسية التي جعلت التحفيز أقل فعالية مما كان منتظراً. كما أخطأت الإدارة مرة ثانية في تصميم خطة إنقاذ البنوك التي قدمت أموالاً أكثر مما ينبغي مع فرض قدر ضئيل من القيود وتقديم شروط مواتية للغاية لهؤلاء الذين تسببوا في إحداث هذه الفوضى الاقتصادية في المقام الأول ـ وهي السياسة التي أدت إلى تثبيط شهية دافعي الضرائب إلى المزيد من الإنفاق.

ولكن هذه هي السياسة. والمبادئ الاقتصادية هنا واضحة: فالعالم يحتاج إلى التزام جميع البلدان الصناعية المتقدمة بجولة أخرى كبرى من الإنفاق التحفيزي الحقيقي. ولابد وأن يكون هذا واحداً من المواضيع الرئيسية التي ستناقشها قمة مجموعة العشرين المقبلة في بيتسبرغ.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured