5

ضرائب ذكية

أثينا/برلين ــ إن الحكومات في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي والعالم تواجه موقفاً عصيباً للغاية: حيث اضطرها عبء الديون الثقيل الملقى على كواهلها إلى تقليص العجز من خلال خفض الإنفاق والزيادات الضريبية. ولكن هذا يعوق الإنفاق الاستهلاكي المطلوب لتعزيز النشاط الاقتصادي ودفع النمو. ومع تحول المناقشة من التقشف نحو التدابير الرامية إلى تحفيز النمو، فإن تبني سياسة ضريبية أكثر ذكاءً يشكل ضرورة أساسية لإيجاد التوازن السليم.

عندما تدرس الحكومات المهمة الصعبة المتمثلة في زيادة الضرائب، فإنها تفكر عادة في ضريبة الدخل، والضرائب التجارية، وضريبة القيمة المضافة. ولكن هناك أنواع أخرى من الضرائب يمكنها جمع مبالغ كبيرة من العائدات وترك أثر أقل سلبية على الاقتصاد. وهي الضرائب التي تفرضها الحكومات بالفعل على الكهرباء والوقود الأحفوري.

وتلعب هذه الضرائب دوراً حاسماً في خفض الانبعاثات الكربونية المسببة لتغير المناخ. ولكن الأبحاث الأخيرة تُظهِر أنها من الممكن أيضاً أن تلعب دوراً مفيداً في زيادة إيرادات الحكومة بتكاليف بسيطة فيما يتصل بالنمو الاقتصادي.

إن الضرائب المفروضة على الطاقة والكربون تخلف تأثيرات سلبية أقل على الاقتصاد والاستهلاك وفرص العمل مقارنة بضريبة الدخل وضريبة القيمة المضافة. على سبيل المثال، قد تعمل زيادة الضرائب المباشرة، مثل ضريبة الدخل، على الحد من الاستهلاك بمقدار الضعف مقارنة بالضرائب على الطاقة والكربون والتي تجمع نفس القدر من العائدات.

ويُعَد الحفاظ على الاستهلاك عند أعلى مستوى ممكن أمراً بالغ الأهمية لإنعاش النشاط الاقتصادي، وهذا يعني أن تحرير المال لكي ينفقه المستهلكون لا يقل أهمية. والضرائب المفروضة على الطاقة والكربون كفيلة برفع العائدات في حين تجعل الاقتصاد في وضع أقوى يسمح له بتعزيز التعافي وإدامته. صحيح أن الضرائب التقليدية تزيد العائدات، ولكنها تفرض قدراً أعظم من المخاطر المتمثلة في احتمالات كبح النمو.

وهذا ليس السبب الوحيد الذي يجعل من التركيز بشكل أكبر على ضرائب الطاقة والكربون أمراً منطقيا. إن الإطار الحالي ف التعامل مع ضرائب الطاقة، وخاصة في أوروبا، غير قابل للاستمرار. ذلك أن المعدلات الضريبية المفروضة على أنواع الوقود المختلفة تتراوح بنسبة قد تتجاوز 50% في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يؤدي إلى خلق تشوهات كبيرة في السوق المشتركة. ولا شك أن تسوية أرض الملعب للجميع فيما يتصل بالضرائب المفروضة على الطاقة في الاتحاد الأوروبي من شأنها أن تعمل على المواءمة بين الحوافز الاقتصادية، والقضاء على سياحة خزانات الوقود التي يمارسها سائقو السيارات عبر الحدود الوطنية بحثاً عن الأسعار الأدنى، وتحسين مناخ العمل في كل الاقتصادات الأوروبية.

إن فواتير الطاقة المرتفعة، والمدفوعة بتكاليف الوقود الأحفوري، تشكل قضية سياسية كبرى في العديد من الدول في أوروبا وأماكن أخرى من العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة، حيث تحولت أسعار الطاقة للمستهلكين إلى قضية رئيسية في فترة التجهيز للانتخابات الرئاسية هذا العام. ولكن بالمقارنة بأشكال أخرى من أشكال الضريبة، فإن ضريبة الطاقة تميل إلى تحقيق الصالح العام للمستهلكين. ويمتد تأثير المكاسب المترتبة على تجنب الأثر السلبي الناجم عن الضرائب التقليدية إلى مختلف قطاعات الاقتصاد، وخاصة مع احتفاظ الأقل حظاً بمستويات أعلى من الدخل الأسري القابل للإنفاق.

أن أغلب ضرائب الطاقة والكربون تحصل بواسطة الحكومات الوطنية. ولكن في أوروبا هناك خيار آخر لزيادة الإيرادات: أو خطة مقايضة الانبعاثات للاتحاد الأوروبي. ومن حيث التأثير على الناتج المحلي الإجمالي والوظائف، فإن تكلفة زيادة الإيرادات من هذا المصدر سوف تكون أقل بنحو الثلث مقارنة بتكاليف جمع نفس القدر عن طريق ضريبة الدخل وضريبة القيمة المضافة.

ونظراً للعجز المالي في أوروبا والأثر الاقتصادي المترتب على خفضه هذا العجز، فإن هذا يشكل جائزة ضخمة محتملة. ولكن لابد أولاً من معالجة القضايا التي تعمل على كبح أسعار الكربون. ومن المؤكد أن إخراج التخصيص المفرط لتصاريح الانبعاثات الكربونية من خطة مقايضة الانبعاثات للاتحاد الأوروبي سوف يشكل أهمية بالغة.

يتعين على وزراء المالية في كل مكان أن يفكروا بقدر أعظم من الخيال والإبداع في خياراتهم المالية. والواقع أن الضرائب على الطاقة والكربون من الممكن أن تفضي إلى قدر أقل من الآلام الاقتصادية وقدر أعظم من المكاسب مقارنة بالضرائب التقليدية. وأوروبا تحتاج إلى ضبط أوضاعها المالية، وخفض الانبعاثات الكربونية، فضلاً عن استراتيجية للنمو الاقتصادي. ولابد الآن من الاعتماد بشكل أكبر على ضرائب الطاقة وخطة فعّالة لمقايضة الانبعاثات للاتحاد الأوروبي من أجل تحقيق كل هذه الغايات.

ترجمة: هند علي          Translated by: Hend Ali