ملبورن ـ إن التدخل العسكري الدولي في ليبيا لا يدور حول القصف من أجل الديمقراطية أو من أجل رأس العقيد معمر القذافي ـ ناهيك عن إبقاء أسعار النفط عند مستويات منخفضة أو تعظيم الأرباح. فمن النواحي القانونية والأخلاقية والسياسية والعسكرية هناك مبرر واحد لهذا التدخل: حماية الليبيين من ذلك النوع من الضرر القاتل الذي ألحقه القذافي بالمحتجين العزل قبل أربعة أسابيع؛ والذي استمر في إلحاقه بهؤلاء الذين يعارضونه في المناطق التي تسيطر عليها قواته؛ والذي وعد بإلحاقه بمعارضيه في بنغازي وغيرها من المناطق التي يسيطر عليها الثوار.
وعندما تتحقق هذه الغاية، فإن المهمة العسكرية تكون بذلك قد انتهت. أما تغيير النظام فهو أمر متروك للشعب الليبي نفسه.
ولا ينبغي أن يكون من الضروري إعادة التأكيد على هذه النقاط الأساسية وسوق الحجج التي تعززها. ولكن يبدو أن هذه هي الحال. فعلى الرغم من الجهود الحثيثة التي بذلها الرئيس الأميركي باراك أوباما، والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، وغيرهما من الذين حافظوا على تركيزهم وإصرارهم وتماسكهم بشكل مثير للإعجاب، فإن بعض الأصوات الأخرى ـ من اليمين واليسار ومن لم يعقدوا عزمهم بعد ـ تستأثر الآن بالاهتمام الإعلامي، وبدأت في هدم أو على الأقل تشويش الرسالة الأساسية.
على سبيل المثال، قال جون ماكين وجوزيف ليبرمان، عضوا مجلس الشيوخ الأميركي، إن الهدف لابد أن لا يقتصر على حماية المدنيين، بل ويمتد أيضاً إلى الإطاحة بالقذافي من السلطة. كما أشار وزير الدفاع البريطاني ليام فوكس إلى أن القذافي قد يكون مستهدفا. وعلى الجانب الآخر، عَقَد العديد من المعلقين ـ سواء بتلهف أو بشكل ساخر ـ العديد من المقارنات مع حالة العراق وغيرها من أخطاء الماضي التي ارتكبتها القوات العسكرية الغربية. ويتحدث كثيرون آخرون عن الانجرار الحتمي إلى مستنقع آخر على غرار مستنقع أفغانستان.
ولتوضيح القضايا، فإن أفضل مكان نبدأ منه هو القرارين اللذين اتخذهما مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. فقد حَمَّل القرار الأول (رقم 1970)، الذي تم تبنيه في السادس والعشرين من فبراير/شباط، السلطات الليبية المسؤولية عن حماية الشعب الليبي، وأدان العنف الذي استخدمته هذه السلطات ضد المدنيين، وطالب بوقف العنف، وسعى إلى حمل القذافي على تركيز ذهنه من خلال فرض عقوبات مستهدفة، هذا فضلاً عن فرض حظر على بيع الأسلحة لليبيا، والتهديد بمحاكمة القذافي وأعوانه بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
أما قرار المتابعة رقم 1973، والذي تم تبنيه في السابع عشر من مارس/آذار، فقد استنكر تقاعس السلطات الليبية عن الامتثال للقرار رقم 1970، وأعاد تأكيد العزم على ضمان حماية المدنيين، ودعا إلى وقف إطلاق النار فوراً والإنهاء الكامل للهجمات العنيفة والتجاوزات ضد المدنيين. ثم وللمرة الأولى على الإطلاق، أصدر المجلس تفويضاً واضحاً للدول الأعضاء بالتدخل العسكري من أجل تحقيق هذه الأهداف.
ولقد سمح القرار للعمل العسكري القسري باتخاذ هيئتين: "كل التدابير اللازمة" لفرض منطقة حظر طيران، و"كل التدابير اللازمة.. لحماية المدنيين والمناطق المأهولة بالسكان المدنيين والمهددة بالهجمات". كما استبعد القرار بصراحة إرسال قوات احتلال أجنبية إلى ليبيا.
إن اللغة المستخدمة في صياغة هذين القرارين من غير الممكن أن تكون أوضح من هذا في وصف نطاق وحدود ما ينبغي القيام به. ففي حالة فرض منطقة حظر طيران، يسمح القرار 1973 ـ بالاستعانة بالطائرات أو الصواريخ ـ بتدمير أي طائرة نفاثة أو عمودية موالية للقذافي تقلع من أي مطار، وتدمير أي بطاريات مضادة للطائرات أو مواقع إطلاق صواريخ تابعة للقذافي، وتعطيل أي مهبط للطائرات. وبالنسبة للتفويض الأوسع نطاقاً فيما يتصل بحماية المدنيين، فإن القرار يسمح بشن هجمات جوية لتدمير الدبابات أو صفوف القوات المتقدمة نحو بنغازي أو أي مدينة أخرى يسيطر عليها الثوار وتركيزات القوات داخل تلك المناطق التي تشكل تهديداً مباشراً ووشيكاً لمعارضي القذافي.
وفي كلتا الحالتين، تنشأ بعض التساؤلات على الهامش. هل يندرج ضمن نطاق منطقة حظر الطيران استهداف مراكز القيادة والسيطرة التي قد تستخدم لتوجيه الطائرات؟ وهل يكون من المشروع قتل قوات النظام التي تفر بالفعل من منطقة محمية، أو لا تشكل على نحو آخر تهديداً واضحاً أو وشيكاً للمدنيين؟ وهل ينبغي رسم خط واضح ضد أي تحرك مشروع ضد قوات القذافي ولكنه من المرجح أن يؤدي إلى تعريض أرواح الأبرياء للخطر؟
وبعيداً عن هذه التساؤلات، لا يوجد ما يستحق النقاش. ذلك أن شروط القرار 1973 الواضحة لا تسمح بأي عمل عسكري مصمم خصيصاً لقتل القذافي أو إرغامه على الخروج، أو لضمان انتصار الثوار في حرب أهلية، أو لفرض نظام حكم أكثر انفتاحاً وتجاوباً في ليبيا. ومن غير المسموح أيضاً بأي من هذا بموجب المبادئ الأخلاقية المندرجة تحت مبدأ "المسؤولية عن الحماية" الذي تم تبنيه بالإجماع بواسطة الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2005 في محاولة لإنهاء الفظائع الجماعية إلى الأبد. صحيح أن واحدة أو أكثر من هذه النتائج من المحتمل أن تقع من جراء العمل العسكري المسموح به، ولكن من غير الممكن أن تكون هدفاً له.
وتستتبع هذه المبادئ القانونية والأخلاقية أيضاً وقف الأعمال العسكرية بمجرد توافر أرضية معقولة للثقة في أن التهديد الذي يتعرض لها السكان المدنيون قد زال أو تم تحييده (كما تبدو الحال الآن إلى حد كبير، أو على الأقل في الشرق). لا شك أن المراقبة اللصيقة لابد وأن تظل قائمة، حتى يصبح في الإمكان العودة السريعة إلى التحرك بموجب القرار 1973 إذا تطلب الأمر. ولكن التحركات المحمولة جواً من البحر، من أجل تحقيق أهدف محددة بدقة، أقل عُرضة لهذا النوع من التحول التدريجي عن الهدف الأساسي للمهمة والتورط في المشاكل، والذي كثيراً ما يكتنف قوات التدخل البرية، وخاصة تلك التي تتمتع بتفويضات مربكة وغير واضحة، كما حدث في أفغانستان.
ومع تطور الموقف في ليبيا وفي منطقة الشرق الأوسط بالكامل، فمن المحتم أن يواجه صناع السياسات المزيد من المعضلات الحادة، وليس أقلها فيما يتصل بالاستجابة للقمع المتواصل في طرابلس، أو الموقف القبيح والهش في البحرين واليمن. والواقع أن حشد الإرادة السياسية عبر ثقافات مختلفة بهدف منح مبدأ المسؤولية عن الحماية أنياباً حقيقية ودائمة سوف يكون أمراً بالغ الصعوبة في كل الأحوال.
ولكن على الأقل في حالة ليبيا، تم تعيين سابقة بالغة الأهمية. فقد دوَّن مجلس الأمن النص الصحيح؛ ويتعين علينا جميعاً أن نحرص على الالتزام بهذا النص الآن.


Comments (0)
You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.
The two commenting options explained
Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.
1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.
2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.