Saturday, October 25, 2014
0

عندما تعتذر الدول

باريس ان ابداء الاسف على المستوى الوطني يتصدر نشرات الاخبار مرة اخرى بعد ان تكرر ذلك بشكل غير عادي في السنوات الاخيرة . لقد قام رئيس الوزراء الاسترالي السابق كيفن رود سنة 2008 بالاعتذار لسكان استراليا الاصليين بينما قامت الملكة اليزابيث الثانية بابداء اسفها العميق وبشكل مؤثر خلال زيارتها الاخيرة لايرلندا قبل عدة اشهر والان كرر الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي خلال زياره اجراها مؤخرا للقوقاز نصيحته للاتراك باظهار اسفهم على المجازر التي ارتكبت بحق الارمن على يد النظام العثماني في اواخر ايامه سنة 1915.

بالطبع سوف يتفاجىء ساركوزي عندما يتم اخباره بإن المنطق نفسه يقتضي اعلان للاسف من قبل الدولة الفرنسية للجزائر ناهيك عن الجنود الجزائريين والذين قاتلوا تحت الراية الفرنسية والذين يطلق عليهم اسم " الحركى " حيث تم ترك العديد من هولاء لمصير مريع عندما غادرت فرنسا الجزائر بسرعة . أما بالنسبة لاولئك الذين نجوا وعبروا البحر الابيض المتوسط فلقد قامت فرنسا بالقاءهم في اماكن معزولة "جيتو" تعاني من نقص في الخدمات.

بالنسبة للعديد من القادة والمحللين السياسيين فإن ابداء الاسف هو شكل مفرط وغير موفق من اشكال الحساسية فهم يقولون ان التاريخ قاسي واذا بدأ المرء بالاعتذار فإين ينتهي ؟ فهل يجب الاعتذار عن الحروب الصليبية وعن تدمير المدن الالمانية من قبل جيوش الملك لويس الرابع عشر في القرن السابع عشر ناهيك عن جيوش نابليون ؟ وهل النتيجة ستكون بكل بساطة هو تحويل التاريخ الى حلقة دائمة من ابداء الندم ؟

لكن في عصر العولمة والذي يدعو الى الشفافية والترابط فإن ابداء الاسف يمكن ان يكون اداة للحكم الرشيد. ان اي بلد يرفع غطاء الخرافة واللامبالاة والذي كانت يخفي وراءه الجوانب السلبية لماضي ذلك البلد هو في وضع افضل وهذا الوضع يؤهله لادارة نفسه واستيعاب الاخرين .

ان اليابان لم تتعلم مطلقا كيف تتفاعل مع جيرانها الاسيويين بالطريقة التي تعلمت بها المانيا بعد الحرب العالمية الثانية كيفية التعامل مع شركاءها الاوروبيين المستقبليين وهذا يعود في جزء منه الى ان اعتذارات اليابان بدت رسمية ولم تأتي من القلب .ان الاتحاد الاوروبي موجود ( بالرغم من صعوباته الحالية) لإن المانيا طلبت السماح والمانيا اليوم قادرة على النأي بنفسها – بالرغم من موقعها الهامشي- عن الحكومة الاسرائيلية الحالية لان الالمان قاموا بمواجهة ماضيهم بشكل كامل مقارنة بالعديد من جيرانهم .

ان طلب السماح يؤهل المرء ان يتكلم مع " الاخر" بدون غموض مع حرية تعبير كافية للتعبير عن الحقيقة وفي واقع الامر قام الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك بالظفر بمكان له في التاريخ الفرنسي وذلك عن طريق الاقرار بمسؤولية فرنسا عن الجرائم المرتكبة من قبل حكومة فيشي العميلة ضد المواطنين اليهود خلال الاحتلال النازي . ان القصة الخيالية التي اشاعها الجنرال شارل ديجول وتبناها فرانسوا ميتران بإن " فيشي لم تكن فرنسا " قد تم دحضها اخيرا.

هل يتحلى الرئيس الفرنسي بالشجاعة الكافية للاعتذار للجزائر والحركى ؟ بالطبع فإن الجرائم الفرنسية خلال حرب الاستقلال الجزائرية لا تشبه جرائم المانيا النازية من حيث الحجم والدافع . ان بالامكان القول ان فرنسا كانت تسعى لسعادة الجزائريين وليس فقط لعظمة فرنسا ولكن كان الفرنسيون هم من قام بتعريف " السعادة " بدون التشاور مع الجزائريين ناهيك عن موافقتهم .

واليوم وبينما تقوم فرنسا بالانخراط مع القوى التقدمية " للربيع العربي "- سياسيا ان لم يكن عسكريا كما في الحالة الليبية – فهل يمكنها الاستمرار في تبني هذا الموقف الذي ينطوي على النفاق فيما يتعلق بالجزائر بحيث تدفع ثمنا باهظا من مصداقيتها من اجل الاستمرار في صمتها المتعلق بالماضي ؟ بالنسبة لطلب السماح فإن الطرف الاقوى يجب ان يعتذر اولا والديمقراطية هي عنصر ضروري من تلك القوة لانها توفر تربة خصبة لتعليم الامانة التاريخية.

بالطبع يجب على المرء ان لا يغرق بالكثير من الاوهام فالحكومة الجزائرية الحالية سعيدة بادانة فرنسا وربما سوف تستمر في عمل ذلك بغض النظر عن اي شيء يمكن ان تفعله او تقوله القوة الاستعمارية السابقة.

لكن هذا يجب ان لا يشكل حجة لعدم عمل اي شيء ففي يوليو 2012 سوف تقوم فرنسا والجزائر باحياء الذكرى الخمسين لولادة الجمهورية الجزائرية .ان هذه المناسبة تأتي مباشرة بعد الانتخابات الفرنسية الرئاسية مما يتيح فرصة مثالية لساركوزي او خليفته من اجل تقديم شكل من اشكال الاسف الرمزي. ان مثل هذه البادرة سوف تقوي فرنسا خارجيا وفيما يختص بمشاعر مواطنيها ذوي الاصول الجزائرية علما ان الصعوبات التي واجهتهم في التعامل مع هويتهم الثنائية قد جعلت بعضهم يتحول الى الاسلام الاصولي.

ان ابداء الاسف هو ليس اشارة على الضعف بل على العكس من ذلك فهو شكل من اشكال القوة الهادئة والواعية – وشرط مسبق للحكم الرشيد والواقعي.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured