Sunday, October 26, 2014
0

التجسس على "إله الحب والجنس"

في الآونة الأخيرة احتل الشيخ هلالي ، وهو رجل دين مسلم يقيم في سيدني، العناوين الرئيسية في وسائل الإعلام في أستراليا، وذلك بعد أن أفتى بأن المرأة المتبرجة السافرة تعرض نفسها للاغتصاب، لأنها بذلك تصبح "كاللحم المكشوف". والأكثر من ذلك أنه زعم ضمناً أن هذا كان السبب وراء سلسلة من حوادث الاغتصاب التي ارتكبتها عصابات في سيدني في العام 2000، حيث كانت الحجة الأساسية التي ساقها فريق الدفاع القانوني عن الجناة هي أنهم تصوروا أن النسوة المعتدى عليهن كن يعرض أنفسهن جنسياً، وذلك لأنهن كن يرتدين ملابس غربية.

وعلى الرغم من مبادرة الزعامات الإسلامية المحلية إلى انتقاد موقف هلالي ، إلا أن ذلك الحدث يطرح من جديد التساؤل بشأن مواقف المجتمعات التقليدية إزاء الجنس، وكيف يمكن التوفيق بينها وبين المعايير السائدة في الغرب.

في نفس الوقت، وفي الولايات المتحدة، يبدو أن الجدال بشأن تجسس الحكومة على مواطنيها قد خفت تماماً، ويرجع ذلك في أغلب الأمر إلى اقتناع الناس الآن بأن حكومتهم لن تلاحق إلا الأشخاص الأشرار حقاً.

تُـرى ما هو العامل المشترك بين هاتين القضيتين؟

إن جمع المعلومات الاستخباراتية المعقدة يتعلق إلى حد كبير بمدى فهم الميول والتوجهات المختلفة. على سبيل المثال، نستطيع أن نقول إن سرقة نسخة من تصميم قنبلة كوريا الشمالية أقل أهمية من التعرف على قدرات العلماء الذين صنعوا تلك القنبلة وحالتهم المعنوية. من المهم أن نعرف ما هو قدر الحرمان الذي قد يتحمله شعب دولة ما قبل أن يحدث تحول في الرأي العام. الحقيقة أن قياس كل هذه العوامل، كما هي الحال مع أغلب العلوم الاجتماعية، يتم على نحو غير مباشر.

يعمل محللو المعلومات الاستخباراتية على نفس النحو الذي يعمل به العلماء، فهم يضعون النظريات، ثم يعكفون على قياس واختبار هذه النظريات. وهم يشبهون العلماء أيضاً في تفضيلهم للعمل بالاستعانة بكميات ضخمة من البيانات والمعلومات، وهذا هو السبب الذي يجعل حكومة الولايات المتحدة تسعى إلى تسجيل كل مكالمة أو تحويل مالي يقوم به أي ساكن من سكان البلاد. والحقيقة أن تعقب تحركات الأفراد من خلال محدد المواقع الذي يحتوي عليه أي هاتف جوال أصبح أمر ممكن، ولابد وأن يكون هذا محل دراسة الآن من قِـبَل الحكومة.

يبحث عملاء الاستخبارات دوماً عن المؤشرات والعلاقات المتبادلة والأسباب. والحقيقة أن الأسباب هي الأصعب بين كل هذا، حين يتصل الأمر بمحاولة فهمها. على سبيل المثال، أصبح تقديم الخدمات المدنية في العراق مؤخراً يكاد يكون مستحيلاً. ويرى بعض المحللون أن فرار المثقفين والمفكرين من العراق على نحو مضطرد ربما يكون من الأسباب المهمة وراء هذا التردي الذي تعانيه الخدمات المدنية هناك. وقد يبدو هذا واضحاً إلى حد بعيد، إلا أن إخضاع هذا المسبب للقياس ليس بالأمر اليسير.

أما تفسير المؤشرات والعلاقات المتبادلة فهو أكثر سهولة. فإذا ما لاحظت على سبيل المثال أن عدداً كبيراً من المشاهدين يتركون مقاعدهم أثناء حدث رياضي، فقد تعتبر هذا إشارة إلى افتقار ذلك الحدث الرياضي إلى عنصر التشويق والإثارة.

أثناء الحرب الباردة أعدت أجهزة الاستخبارات الغربية قائمة ضخمة بالمؤشرات والعلاقات المتبادلة. على سبيل المثال، إذا ما تزايدت معدلات مرور القاطرات على خط معين، فقد يشير هذا إلى استلام الجيش لإمدادات إضافية من الأغذية، الأمر الذي قد يشير بدوره إلى عمل عسكري وشيك. وعلى نفس المنوال، يشكل ارتفاع معدلات شحن المناديل الصحية الورقية مؤشراً دقيقاً إلى حد مذهل فيما يتصل بالأنشطة العسكرية. وبمجرد أن أدرك السوفييت هذه الحقيقة شرعوا في إرسال شحنات زائفة إلى أماكن مختلفة من البلاد ووفقاً لجداول عشوائية، الأمر الذي أحدث عجزاً كبيراً في الإمدادات لدى السكان المدنيين.

وكما تبين، ثمة وسيلة أخرى مفيدة إلى حد كبير لفهم ما يجري داخل مجتمع ما، وتتلخص هذه الوسيلة في التعرف على نمط المواد الإباحية التي يتداولها ذلك المجتمع، علاوة على كيفية إنتاج هذه المواد الإباحية وتسليمها إلى مستهلكيها. أجل، إنها الحقيقة. فالجواسيس في كل مكان يبدون اهتماماً كبيراً بالتعرف على السلوكيات المتصلة بالجنس.

من بين الأسباب وراء ذلك أن الأدب الإباحي محظور في المجتمعات التقليدية المحافظة، وعلى هذا فإن قنوات التوزيع التي تفتحها المواد الجنسية تستخدم عادة لتسليم سلع أخرى أيضاً. وفي العالم الإسلامي هناك تدفق ضخم وعلى قدر كبير من الأهمية للمواد الإباحية. وطبقاً لإحدى الروايات، التي قد لا يكون لها أساس من الصحة، فإن التخطيط للثورة الإسلامية في إيران أثناء فترة السبعينيات كان يتم باستخدام مواد تسلم عبر القنوات المرتبطة بالأدب الإباحي، وذلك لأن المساجد كانت خاضعة لرقابة مشددة.

ولكن ثمة ميول أخرى يشير إليها المحتوى الإباحي، وقد يكون التعرف على هذه الميول مفيداً إلى حد كبير بالنسبة للجواسيس. فالأفلام المنتجة بغرض تحقيق الإشباع الجنسي للمستهلكين تكشف عن معايير ثقافية تغلب عليها القيود، وتجاوز القوانين، والشعور بالغربة. والحقيقة أن الأدب الإباحي مصمم خصيصاً لإرضاء أذواق المستهلكين إلى الحد الذي يجعل أي تحول في هذه الأذواق بمثابة إشارة فورية إلى حدوث تغيرات في المجتمع.

من المثير للاهتمام أن العديد من مروجي الأدب الإباحي تصوروا في البداية إن إنتاج أفلام فيديو ذات جودة عالية من شأنه أن يزيد من رغبة الناس في الحصول على منتجاتهم. إلا أنه على ما يبدو أن القيم الإنتاجية المرتفعة كانت أقل شعبية في الواقع. وعلى هذا فقد تبنى المروجون لذلك الأدب أسلوباً أكثر "تواضعاً". ويبدو أن جزءاً من الجاذبية الفجة التي يتسم بها الأدب الإباحي يكمن في فجاجة المنتج ذاته وعدم شرعيته.

إلا أن الأذواق تتباين وتتفاوت إلى حد كبير. فالأدب الإباحي الياباني الذي يصور فتيات المدارس كثيراً ما يلقى رواجاً كبيراً. وكان الأدب الإباحي المصري قبل جمال عبد الناصر يدور حول الحسناوات من أهل البلاد واستراق النظر، أما الآن فقد ��صبح التركيز على الشقراوات ذوات البشرة الفاتحة من النساء، مع استخدام فكرة ممارسة الجنس قهراً في بعض المواد. وربما كان الشيخ هلالي ، المصري المولد، يعبر عن شعور كامن بالغربة والاختلاف، متصوراً أنه صاحب بصيرة نافذة.

هذا يعني أن التلاعب على نحو أخرق غير بارع بمحتوى الأدب الإباحي قد يحقق مصلحة وطنية ما في ظل ظروف معينة. وقد لا يستطيع أي شخص مطلع على مثل هذه الأنشطة أن يعلق عليها، إلا أن إحدى القصص المتداولة في المجتمع البحثي تنطوي على محاولات للتركيز على الواقي الذكري في المحتوى الإباحي المقدم في أفريقيا، كجزء من جهود مكافحة انتشار مرض الإيدز.

وفي النهاية، هناك السوق الكبرى لكل شيء: ألا وهي الولايات المتحدة، حيث تقدر بعض الجهات أن عائدات الأدب الإباحي في العام 2004، تجاوزت مجموع عائدات شبكات "ايه بي سي" ( ABC )، و"سي بي سي" ( CBS )، و"ان بي سي" ( NBC ) التلفزيونية بعدة مليارات من الدولارات. ولا ينبغي لنا أن نندهش إذا ما حاول شخص ما أن يستعين بمحتوى الأدب الإباحي في استغلال النزعات الثقافية السائدة بين الأميركيين لصالح منتجات أخرى، أو قضايا، أو حتى مرشحين سياسيين.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured