Saturday, November 1, 2014
0

الإبحار بعيداً عن حافة هاوية اليورو

أثينا ــ إن تجدد الاضطرابات في أسواق السندات في منطقة اليورو ليؤكد على الحاجة إلى إعادة تقييم السياسات المتبعة الآن من أجل التغلب على أزمة الديون السيادية في أوروبا. والواقع أن نتائج الانتخابات الأخيرة في فرنسا واليونان، والتي عكست مزاجاً واسع النطاق مناهضاً للتقشف، لا تترك أمام أوروبا خيارات كثيرة.

لقد أنفق الاتحاد الأوروبي، والبنك المركزي الأوروبي، والمقرضون في القطاع الخاص، أكثر من تريليون يورو على مدى العامين الماضيين، ولكن منطقة اليورو لا تزال اليوم في حال ليست أفضل مما كانت عليه في خريف عام 2009، عندما تكشف النطاق الكامل للمشكلة المالية في اليونان. ومن ناحية أخرى فإن الركود يزداد عمقاً وتواصل معدلات البطالة الارتفاع في منطقة اليورو.

فضلاً عن ذلك فإن الشكوك فيما يتصل بتصميم سلطات منطقة اليورو والقوى الرئيسية، و/أو امتلاكها للكفاءة اللازمة لضمان بقاء العملة، تعمل على زيادة المخاطر الشاملة. على سبيل المثال، يدرج بنك الاستثمار الأوروبي الآن فقرة خاصة بالدراخما في اتفاقيات القروض مع الشركات اليونانية.

والآن تُنقَل نفس الرسالة بسبب المخاوف التي عبر عنها البنك المركزي الألماني مؤخراً فيما يتصل ببناء ما أطلق عليه "موازنات الهدف 2". وفي حالة تفكك منطقة اليورو، فإن هذه التوازنات سوف تتسبب في خسائر يتكبدها نظام اليورو والبنوك المركزية في الدول الأعضاء. والواقع أن العديد من البنوك المركزية في منطقة اليورو خففت وفقاً للتقارير من احتياطياتها بعملة اليورو، في محاولة للتنويع بالاستعانة بعملات غير تقليدية.

ويظل سبب أزمة اليورو وكيفية حلها موضع خلاف. ولكن الأمر الواضح هو أن العامل الرئيسي كان استمرار وجود اختلالات كبيرة في التوازن داخل منطقة اليورو ــ العجز في الحساب الجاري في الدول الواقعة على أطراف المنطقة، في مقابل الفوائض في دول القلب ــ وهو ما يرجع في الأساس إلى الفوارق في الإنتاجية والقدرة التنافسية. ولقد تم نقل المدخرات الفائضة من دول القلب إلى الدول الطرفية، الأمر الذي أدى إلى خلق الظروف المناسبة للإفراط في  الاقتراض وتراكم الديون.

لقد فضح نمو الدين نقاط الضعف الحرجة التي تعيب الدستور الاقتصادي لمنطقة اليورو: فالدول الأعضاء مسؤولة عن الديون الوطنية، ولكن العملة الموحدة غير خاضعة لكيان سيادي. وخلافاً لأغلب البنوك المركزية، فإن البنك المركزي الأوروبي لا يستطيع أن يعمل كملاذ أخير للإقراض، وهو ما أدى جنباً إلى جنب مع غياب السندات المشتركة (سندات اليورو)، إلى المضاربة على نطاق واسع على الديون الوطنية داخل أوروبا.

ويتضمن حل الأزمة حتماً العمل على الجبهتين. فلابد من التعامل مع أسباب الاختلالات المستمرة في التوازن من خلال جهد مشترك في تقليص العجز المالي وتعزيز القدرة التنافسية، في حين تركز الإصلاحات البنيوية على تحرير الأسواق وتشجيع مرونة الأجور.

ومن ناحية أخرى، بلاد من تجهيز منطقة اليورو بالأدوات اللازمة لاستعادة الاستقرار ومنع تكرار الظروف التي تؤدي إلى الأزمات. وتتضمن هذه الأجندة تعزيز مركزية الديون الأوروبية عن طريق إصدار سندات اليورو، وتعبئة القدر الكافي من أموال الإنقاذ، والسماح للبنك المركزي الأوروبي بممارسة النطاق الكامل للسلطات المصرفية المركزية، وتعزيز عملية تنسيق السياسات من أجل دعم النشاط الاقتصادي في الدول الأعضاء التي تعاني من التقشف.

ولكن هناك خلافات حادة حول مضمون وتوقيت الاستجابة السياسية. فالدول الأضعف تتقبل الحاجة إلى الإصلاحات، ولكنها تفضل أفقاً زمنياً أطول لتقليص العجز المالي من أجل تشجيع العودة إلى النمو. وهي تطالب أيضاً بتنفيذ أسرع للتغييرات الضرورية لإدارة الاقتصاد في منطقة اليورو من أجل خلق بيئة أكثر استقراراً وملاءمة لتقليص العجز المالي والإصلاح.

إن الركود المطول الذي تتخلله تكاليف مرتفعة ــ أو باهظة ــ للإقراض، يجعل تحقيق الأهداف المالية أو الإصلاح أمراً متزايد الصعوبة، إن لم يكن مستحيلا. ولا يجوز أن يقع عبء التكيف بشكل كامل على بلدان العجز ــ ما لم يشتمل الأمر على عنصر أخلاقي "للعقاب".

إن دول القلب وعلى رأسها ألمانيا لا تثق في عزم الدول المثقلة بالديون على ملاحقة أهداف الإصلاح أذا خفت حدة ظروفها المالية. وهي تعارض فضلاً عن ذلك أي تغييرات أساسية في الإدارة الاقتصادية لمنطقة اليورو.

وهي لن تفكر في إصدار سندات اليورو إلا بعد إتمام التكييف الاقتصادي والمالي الحقيقي. كما ترفض استخدام ائتمان البنك المركزي الأوروبي كبديل للتعديل، لأن هذا من شأنه أن يغذي التضخم في نهاية المطاف. وهي تشكك في استدامة الوحدة الاقتصادية والمالية ــ الذي يسمح بالتحويلات إلى الدول الأضعف ــ في غياب الوحدة السياسية التي تنطوي على خسارة السيادة.

وإذا استمرت حالة الجمود فإن أزمة الديون سوف تبلغ قريباً مستويات غير مسبوقة من الخطورة. وسوف يؤدي الركود المستمر وهجمات المضاربة المتكررة في أسواق السندات إلى منع بعض الدول المثقلة بالديون على الأقل من تحقيق أهداف التكيف، وهو ما من شأنه أن يخلق الظروف المناسبة لاندلاع أزمة سياسية داخل منطقة اليورو والدول الفردية. ولن يكون في الإمكان تأجيل القرارات الاستراتيجية فيما يتصل بمستقبل اليورو إلى ما لا نهاية.

هناك من يزعم أن الإرادة السياسية تنشأ في مثل هذه الظروف، ويصبح كل شيء على خير ما يرام. ولكن من الأفضل أن نتجنب الوصول إلى هذه المرحلة.

فمع تطور الأزمة، قد تقع أحداث يصعب على السلطات السيطرة عليها. فضلاً عن ذلك فإن بعض أوساط أوروبا ترى أن بقاء اليورو يتطلب الغربلة: بحيث تقتصر عضويته على الدول التي تتمتع ببنية اقتصادية وأداء اقتصادي متقارب، على الرغم من الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية الهائلة التي قد تنشأ عن هذا، أو الضربة القوية لنفوذ أوروبا العالمي.

ونظراً للتوازن الحالي في أوروبا، ومع الوضع في الاعتبار التقليد القديم المتمثل في التخبط في الأزمات، فإن المتطلبات التالية تمثل الحد الأدنى للابتعاد عن حافة الهاوية:

·         الالتزام بإصدار سندات اليورو في تاريخ محدد في المستقبل القريب، فضلاً عن تحريك العملية القانونية اللازمة لهذا. وهذا من شأنه أن يخفض من تكاليف الاقتراض بالنسبة للدول المثقلة بالديون وأن يدعم النشاط الاقتصادي.

·         تنفيذ مبادرة على غرار خطة مارشال لتمويل الاستثمار في الدول الأكثر ضعفا. إن تعبئة الموارد في موازنة الاتحاد الأوروبي وزيادة قدرة إقراض بنك الاستثمار الأوروبي من الأمور الكفيلة بمواجهة تأثيرات الركود الناجمة عن التقشف.

·         تخفيف أهداف تقليص العجز بالنسبة للبلدان الأشد تضرراً بالركود، وفي الوقت نفسه العمل على تخفيف السياسة النقدية بقدر ما تسمح القواعد القائمة. ويشكل ارتفاع معدل التضخم في ألمانيا جزءاً من عملية التكيف.

هناك جوقة متزايدة من الرأي العام الأوروبي والعالمي تعمل على الدفع في اتجاه تطبيق سياسات أكثر دعماً للنمو. وسوف تكون المقاومة قوية. ولكن الوقت ينفد بسرعة. وسوف تكون الأشهر القليلة المقبلة حاسمة في تقرير مستقبل منطقة اليورو.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured