نيويورك ـ مع احتفال حكومة سريلانكا بالذكرى السنوية الأولى لانتصارها التاريخي على جبهة نمور تحرير التاميل – إيلام (نمور التاميل)، فقد بات من الواضح على نحو متزايد أن الانتصار في ساحة المعركة سوف يصبح باهظ الثمن ما لم يتم الاعتراف بالمظالم المشروعة للأقليات في سريلانكا وعلاج هذه المظالم. وبسبب الفشل في التواصل المجدي مع الأقلية الناطقة بلغة التاميل، وتضييق الخناق على الأصوات المعارضة وأي نوع من المعارضة في سريلانكا، فإن الحكومة تهدر بذلك فرصة قد لا تتكرر.
ولكن لم يفت الأوان بعد بالنسبة لحكومة الرئيس ماهيندا راجاباكسا لتغيير المسار والبدء في بناء مجتمع متعدد الأعراق حقا. والواقع أن مستقبل البلاد يعتمد على هذا الموقف على وجه التحديد.
كان انتهاء الحرب الأهلية بمثابة تطور إيجابي لا لبس فيه بالنسبة لسريلانكا. فقد شن نمور التاميل حملة شرسة ضد حكومة سريلانكا طيلة القسم الأعظم من العقود الثلاثة الماضية للحصول على إقليم منفصل. وهم لم يكتفوا بقتل مسؤولين حكوميين، بل لقد قتلوا أيضاً زعماء التاميل الذين أبدوا استعدادهم لاستكشاف الحلول الوسط مع الحكومة، كما قتلوا العديد من المدنيين من كافة المجموعات العرقية.
ولقد اتُهِم نمور التاميل بمجموعة واسعة من انتهاكات حقوق الإنسان، إلى جانب عمليات القتل، بما في ذلك الاختطاف، وتجنيد الأطفال، واستخدام المدنيين كدروع بشرية. كما ارتكب الجيش السريلانكي والشرطة السريلانكية وغير ذلك من أجهزة الدولة انتهاكات جسيمة أثناء الصراع.
كانت آخر آلام احتضار الحرب الأهلية مروعة، حيث قتل نحو عشرين إلى أربعين ألف مدني (أغلبهم ينتمون إلى عرق التاميل) في غضون أشهر قليلة على أيدي القوات الحكومية ونمور التاميل. وقد لا يتسنى لنا أبداً أن نعرف عدد الضحايا على وجه الدقة أثناء المرحلة الأخيرة من الصراع، وذلك لأن الحكومة لم تسمح للمنظمات الدولية أو أجهزة الإعلام بالدخول إلى المنطقة.
كان النصر الذي أحرزه راجاباكسا في الانتخابات الرئاسية في يناير/كانون الثاني الماضي، وما تلى ذلك في شهر إبريل/نيسان من النصر الذي حققه تحالف الحرية الشعبي الموحد في الانتخابات البرلمانية، قد ضمن للرئيس ولحزبه الأغلبية. ومثل هذه الانتصارات توفر الفرصة للحكومة للتواصل مع جماعات المعارضة والأقليات من أجل بناء سريلانكا ديمقراطية وشاملة حقاً، ولكن هذا لم يحدث حتى الآن.
وبدلاً من ذلك فإن السياسات الحكومية منذ نهاية الحرب كانت تستهدف المعارضين والمنتقدين، بل وربما أرست هذه السياسات الأساس لجولة جديدة من الصراع. ولقد تعرض مرشح المعارضة الجنرال ساراث فونسيكا للمضايقات ثم اعتقل بعد الانتخابات الرئاسية مباشرة. كما احتجزت السلطات السرلانكية أكثر من 250 ألف من المدنيين التاميل في معسكرات اعتقال بعد مدة طويلة من انتهاء الأعمال العدائية ومنعتهم من ممارسة حقوقهم المدنية أو العودة إلى ديارهم. ولم يبذل أي جهد حقيقي للتواصل مع الأقلية الناطقة بلغة التاميل من أجل التوصل إلى فهم أفضل ومعالجة المخاوف المشروعة التي وجدت سبيلاً غير مشروع للتعبير من خلال نمور التاميل.
وإذا استمر هذا الاتجاه فإن سريلانكا سوف يحكم عليها بتكرار تاريخها المأساوي.
إن سريلانكا تتمتع بشعب رائع، ومنظمات تعمل في مجال المجتمع المدني بلا كلل أو ملل، ومحاكم وبينة أساسية محترمة، وموارد طبيعية وفيرة. ولكن أياً من هذه المزايا لن تؤدي إلى أمن واستقرار ورخاء البلاد في الأمد البعيد ما لم تلعب الحكومة دوراً أكثر إيجابية.
إن الخطوة الأولى في عملية الشفاء الوطنية لابد وأن تشتمل على استكشاف المظالم المشروعة للأقليات في البلاد، سواء من التاميل أو المسلمين، ومناقشة الانتهاكات التي ارتكبها نمور التاميل والحكومة أثناء الصراع. وكما كانت الحال في جنوب أفريقيا فإن هذا التوجه من الممكن أن يرسي الدعائم الأساسية لعملية مصالحة مستدامة وفعّالة.
ويتعين على الحكومة أن تنفتح بشكل أكبر وأن تستمع للأصوات المشروعة للشعب السريلانكي بمختلف انتماءاته وتقسيماته العرقية وأن تستجيب لها. وإذا لم يتم التعامل مع هذه المظالم عبر السبل المشروعة، فسوف تجد منافذ أخرى أقل صحة مع الوقت.
ويتعين على الحكومة أيضاً أن تبذل قصارى جهدها من أجل ترسيخ حكم القانون، بما في ذلك تنفيذ التعديل السابع عشر للدستور، والذي يدعو إلى إنشاء مؤسسات قضائية مستقلة، والتعديل الثالث عشر الذي ينقل السلطة إلى الأقاليم. والواقع أن التقارير الواردة عن إعداد تعديلات جديدة تهدف إلى إلغاء هذه الضمانات سوف تكون مزعجة للغاية إذا تأكدت.
يتعين على سريلانكا أن تبذل المزيد من الجهد من أجل ضمان حقوق الأقليات وحمايتها، ليس فقط لأن هذا هو الصواب، بل لأن هذا يشكل الاستثمار الأفضل للبلاد في المستقبل. والواقع أن الفرصة ما زالت سانحة لتبني هذا المستقبل، ولكن سرعان ما يفوت الأوان إذا لم تغير الحكومة مسارها على الفور.


Comments (0)
You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.
The two commenting options explained
Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.
1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.
2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.