WEEKLY SERIES

THOUGHT LEADERS

GLOBAL PERSPECTIVES

INTERNATIONAL INSIGHT

MIND AND MATTER

SPECIAL SERIES

PROJECT SYNDICATE

الانهيار في 2008

جورج سوروس

English Spanish French German Chinese Arabic
2009-01-28

منذ ثلاثينيات القرن العشرين كانت السلطات تسارع إلى الإنقاذ كلما وصل العالم إلى حافة الانهيار المالي. وهذا ما توقعت حدوثه في عام 2008، إلا أنه لم يحدث. ففي الخامس عشر من سبتمبر/أيلول 2008، سمحت السلطات بانهيار مؤسسة ليمان براذرز. وفي غضون أيام كان النظام المالي بالكامل يعاني من حالة أشبه بالسكتة القلبية، وكان لابد من توصيله بمعدات اصطناعية لدعم الحياة. وكان الأثر المترتب على ذلك بالنسبة للاقتصاد العالمي يعادل انهيار النظام المصرفي أثناء فترة الكساد الأعظم (الأزمة الاقتصادية العظمى أثناء ثلاثينيات القرن العشرين)، ومع ذلك فإن العالم لم يستشعر بعد الأثر الكامل لهذه الصدمة.

رغم أن حدة الأزمة المالية تجاوزت كل توقعاتي إلا أنني أدركت منذ البداية أننا نتعامل مع أمر أعظم كثيراً من أزمة الرهن العقاري الثانوي أو فقاعة الإسكان: حيث بلغنا نقطة الانقلاب أو التحول في عملية التوسع الائتماني التي بدأت بعد الحرب العالمية الثانية ثم تحولت إلى فقاعة هائلة الحجم أثناء ثمانينيات القرن العشرين. والحقيقة أن إدراك هذه النقطة يشكل شرطاً أساسياً لفهم ما نحن فيه الآن والتعرف على السياسات التي ينبغي علينا أن نتبناها.

الأثر المترتب على انهيار ليمان براذرز

كان إفلاس ليمان براذرز بمثابة التغيير لقواعد اللعبة، وكانت العواقب مأساوية. فقد ارتفعت أسعار وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان (أحد مشتقات الائتمان) إلى عنان السماء، وكانت مؤسسة أميركان إنترناشيونال جروب (AIG) الحائزة على حصة ضخمة من البيع المكشوف في هذه الوثائق تواجه خطر التوقف عن السداد. وفي اليوم التالي اضطر هنري بولسون وزير خزانة الولايات المتحدة إلى مناقضة نفسه والمسارعة إلى إنقاذ مؤسسة أميركان انترناشيونال جروب.

ولكن الأمر لم يتوقف عند ذلك الحد من السوء. فقد كانت مؤسسة ليمان براذرز واحدة من أهم صناع سوق الأوراق التجارية والمصدرين لهذه الأوراق. وكانت أسهم ليمان مملوكة لأحد صناديق سوق المال المستقلة، ولأن مؤسسة ليمان لم تكن تمتلك احتياطيات ضخمة تلجأ إليها وقت الحاجة فقد بدأت في التوقف عن معاودة شراء أسهمها بسعر الإصدار. ولقد أدى هذا إلى إثارة حالة من الذعر بين المودعين، وبحلول الثامن عشر من سبتمبر/أيلول كان التزاحم على صناديق سوق المال لاسترداد الودائع على قدم وساق. ثم انتشر الذعر إلى سوق الأوراق المالية، واضطر بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى تقديم الضمانات لكل صناديق سوق المال، فتوقف البيع على المكشوف للأوراق المالية، وأعلنت وزارة الخزانة عن خطة إنقاذ للنظام المصرفي بلغت قيمتها سبعمائة مليار دولار. ولقد نتج عن ذلك بعض الارتياح المؤقت في سوق الأوراق المالية.

ولكن حزمة الإنقاذ التي اعتمدها بولسون (السبعمائة مليار دولار) لم يتم التخطيط لها على النحو اللائق، أو بعبارة أصح، لم يتم التخطيط لها على الإطلاق. والعجيب في الأمر أن وزير الخزانة لم يكن مستعداً ببساطة للتعامل مع العواقب المترتبة على قراره بالسماح بانهيار ليمان براذرز. وحين انهار النظام المالي، هُـرِع إلى الكونجرس بدون أي فكرة واضحة عن الكيفية التي يعتزم بها استخدام الأموال التي طلبها. ولم يكن لديه سوى فكرة بدائية عن ترتيب شيء أشبه بالشركة الحكومية التي أنشئت لإدارة الأصول (Resolution Trust Corporation) أثناء فترة الثمانينيات، وهي الشركة التي استحوذت على أصول مؤسسات الادخار والإقراض المفلسة ثم تخلصت منها في النهاية.

وعلى هذا فقد طالب بولسون بالتكتم التام، بما في ذلك الحصانة ضد أي طعن قانوني. ولم يكن من العجيب أن يرفض الكونجرس تلبية ذلك الطلب. فقد تعالت الأصوات ـ ومنها صوتي ـ التي احتجت بأن الوجه الأفضل لإنفاق المال سوف يكون في ضخ حصص الملكية إلى البنوك بدلاً من انتزاع الأصول السامة من بين أيديها. وفي النهاية أدرك بولسون الفكرة، إلا أنه لم ينفذها على النحو اللائق.

واستمرت الأوضاع في النظام المالي في التدهور، فأشرفت سوق الأوراق التجارية على الإغلاق، وارتفع سعر إنتربنك لندن (LIBOR)، واتسعت الفجوة بين أسعار التبادل، وارتفعت أسعار وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان إلى عنان السماء، وعجزت البنوك الاستثمارية وغيرها من المؤسسات المالية عن الحصول على قروض الائتمان لليلة واحدة أو قروض الائتمان قصيرة الأجل بسبب عدم قدرتها على الاستعانة ببنك الاحتياطي الفيدرالي مباشرة. وبات لزاماً على بنك الاحتياطي الفيدرالي أن يمد حبال الإنقاذ الواحد بعد الآخر. وفي هذا الجو عقد صندوق النقد الدولي اجتماعه السنوي في واشنطن بداية من الحادي عشر من أكتوبر/تشرين الأول. ولقد غادر زعماء الاتحاد الأوروبي الاجتماع في وقت مبكر ثم التقوا في اليوم التالي في باريس، حيث قرروا توفير الضمانات الفعلية اللازمة لمنع انهيار أي مؤسسة مالية أوروبية. ولكنهم عجزوا عن الاتفاق على القيام بهذه المهمة على نطاق أوروبا بالكامل، لذا فقد وضعت كل دولة ترتيباتها الخاصة. وسرعان ما حذت الولايات المتحدة حذو الاتحاد الأوروبي.

كان لهذه الترتيبات أثراً جانبياً سلبياً غير مقصود: فقد تسببت في فرض ضغوط إضافية على البلدان التي كانت غير قادرة على توفير ضمانات مماثلة تستطيع مؤسساتها المالية أن تعول عليها. وكانت أيسلندا قد بلغت مرحلة الانهيار بالفعل. وأصبح أضخم بنوك المجر عُرضة لهجمات المضاربين، وسجلت أسواق العملات والسندات الحكومية في المجر وغيرها من بلدان أوروبا الشرقية هبوطاً حاداً. وحدث نفس الشيء في البرازيل والمكسيك وأسواق النمور الآسيوية، ولدرجة أقل في تركيا وجنوب أفريقيا والصين والهند وأستراليا ونيوزيلندا. وهبط اليورو وارتفع الين إلى عنان السماء. واكتسب الدولار بعض القوة استناداً إلى ثِقَله التجاري. وجفت مصادر الائتمان في بلدان الأسواق الثانوية. وأسقطت تحركات العملة المتقلبة بعض الضحايا. وفي البرازيل أصبح كبار المصدرين معتادين على بيع الخيارات في مقابل عملتهم المتواصلة الارتفاع، والآن أفلس هؤلاء المصدرون، الأمر الذي أدى إلى التعجيل بحدوث انهيار محلي مصغر.

كان لكل هذه الاضطرابات مجتمعة تأثير هائل على سلوك ومواقف المستهلكين والشركات والمؤسسات المالية في مختلف أنحاء العالم. كان النظام المالي في أزمة منذ أغسطس/آب 2007، ولكن جماهير الناس لم تكد تلحظ ذلك، واستمر العمل كالمعتاد باستثناء بعض الحالات. ولكن كل ذلك تغير في الأسابيع التي تلت الخامس عشر من سبتمبر/أيلول 2008. فغاص الاقتصاد العالمي كالحجر في الماء. وبات ذلك واضحاً حين بدأت إحصائيات شهري أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني في الظهور. وكان التأثير على الثروات هائلاً. فخسرت صناديق معاشات التقاعد وأوقاف الجامعات والمؤسسات الخيرية ما بين 20% إلى 40% من أصولها في غضون بضعة أشهر ـ وكان ذلك قبل الكشف عن فضيحة صندوق وقاء مادوف الذي خسر خمسين مليار دولار. ومنذ ذلك الوقت انتشر بين الناس إدراك ذاتي التعزيز بأننا أصبحنا في مواجهة حالة عميقة ومطولة من الركود الذي قد يتحول إلى كساد.

من يستحق اللوم؟

كانت استجابة بنك الاحتياطي الفيدرالي لهذه الأزمة قوية، فقد سارع إل تخفيض سعر الفائدة الرئيسي إلى الصفر تقريباً في شهر ديسمبر/كانون الأول، وشرع في تقديم تيسيرات كمية. والآن تستعد إدارة أوباما لتطبيق خطة تحفيز مالية تمتد لعامين وتبلغ قيمتها ثمانمائة مليار دولار، وغير ذلك من التدابير الجذرية.

كانت الاستجابات الدولية أكثر فتوراً. فقد وافق صندوق النقد الدولي على إنشاء مرفق جديد يسمح لبلدان الأسواق الثانوية التي تتمتع بظروف مالية سليمة باقتراض ما يصل إلى خمسة أمثال حصتها من دون شروط إضافية. ولكن المبالغ كانت ضئيلة، وظلت احتمالات وصمة العار قائمة. ونتيجة لهذا فقد ظل المرفق الجديد بلا استخدام. وفتح بنك الاحتياطي الفيدرالي خيوط المقايضة مع المكسيك والبرازيل وكوريا وسنغافورة. ولكن جان كلود تريشيه، رئيس البنك المركزي الأوروبي، شَنَّ هجوماً حاداً على انعدام المسؤولية المالية، وظلت ألمانيا على معارضتها الصلبة للإفراط في خلق الأموال التي قد ترسي الأساس للضغوط التضخمية في المستقبل. وبفعل هذه المواقف المتباينة أصبح التحرك الدولي المنسق أمراً بالغ الصعوبة. بل وربما أدت تلك المواقف أيضاً إلى تقويض وحدة اليورو وإحداث تقلبات كبيرة في أسعار الصرف.

حين نستعرض الأمر الآن فسوف نجد أن إفلاس ليمان براذرز كان أشبه بانهيار البنوك في ثلاثينيات القرن العشرين. ولكن كيف سُـمِح لأمر كهذا بالحدوث؟ إن المسؤولية تقع على عاتق السلطات المالية، وأولها وزارة الخزانة وبنك الاحتياطي الفيدرالي، التي زعمت أنها كانت تفتقر إلى السلطة القانونية اللازمة للتدخل. ولكنها في الحقيقة حجة واهية. ففي الطوارئ كان بوسع هذه السلطات، بل كان ينبغي عليها، أن تفعل كل ما هو ضروري لمنع النظام من الانهيار، كما فعلت في مناسبات أخرى. الحقيقة الواضحة إذن أنها تعمدت السماح لذلك بالحدوث. ولكن لماذا؟

أريد هنا أن أميز بين بولسون وبين رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي بن برنانكي. كان بولسون مسؤولاً، لأن ليمان براذرز، وهو بنك استثماري، لم يكن واقعاً ضمن نطاق اختصاص بنك الاحتياطي الفيدرالي. وفي اعتقادي أن بولسون كان كارهاً لفكرة اللجوء إلى استخدام أموال دافعي الضرائب لأنه كان يدرك أن ذلك لابد وأن يترتب عليه زيادة سيطرة الحكومة. وبما أنه من المتعصبين للسوق فقد كان على اقتناع تام بأن نفس الأساليب والأدوات التي أوقعت السوق في المتاعب من الممكن استخدامها لإخراجها منها. ولقد قاده ذلك الاقتناع إلى وضع خطته المجهضة لإنشاء ما أطلق عليه أدوات الاستثمار الخاصة الفائقة للاستحواذ على أدوات الاستثمار الخاصة الفاشلة. وكان يؤيد المبدأ الذي يؤكد أن الأسواق لديها قدرة أعظم على التأقلم مقارنة بأي مشارك فرد. وما دام إفلاس ليمان براذرز قد حدث بعد ستة أشهر من أزمة بير شتيرنز، فلابد أنه تصور أن الأسواق أصبح لديها القدر الكافي من الانتباه اللازم لإعداد العدة للتعامل مع فشل ليمان براذرز. ولهذا السبب لم يكن لديه خطة بديلة حين انهارت الأسواق.

كان بيرنانكي أقل تمسكا بالإيديولوجيات. فبحكم خلفيته الأكاديمية لم يكن مستعداً حين فاجأه انهيار الفقاعة الخارقة. فقد أكد أن فقاعة الإسكان كانت تشكل ظاهرة منفصلة ربما تؤدي إلى خسائر قد تصل إلى مائة مليار دولار، وهي خسارة يمكن استيعابها بسهولة. إلا أنه لم يدرك أن نظرية التوازن كانت معيبة على نحو جوهري، ولهذا فلم يكن بوسعه أن يتوقع أن الأساليب والأدوات العديدة، القائمة على افتراض زائف بأن الأسعار تنحرف عن التوازن النظري على نحو عشوائي، سوف تسقط الواحد تلو الآخر في غضون مدة زمنية قصيرة. ولكنه كان سريع التعلم، فحين أدرك ما كان يحدث من حوله سارع إلى تخفيض أسعار الفائدة بصورة جذرية، في شهر يناير/كانون الثاني 2008 أولاً، ثم مرة أخرى في ديسمبر/كانون الأول. ولكن من المؤسف أن عملية التعلم لديه بدأت متأخرة أكثر مما ينبغي، وكانت متخلفة دوماً عن الأحداث المتسارعة. وبهذا خرج الموقف عن نطاق السيطرة.

مشتقات سامة

على مستوى أكثر عمقاً، لعبت وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان دوراً حاسماً في مصرع ليمان براذرز. الحقيقة أن تفسيري للأمر مثير للجدال، والخطوات الثلاث التي تتألف منها حجتي سوف تأخذ القارئ إلى ميادين غير مألوفة. أولاً، هناك قدر من التباين في عامل المجازفة: والذي يتلخص في نسبة المكافأة بين الحيازة طويلة الأجل أو الحيازة قصيرة الأجل في سوق الأوراق المالية. (الحيازة طويلة الأجل تعني امتلاك سهم ما، والحيازة قصيرة الأجل تعني بيع المرء لسهم لا يمتلكه). تحمل الحيازة طويلة الأجل في طياتها احتمالات غير محدودة في الاتجاه الصاعد، ولكنها عُـرضة للجانب الهابط بصورة محدودة. أما الحيازة قصيرة الأجل فهي على العكس من ذلك تماماً. وهنا يتجلى التباين على النحو التالي: تؤدي الخسارة في حالة الحيازة طويلة الأجل إلى تقليص تعرض الحائز للمجازفة، بينما تؤدي الخسارة في حالة الحيازة قصيرة الأجل إلى تعظيم عامل المجازفة. ونتيجة لهذا فبوسع الحائز أن يكون أكثر صبراً إذا كانت حيازته طويلة الأجل ليست سليمة، على النقيض تماماً من صاحب الحيازة قصيرة الأجل غير السليمة. ويخدم التباين هنا كوسيلة لتثبيط رغبة الحائز في بيع ما لا يمتلكه من الأسهم (البيع على المكشوف).

ثانياً، توفر سوق وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان وسيلة مريحة لبيع السندات على المكشوف، مع عمل نسبة المجازفة إلى المكافأة الناتجة عن التباين في الاتجاه المعاكس: بيع السندات على المكشوف بشراء وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان يؤدي إلى مجازفة محدودة ولكن احتمالات ربح غير محدودة، في حين يعرض بيع وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان أرباحاً محدودة ولكنه ينطوي في الوقت نفسه على قدر غير محدود من المجازفة. وهذا النوع من التباين يشجع المضاربين على جانب البيع على المكشوف، وهو ما يفرض بالتالي ضغوطاً نحو الهبوط على السندات المعنية. وحين يكون من المتوقع حدوث تطور معاكس، فإن التأثير السلبي قد يصبح مربكاً إلى حد كبير، وذلك لأن تسعير وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان يميل إلى اعتبارها نوعاً من التعهد وليس باعتبارها خيارات: والناس يشترونها ليس لأنهم يتوقعون عجزاً عن السداد في النهاية، ولكن لأنهم يتوقعون ارتفاع قيمة وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان أثناء مدة العقد. ولا يمكن لأي نوع من الشراء في سوق ثم البيع في أخرى بغرض الاستفادة من فرق الأسعار أن يصحح من حالات إساءة التسعير. ونستطيع أن نرى هذا بوضوح في حالة سندات حكومة الولايات المتحدة وسندات حكومة المملكة المتحدة: فالسعر الفعلي للسندات أعلى كثيراً من السعر الذي توحي به وثائق مقايضة العجز عن السداد. وهذا النوع من التباين من الصعب إصلاحه بالاستعانة بفرضية كفاءة السوق.

ثالثاً، تلعب ردود الفعل المنعكسة اللاإرادية دورها هنا، وهو ما يعني أن إساءة تسعير الأدوات المالية من الممكن أن تؤثر على العوامل الأساسية التي من المفترض أن تعكسها أسعار السوق. ولن نجد هذه الظاهرة أكثر وضوحاً من حالة المؤسسات المالية، التي تعتمد قدرتها على القيام بعملها إلى حد كبير على الثقة. وهذا يعني أن غارات المضاربين على المؤسسات المالية قادرة على إضفاء صفة الشرعية على نفسها، وهو ما يتناقض بصورة مباشرة مع فرضية كفاءة السوق.

إن وضع هذه الاعتبارات الثلاثة معاً يقودنا إلى استنتاج مفاده أن تدمير ليمان براذرز وأميركان انترناشيونال جروب، وغيرهما من المؤسسات المالية، كان بسبب غارات المضاربة حيث عمل بيع الأسهم على المكشوف وشراء وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان بصورة مشتركة على تضخيم وتعزيز كل منهما لتأثير الآخر. وكان بيع الأسهم على المكشوف بلا حدود ممكناً بسبب إلغاء القاعدة التي كانت لتمنع غارات المضاربة من خلال عدم السماح بالبيع على المكشوف إلا في حالة اتجاه الأسعار نحو الصعود (uptick rule)، بينما عملت سوق وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان على تيسير البيع غير المحدود للسندات. وكانت النتيجة تلك التركيبة الفتاكة التي عجزت مؤسسة أميركان انترناشيونال جروب عن فهمها، رغم أنها واحدة من أكثر شركات التأمين نجاحاً في العالم. إذ أن عملها كان يتلخص في بيع وثائق التأمين، وحين رأت خطراً حقيقياً متمثلاً في إساءة التسعير فقد سارعت إلى التأمين عليها على اعتقاد منها بأن تنويع المجازفة من شأنه أن يقلصها. وكانت تتوقع جمع ثروة ضخمة على الأمد البعيد ولكنها أصبحت على وشك الانهيار في الأمد القصير.

تساؤلات مثيرة للاهتمام

أن التفسير الذي قدمته لانهيار 2008 يطرح بعض التساؤلات المهمة.

ماذا كان ليحدث لو كان ذلك الشكل الفاضح من أشكال البيع على المكشوف والمضاربة في سوق وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان محظوراً طبقاً للقانون؟

ربما كان تفادي إفلاس ليمان براذرز بالأمر الممكن، ولكن ماذا كان ليحدث للفقاعة الخارقة؟ لا يسع المرء إلا الظن. وتخميني هو أن الفقاعة الخارقة كانت لتنكمش على نحو أبطأ كثيراً، وبنتائج أقل مأساوية، ولكن العواقب المترتبة على ذلك كانت لتستمر لمدة أطول. وكان الأمر ليصبح أشبه بتجربة اليابان مما يحدث الآن.

ما هو الدور المناسب للبيع على المكشوف؟

لا شك أن البيع على المكشوف يمنح الأسواق قدراً أعظم من العمق والاستمرارية، الأمر الذي يجعلها أكثر مرونة. ولكن البيع على المكشوف لا يخلو من المخاطر. وغارات المضاربة من الممكن أن تضفي على نفسها صفة الشرعية، ولابد من إبقائها تحت السيطرة. ولو كانت فرضية كفاءة السوق سليمة لكان هناك من الأسباب الوجيهة ما يمنع فرض القيود. والحقيقة أن قاعدة السماح بالبيع على المكشوف في حالة اتجاه الأسعار نحو الصعود فقط، أو حين يكون البيع على المكشوف مغطى بأسهم مقترضة، تشكل مقياساً عملياً مفيداً ويبدو قادراً على العمل دون أي مبررات نظرية قاطعة.

هل تخدم وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان غرضاً مفيداً؟

هنا، أتبنى وجهة نظر أكثر تطرفاً من أغلب الناس. إن وجهة النظر السائدة تزعم أن وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان لابد وأن يتم تداولها في أسواق البورصة النظامية. وأنا أعتقد أنها أدوات سامة ولا ينبغي استخدامها إلا بوصفة طبية. فمن الممكن السماح باستخدامها لضمان السندات الفعلية، ولكن نظراً لطبيعتها غير المتماثلة فلا ينبغي المضاربة بها ضد البلدان أو الشركات. ففي هذه اللحظة بالذات يتسبب تداول وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان في خلق المتاعب لليورو. إن العديد من بلدان منطقة اليورو أصبحت مثقفة بالديون وتواجه احتمالات تخفيض تصنيفها. ويفرض شراء وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان ضغوطاً إضافية على تكاليف اقتراض هذه البلدان ويحد من الفوائد المترتبة على عضوية اليورو، الأمر الذي يلقي بظلال من الشك على قدرة العملة الموحدة على الاستمرار. وهناك نقاط ضعف قائمة بذاتها في اليورو، وتتفاقم نقاط الضعف هذه بفعل سوق مقايضة العجز عن سداد الائتمان على نحو ذاتي التعزيز.

إن وثائق مقايضة العجز عن سداد الائتمان ليست الأداة المالية الاصطناعية الوحيدة التي أثبتت سميتها. فنفس الشيء ينطبق على تشريح التزامات الدين الجانبية (CDOs)، وعلى عقود التأمين على محافظ الاستثمار التي تسببت في انهيار سوق البورصة في العام 1987، وهذا على سبيل المثال لا الحصر للأدوات التي تسببت في قدر عظيم من الضرر. إن إصدار الأسهم يخضع للتنظيم الدقيق من جانب لجنة مراقبة عمليات البورصة، لماذا إذن لا يخضع إصدار المشتقات وغيرها من الأدوات الاصطناعية لنفس الرقابة؟ إن الدور الذي تلعبه ردود الفعل الانعكاسية وحالات عدم التماثل التي عرضتها لابد وأن يؤدي إلى التعجيل برفض فرضية كفاءة السوق وإعادة النظر في النظام الرقابي بالكامل.

الآن وبعد أن رأينا كيف كان التأثير الذي خلفه إفلاس ليمان براذرز على سلوك المستهلكين والشركات مماثلاً للتأثير الذي خلفه إفلاس البنوك أثناء فترة ثلاثينيات القرن العشرين، فلابد وأن ندرك أن المشاكل التي تواجه إدارة أوباما هي في الواقع أعظم من تلك التي واجهت الرئيس روزفلت. في العام 1929 بلغ إجمالي القروض غير المسددة 160% من الناتج المحلي الإجمالي، ثم ارتفع إلى 260% في العام 1932، وذلك بسبب تراكم الديون وانحدار الناتج المحلي الإجمالي. أما الآن فقد بدأ انهيار 2008 حين كان إجمالي القروض غير المسددة يعادل 365% من الناتج المحلي الإجمالي، ومن المحتم أن ترتفع النسبة إلى 500%. وهذه الحسابات لا تأخذ في اعتبارها انتشار استخدام المشتقات، وهو العامل الذي كان غائباً أثناء الثلاثينيات ولكنه الآن يعمل على تعقيد الوضع الحالي بصورة هائلة، وخاصة في سوق الإسكان. وعلى الجانب الإيجابي فنحن لدينا الآن تجربة الثلاثينيات والوصفات التي قدمها جون ماينارد كينز لنبني عليها.

ومع وضع هذه الحقيقة في الاعتبار، فسوف أقوم فيما يلي بطرح الخطوط العريضة للسياسات التي يتعين على إدارة أوباما في رأيي أن تتبناها، ثم أقوم بعد ذلك بتقييم ما قد يحمله لنا المستقبل.

إعادة طبع أي مواد منشورة بهذا الموقع بدون موافقة كتابية من بروجيكت سينديكيت Project Syndicate تعتبر مخالفة لقانون حقوق الطباعة والنشر الدولي. للحصول على تصريح برجاء الاتصال بـِ: distribution@project-syndicate.org .
English Spanish French German Chinese Arabic

You must be logged in to post or reply to a comment.
Please log in or sign up for a free account.



AUTHOR INFO

George Soros is Chairman of Soros Fund Management and of the Open Society Institute. His most recent book is The Crash of 2008.