Search
Weekly Series
Monthly Series
Thought Leaders
Global Perspectives
International Insight
Mind and Matter
Home / Commentaries / الخطأ في الحرب ضد الإرهاب
Article available in: English Spanish Russian French German Czech Chinese Arabic

الخطأ في الحرب ضد الإرهاب

by George Soros

إن إخفاق إسرائيل في إخضاع حزب الله يقيم الدليل على نقاط الضعف العديدة التي يشتمل عليها مفهوم الحرب ضد الإرهاب. ومن بين نقاط الضعف هذه أنه حتى وإن كان الإرهابيون هم المستهدفين في هذه الحرب فإن الضحايا في أغلب الأحوال من بين المدنيين الأبرياء، ومما لا شك فيه أن معاناة هؤلاء الأبرياء تعزز من قضية الإرهابيين وحجتهم.

إذا ما تحدثنا عن رد إسرائيل على هجمات حزب الله، فقد كان لديها ما يبرر مهاجمة حزب الله بغرض حماية نفسها ضد الصواريخ التي تهدد حدودها. إلا أن إسرائيل كان من الواجب عليها أن تبذل قدراً أكبر من الجهد لتقليص الأضرار المصاحبة لهجماتها. لقد كانت الخسائر بين المدنيين، والأضرار المادية التي تكبدها لبنان، سبباً في تأجيج مشاعر الغضب بين المسلمين وتهييج الرأي العام العالمي ضد إسرائيل، فضلاً عن تحويل المنتمين إلى حزب الله من معتدين إلى جماعة من أبطال المقاومة. كما زاد إضعاف لبنان من صعوبة إخضاع حزب الله وكبح جماحه.

ثمة نقطة ضعف أخرى في مفهوم الحرب ضد الإرهاب، وهي تتخلص في اعتمادها على العمل العسكري واستبعادها للسبل السياسية. كانت إسرائيل قد انسحبت من لبنان ثم من غزة بقرار أحادي الجانب، بدلاً من التفاوض من أجل التوصل إلى تسوية سياسية مع الحكومة اللبنانية والسلطة الفلسطينية. ولقد كان تعزيز قوة حزب الله وحماس من بين النتائج المباشرة لهذا الأسلوب في التعامل مع القضية. ومفهوم الحرب ضد الإرهاب يقف كحجر عثرة في الطريق أمام الاعتراف بهذه الحقيقة، وذلك لأنه يفصل بين "نحن" و"هم" وينكر أن تصرفاتنا قد تساهم بقدر كبير في صياغة سلوكهم.

نقطة الضعف الثالثة أن مفهوم الحرب ضد الإرهاب يجمع من غير تمييز بين حركات سياسية مختلفة تستخدم تكتيكات وأساليب الإرهاب. فهذا المفهوم يعجز عن التمييز بين حماس، وحزب الله، وتنظيم القاعدة أو التمرد السُـنّي وميلشيات المهدي في العراق. لكن الحقيقة أن كلاً من هذه التجليات الإرهابية تختلف تمام الاختلاف عن غيرها وتتطلب ردود أفعال واستجابات مختلفة. فلا نستطيع أن نتعامل مع منظمات مثل حماس أو حزب الله باعتبارها مجرد أهداف للحرب ضد الإرهاب، وذلك لأن هذه المنظمات لها جذور راسخة في مجتمعاتها؛ ومع ذلك فالاختلافات بين هذه المنظمات عميقة إلى حد كبير.

إذا استرجعنا أحداث الماضي فلسوف يكون من السهل أن ندرك أين اتخذت السياسة الإسرائيلية المنعطف الخطأ. فحين انتخب محمود عباس رئيساً للسلطة الفلسطينية، كان من الواجب على إسرائيل أن تخرج عن أسلوبها المعتاد سعياً إلى تقوية عباس وفريقه الإصلاحي.

حين انسحبت إسرائيل من قطاع غزة اقترح جيمس وولفنسون رئيس البنك الدولي السابق خطة تتكون من ست نقاط بالنيابة عن اللجنة الرباعية المختصة بالشرق الأوسط (روسيا، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة). وكانت الخطة تتضمن فتح معابر بين غزة والضفة الغربية، وإنشاء مطار وميناء بحري في غزة، وفتح الحدود مع مصر، ونقل ملكية الصوب الزراعية التي يتخلى عنها المستوطنون الإسرائيليين إلى أيدٍ عربية. لكن أحداً لم ينفذ أياً من النقاط الست.

ولقد ساهم ذلك في النصر الانتخابي الذي حققته حماس. أما إدارة بوش فقد حثت إسرائيل على السماح للفلسطينيين بعقد انتخابات، ثم عادت لتؤيد إسرائيل في رفضها للتعامل مع حكومة حماس. وكانت النتيجة فرض المزيد من المصاعب على الفلسطينيين.

على الرغم من كل ذلك، تمكن عباس من صياغة اتفاق مع الجناح السياسي لحركة حماس يقضي بتشكيل حكومة وحدة. إلا أن إحباط هذا الاتفاق كان سبباً في دفع الجناح العسكري لحركة حماس، والذي يُـدار من دمشق، إلى ذلك الاستفزاز الذي أسفر عن استجابة خرقاء من جانب إسرائيل ـ والتي حرضت بدورها حزب الله على ارتكاب المزيد من أعمال الاستفزاز، وفتحت جبهة ثانية. وهكذا يتسابق المتطرفون على الجانبين من أجل تدمير أي فرصة لإحراز أي تقدم على المسار السياسي.

لقد شاركت إسرائيل في هذه اللعبة، وكان للرئيس بوش حصة كبيرة في هذه السياسة المعيبة، حيث بادر بلا تمييز إلى مساندة إسرائيل. ولقد أثبتت الأحداث أن هذه السياسة لن تؤدي إلا إلى تصعيد العنف. لكن العملية تطورت إلى النقطة التي لم يعد عندها تفوق إسرائيل على الصعيد العسكري كافياً للتغلب على العواقب السلبية المترتبة على السياسات التي تنتهجها. فقد بات وجود إسرائيل الآن أكثر عرضة للخطر مما كان عليه أثناء اتفاقية أوسلو. وعلى نحو مماثل، أصبحت الولايات المتحدة أقل أماناً منذ أعلن الرئيس بوش الحرب ضد الإرهاب.

لقد آن الأوان لكي ندرك دون أدنى مجال للشك أن سياسات اليوم هدامة. ولن يتسنى لنا كسر هذه الحلقة المفرغة من العنف المتصاعد إلا بالتسوية السياسية للقضية الفلسطينية. والحقيقة أن احتمالات الدخول في مفاوضات أصبحت اليوم أفضل مما كانت عليه منذ بضعة أشهر. ولكن يتعين على إسرائيل أن تدرك أن الردع العسكري لا يكفي في حد ذاته، وأن العرب، بعد أن استعادوا كرامتهم في ساحة المعركة، أصبحوا أكثر استعداداً للتفكير في التسوية.

تزعم بعض الأصوات القوية العالية أن إسرائيل لا ينبغي لها أبداً أن تتفاوض من موقف الضعف. لكن هذه الأصوات ليست على حق. ذلك أن موقف إسرائيل من المرجح أن يزداد ضعفاً ما دامت مصرة على مسارها الحالي. وعلى نحو مشابه فقد يصبح حزب الله، بعد أن تذوق شعور النصر ولكن ليس حقيقته (وبعد تشجيع سوريا وإيران له)، أكثر تمرداً وعناداً.

ولكن هنا بالتحديد نستطيع أن نميز الفرق بين حزب الله وحماس. ذلك أن الشعب الفلسطيني يتوق إلى السلام وإلى رفع المعاناة الدائمة عنه. ويتعين على الجناح السياسي لحركة حماس ـ الذي يختلف عن جناحها العسكري ـ أن يستجيب لرغبة الشعب الفلسطيني. وما زالت الفرصة قائمة أمام إسرائيل لتشجيع قيام حكومة وحدة فلسطينية تحت قيادة عباس والتعامل معها كخطوة أولى نحو تناول أكثر توازناً للقضية. ونظراً لمدى قوة العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة، فلسوف يكون من المفيد بالنسبة لإسرائيل في سعيها إلى تحقيق أهدافها المشروعة ألا تفقد حكومة الولايات المتحدة بصيرتها بسبب انسياقها وراء مفهوم الحرب ضد الإرهاب.

جورج سوروس خبير مالي وناشط في مجال أعمال الخير، وهو مؤلف كتاب "عصر اللا عصمة: عواقب الحرب ضد الإرهاب".

إعادة طبع أي مواد منشورة بهذا الموقع بدون موافقة كتابية من بروجيكت سينديكيت Project Syndicate تعتبر مخالفة لقانون حقوق الطباعة والنشر الدولي. للحصول على تصريح برجاء الاتصال بـِ: distribution@project-syndicate.org .