Wednesday, September 17, 2014
10

إلقاء اللوم على بنك الاحتياطي الفيدرالي

فرانكفورت ــ يبدو أن منتقدي بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي وجدوا ضالتهم في الكشف المحرج عن تقييمه للمخاطر المالية في عشية الأزمة المالية. فبموجب القانون، يتعين على بنك الاحتياطي الفيدرالي أن ينشر محاضر اجتماعات اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة بعد مرور خمس سنوات عليها.

ورغم أن الأزمة الكاملة لم تتفجر إلا بعد انهيار ليمان براذرز في سبتمبر/أيلول 2008، فقد كان من الواضح بحلول صيف 2007 أن شيئاً ما بالغ الخطورة يجري في أسواق الائتمان، التي بدأت تتصرف بأساليب بالغة الغرابة. ورغم هذا فقد فشل العديد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي بوضوح في إدراك أهمية الأحداث التي كانت تتكشف أمامهم. حتى أن أحد محافظي البنك رأي أن الاحتياطي الفيدرالي لابد أن ينظر إلى ما يجري باعتباره أمراً طيباً أن تبدأ الأسواق في القلق بشأن قروض الرهن العقاري الثانوي. وزعم آخر أن إجهاد السوق في موسم الصيف هو في الأرجح مجرد انخفاض بسيط زائل.

وينتهز العديد من المنتقدين الفرصة فيعتبرون مثل هذه التصريحات دليلاً على أن بنك الاحتياطي الفيدرالي لا يتمتع بالكفاءة اللازمة، وعلى ضرورة الحد من استقلاله، أو ما هو أسوأ من ذلك. بيد أن كل هذا محض هراء. صحيح أن الأمور كان من الواجب أن تتم بشكل أفضل؛ ولكن اعتبار محافظي بنك الاحتياطي الفيدرالي المسؤولين الوحيدين عن عدم الانتباه إلى الكارثة المقبلة أمر بالغ السخف.

إن بنك الاحتياطي الفيدرالي لم يكن وحده. ففي أغسطس/آب 2007، كان قِلة من المتعاملين في السوق، وحتى أولئك الذين يتمتعون بإمكانية الوصول إلى تلال من المعلومات ومجموعة واسعة من الآراء الخبيرة، لديهم أي فكرة حقيقية عما يجري من حولهم. فمن المؤكد أن الكونجرس الأميركي كان غير مدرك لما يجري تماما؛ حيث كان أعضاؤه مشغولين بممارسة الضغوط لصالح وكالات الرهن العقاري السكني التي تدعمها الحكومة مثل فاني ماي وفريدي ماك، الأمر الذي أدى إلى تفاقم المخاطر.

وأيضا، لم يستشرف صندوق النقد الدولي المستقبل. ففي إبريل/نيسان 2007، أصدر صندوق النقد الدولي تقريره الشهير عن آفاق الاقتصاد العالمي الذي أطلق عليه مسمى "عيد الحب"، حيث أعلن أن كل المشاكل في الولايات المتحدة وغيرها من الاقتصادات المتقدمة، والتي كانت تثير قلقه لم تكن أكثر من مبالغات.

ومن قبيل التضليل فضلاً عن ذلك أن نستشهد فقط بأكثر التعليقات بعداً عن الحقيقة والتي أطلقها محافظون أفرد في سياق من المناقشة الفكرية النشطة حول السياسات. وإنه لأمر مشروع أن ننتقد صناع القرار السياسي الأفراد الذين يبدون سوء تقدير كبير، وينبغي لهذه السقطات أن تدون في سجلاتهم. ولكن هذا لا يطعن في كامل اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، ناهيك عن المؤسسة برمتها.

كما فشلت أحدث نماذج الاقتصاد الكلي لدى البنوك المركزية فشلاً ذريعا ــ إلى درجة لم تبدأ مهنة الاقتصاد الاعتراف بها إلا الآن فقط. ورغم أن بنك الاحتياطي الفيدرالي يقيم العديد من الأساليب والمؤشرات في اتخاذه لقراراته، فليس هناك أي شك في أنه كان متأثراً بشدة بالفكر السائد بين الأكاديميين ــ بما في ذلك نماذج دورة الأعمال الحقيقية المزعومة ونماذج أتباع جون ماينارد كينز الجدد ــ التي افترضت أن عمل الأسواق المالية لا تشوبه شائبة. والواقع أن مهنة الاقتصاد والبنوك المركزية الكبرى على مستوى العالم روجت لفكرة "الاعتدال العظيم" ــ كتم تقلبات الاقتصاد الكلي، بما يرجع جزئياً إلى النهج الأكثر علمية واعتماداً على النماذج، والذي يفترض أن تتبناه السلطات النقدية في وضع السياسات.

ونحن نعلم الآن أن نماذج الاقتصاد الكلي القياسية لا تضع هشاشة الأسواق المالية في الحسبان بالقدر الكافي، وأن إصلاح النماذج مع الحفاظ في الوقت نفسه على القدرة على تتبع منشأها مهمة بالغة الصوبة. وبصراحة، لو كانت النماذج تضع في الحسبان على الأقل احتمال وجود نقائص وعيوب تشوب أسواق الائتمان، فربما كان بنك الاحتياطي الفيدرالي ليولي قدراً أكبر من الاهتمام لمؤشرات أسواق الائتمان كانعكاس لظروف الأسواق المالية إجمالا، كما فعلت البنوك المركزية في بلدان الأسواق الناشئة.

أخيراً وليس آخرا، فحتى لو أدرك بنك الاحتياطي الفيدرالي المخاطر، فإنه ما كان ليصبح من السهل عليه أن يتجنب الأزمة منفردا. ذلك أن فعالية سياسة أسعار الفائدة محدودة، والعديد من المشاكل الأشد عمقاً كانت على الجانب التنظيمي.

ولم تكن معايرة الاستجابة بالمهمة السهلة. فبحلول أواخر عام 2007، على سبيل المثال، كان بنك الاحتياطي الفيدرالي ووزارة الخزانة الأميركية على الأرجح قد اطلعا بالفعل على تقرير واحد على الأقل يسوق الحجج على أن التدخل القوي في دعم قروض الرهن العقاري الثانوي هو وحده القادر على منع حدوث الكارثة. فقد كان الهدف المنشود إنقاذ النظام المالي من الاضطرار إلى التعامل مع التفكيك الآمن للصروح التعاقدية الشديدة التعقيد ــ وهو ما لم يسمح باحتمال الانهيار الشامل ــ التي شيدتها.

وكانت عملية إنقاذ كهذه لتتكلف ما يقدر بنحو 500 مليار دولار، وكانت الشركات المالية الكبرى لتصبح من بين المستفيدين الرئيسيين. ولكن هل كانت هناك أي فرصة حقيقية لمرور مثل هذا الإجراء عبر الكونجرس قبل تسيل الدماء في الشوارع؟

الواقع أن هذا المنطق على وجه التحديد هو الذي قادني إلى إعطاء توقعات مظلمة للغاية في خطاب حظي بتغطية واسعة في سنغافورة في التاسع عشر من أغسطس/آب 2008، قبل انهيار ليمان براذرز بشهر. وآنذاك زعمت أن الأمور لن تتحسن قبل أن تسوء كثيرا، وأن انهيار واحدة من أكبر الشركات المالية على مستوى العالم كان وشيكا. وكنت أستند في حجتي إلى رأيي بأن الاقتصاد العالمي كان في طريقه إلى فترة من الركود الكبير، ولقد استفدت من عملي الكمي، مع كارمن راينهارت، حول تاريخ الأزمات المالية.

لم أكن أحاول الظهور بمظهر مثير في سنغافورة. بل كنت أتصور أن كل ما ذكرته كان واضحاً بالكامل. ورغم هذا فإن تكهناتي احتلت العناوين الرئيسية في العديد من الصحف الكبرى في مختلف أنحاء العالم. ومن الواضح أن هذا كان راجعاً إلى كونها غير محل إجماع على الإطلاق، برغم تصاعد المخاوف آنذاك.

ولكن تُرى هل كانت المخاوف تتصاعد في بنك الاحتياطي الفيدرالي أيضاً في صيف 2008؟ علينا أن ننتظر إلى العام القادم لكي نتمكن من الإجابة على هذا السؤال. ولكن عندما نفعل، فلا ينبغي لنا أن إدراك أمر ما بعد حدوثه ليس كمثل توقعه.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

Hide Comments Hide Comments Read Comments (10)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedRoman Bleifer

    Situation in February 2013 on the one hand different from that in August 2008, and on the other hand is very similar. It was even worse. Central banks have practically exhausted its possibilities civilized regulate financial markets. Multibillion-dollar infusion like an act of desperation. Neither problem has not been solved by nature over the years. The necessary investments in the real sector of the economy as there was or not. The banking system is weakened. The growth of sovereign debt has significantly undermined the stability of the monetary system. Grew only speculative financial bubbles. Ahead of the inevitable collapse of the stock markets. Only in this way can happen revaluation of assets and a new system of assessment. With the global systemic crisis can not save everyone ( http://crisismir.com/analiticheskie-materialy/ekonomika/13-mirovoj-ekonomicheskij-krizis-prichiny-i-posledstviya-quo-vadis.html ). We need to develop priorities. The crisis has greatly changed the system of international division of labor.

  2. CommentedG. A. Pakela

    If bank regulators, e.g., Tim Geithner, did what they were supposed to do, banks would have never been permitted to lend money to any institution that uses that leverage to purchase securities to amp up profits. I believe that it was James Grant who asked the rhetorical question as to why a banker who gets 5% for a loan should lend money to a hedge find (like Long Term Capital Management) that is heavily levered so that it can earn spectacular double digit returns.

    Anyone with average intelligence can take on borrowing risk, particularly of the cost of failure is not commensurate with the potential returns - that would be all of those who borrowed at zero percent down and walked away from their mortgages. There is no difference between the public that took advantage of the low down payment, docless terms and the Dick Fulds, Stan O'Neals and Chuck Princes of the world that leveraged their companies into disaster, except that the latter walked away with a heck of lot more money.

    As for Dr. Rogoff's contention that financial recessions last a lot longer than ordinary recessions, it has been about three decades since the public started taking on increasing debt and borrowing against their assets to finance consumption. Eventually it had to end, but no one could predict precisely when that would happen. There is no new impetus for increased consumer demand until the supply-side of the economy starts to rev itself up and begins hiring back all of the unemployed labor that is waiting for the opportunity.

  3. CommentedFrank O'Callaghan

    All of those who were in a position of power or influence were immune from negative consequences. The poor and the middle class are paying for this mess.
    This whole system is based on inequality. It cannot be expected that such a system will act in the interests of those who have no say in it's direction.

  4. Portrait of Pingfan Hong

    CommentedPingfan Hong

    We should not blame individual Fed governors for failing to foresee the coming crisis in 2007, but we should blame the Fed as the institution for fueling the bubbles in the run up to the crisis.

  5. CommentedGeoff Robinson

    "Central banks’ state-of-the-art macroeconomic models also failed miserably"

    The problem with the Fed isn't that we know more in hindsight, which we do. It's the fatal conceit. It's not that they are incompetent, but centrally planning the price of money is impossible. It's just not possible. It causes all sorts of distortions. Not being able to see a bubble right about the burst should destroy all illusions that they can manage the economy. While failing at an impossible task is not blameworthy, not being able to see that the Fed faces an impossible task, especially in 2013, is blameworthy.

  6. Portrait of Pingfan Hong

    CommentedPingfan Hong

    Only two kinds of people have correctly predicted the financial crisis in terms of its timing and severity: perennial pessimists, and speculators, by chance.

      CommentedGeoff Robinson

      In this amount of detail they predicted the crash? https://www.youtube.com/watch?v=jj8rMwdQf6k

  7. Commentedjim bridgeman

    The issue seems to be whether the Fed is a financial institution or an economic one. If the former, then they were certainly a good deal less competent than the most advanced financial institutions. By Dec. 2006 Goldman's corporate risk managers knew that the credit markets were going to implode and by early 2007 they were actively hedging and unwinding their proprietary positions. But if the Fed is an economic (which is to say, political) institution then it can't be held to account for a failure to know what's going on in the technical financial world.

  8. Commentedarnim holzer

    I appreciate professor Rogoff's analysis and agree that hindsight always adds IQ points and clairvoyance. The most important point, however, is that our system of modified moral hazard created asymmetry in the risk / reward relationship for financial institutions at a size most investors and regulators simply did not understand. While leverage statistics and credit data were available, the degree of fraud and poor control was simply overlooked because the burden of risk was not equitably distributed. This philisophical misallocation of risk that Nassim Taleb discusses in 'Antifragile' is part of the Fed's purview and hopefully will be better understood in the future. Regulation can be dangerous but ultimately the penalty for inequitable risk/ reward is costly bail-outs. The Fed's transcripts are indeed interesting and document a snapshot applicable to a brutal moment in our financial history. I would hope that the next releases also give us insight into the Fed's deeper thought process about risk and reward and the correct balance of free financial markets and societal protection. As always, there has been a political backlash from capital hill to establish extreme measures to avoid the risk of another financial meltdown. What is most needed, however, is not sure to be anachronistic new rules but fundamental principals and thoughts that correctly weigh risks and reward for the benefit of the economy and society.

  9. Commentedlaurie gravelines

    Hindsight is never 20-20; it is revisionist-memory. Errors are diminished, insights embellished. Learning the lessons of our past remains a challenge - our hindsight still passes through the prism of our pre-conceptions and intellectual architecture. Our ability to learn lessons from our past should never be taken for granted and the danger of learning the wrong lessons should not be unheeded.

  10. CommentedAlan Marin

    As an example of how even excellent economists can get assessments wrong, Professor Rogoff could have mentioned that The Times account of his August 2008 speech included the paragraph:
    "The professor also sounded a warning over rising US inflation, which rose last month to its highest since
    1991, and criticised the Federal Reserve for having cut American interest rates too drastically. “Cutting
    interest rates is going to lead to a lot of inflation in the next few years in the United States,” he said."
    Given the lags in the effects of interest rates on output and then inflation, in retrospect the 'drastic' cut in US interest rates turned out to be a much better policy than the delayed response by other central banks.

Featured