لم يهدر رئيس وزراء اليابان الجديد شينـزو آيب الكثير من الوقت حتى أصبح له طابعه المميز، وبصورة خاصة في مجال السياسة الخارجية. فقد جاءت زيارته الرسمية إلى الصين وكوريا الجنوبية ـ الدولتان الرئيسيتان اللتان شهدت علاقات اليابان بهما تدهوراً كبيراً أثناء إدارة جونيشيرو كويزومي ـ في غضون أسبوع واحد منذ توليه المنصب، وفي وقت أزمة، حيث تجهز كوريا الشمالية لتجربة تفجير نووي تحت الأرض. والحقيقة أن اتفاق رئيس الوزراء آيب والرئيس الصيني هيو جينتاو على أن ذلك الاختبار النووي الذي تعتزم كوريا الشمالية القيام به "لا يمكن التسامح معه"، يوحي بأن هذا التوجه الفاعل الجديد قد يساعد في إقرار الأمن في قارة آسيا.
وكما أوضح آيب ، حين ألقى خطاب السياسة العامة بصفته رئيساً للوزراء في أواخر الشهر الماضي، فهو عازم على التركيز على السياسة الخارجية. ولكن على الرغم من أن تعهد آيب بما وصفه بالعلاقات ذات التوجه المستقبلي مع الصين وكوريا الجنوبية يشكل تحولاً مرغوباً عن توجهات حكومة كويزومي ، إلا أن أجندته السياسية تشير في واقع الأمر إلى الاستمرارية فيما يتصل بالتركيز المكثف على القضايا الدبلوماسية والأمنية.
وللتأكيد على "التحول نحو دبلوماسية أكثر صرامة" استشهد آيب في خطاب السياسة العامة بمبادرة اليابان إلى تقديم اقتراح إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بفرض عقوبات على كوريا الشمالية، وبنجاحها في الإشراف على التوصل إلى تبني القرار بالإجماع ـ من خلال التنسيق الدقيق مع الولايات المتحدة ودول أخرى. وفي ذات الوقت أشار آيب إلى اعتزامه دعم الدبلوماسية الرامية إلى تعزيز التضامن بين الدول الآسيوية، تأسيساً على "التحالف الياباني الأميركي من أجل العالم ومن أجل آسيا".
كما أكد آيب حرصه على تعزيز الروابط مع روسيا، ودعم التعاون مع الدول الأعضاء في اتحاد دول جنوب شرق آسيا ( ASEAN )، وتنمية الحوار الإستراتيجي مع أستراليا والهند. ومن المنتظر تحت إدارة آيب أن تسعى اليابان على نحو مماثل إلى دعم مساعدات التنمية الرسمية التي تقدمها، والبحث عن مصادر مستقرة للطاقة، ومواصلة الجهود الرامية إلى الحصول على العضوية الدائمة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
أما فيما يتصل بكوريا الشمالية من ناحية أخرى، فلسوف تكون الغلبة للاستمرارية، في ظل إعادة التأكيد من جانب آيب على المبدأ الذي يرى أن تطبيع العلاقات مع كوريا الشمالية يتطلب أولاً حل القضايا الخاصة بحالات الاختطاف ـ والتي يرجع بعضها إلى سبعينيات القرن الماضي ـ والتي تتضمن مواطنين يابانيين اختطفوا من مدن ساحلية. وفي ذات الوقت تعتزم اليابان مواصلة التزامها بالمحادثات السداسية الخاصة ببرنامج كوريا الشمالية النووي.
مما لا شك فيه إن آيب يدرك التحديات الجديدة التي يفرضها انتشار أسلحة الدمار الشامل والإرهاب، ولقد اعترف بتصاعد التوقعات، في الداخل والخارج، بشأن ضرورة تعزيز إسهام اليابان في الأمن الدولي. وفي المقام الأول من الأهمية، اقترح آيب ممارسة حق الدفاع الجماعي عن الذات طبقاً لمقتضيات كل حالة على حدة ـ وهو الحق المحظور حتى الآن بموجب الفقرة التاسعة من الدستور الياباني ـ وذلك من أجل حفظ السلام ودعم التوظيف الفعال للتحالف الياباني الأميركي. ويقول آيب إنه "يتوقع" التصديق السريع على قانون الاستفتاء اللازم لتعديل الدستور.
كما جاء اختيار آيب لهيئة العاملين معه ومساعديه ليعكس تركيزه على القضايا الدبلوماسية والأمنية. ذلك أن ياسوهيسا شيوزاكي الذي يحتل المنصب الرئيسي، سكرتير مجلس الوزراء، كان حليفاً له منذ أمد بعيد. أما وزير الخارجية تارو آسو ، على الرغم من كونه منافساً له داخل الحزب الديمقراطي الليبرالي، إلا أنه يشارك آيب أولوياته السياسية. وكان أكيو كيوما مدير عام هيئة الدفاع، التي من المتوقع أن تتحول إلى وزارة الدفاع، على قدر كبير من الفعالية فيما يتصل بمنع فوكوشيرو نوكاجا حليف آسو من ترشيح نفسه لمنصب رئيس الحزب الديمقراطي الليبرالي.
فضلاً عن ذلك فلسوف يسعى آيب إلى إعادة تنظيم مكتب رئيس الوزراء بهدف تعزيز صلاحياته للعمل كمركز للقيادة السياسية ودعم قدرته على اتخاذ القرارات السريعة أو وضع الإستراتيجيات الوطنية فيما يتصل بالقضايا الدبلوماسية والأمنية. وعلى هذا، فلسوف يكون مكتب رئيس الوزراء أشبه بالبيت الأبيض في الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي يأمل آيب أن يمكن الدولتين من التواصل والتفاهم على نحو مستمر وجدير بالثقة.
واستناداً إلى خبرته السابقة كسكرتير لمجلس الوزراء، يرغب آيب في إنشاء وتفعيل نسخة يابانية من مجلس الأمن القومي الأميركي. ولتحقيق هذه الغاية فقد بادر إلى تعيين يوريكو كويكي ، العضو السابق بمجلس الوزراء، كواحد من مساعديه الخمسة. ولسوف يكون كيوكو ناكاياما ، وهو واحد من المساعدين الأربعة الآخرين، مسئولاً عن قضية الاختطاف لا غير. فضلاً عن ذلك، وعلى الرغم من أن صلاحيات المساعدين الحالية محدودة، إلا أن آيب يخطط لتقديم تشريع يهدف إلى تعزيز صلاحيات رئيس الوزراء، بما في ذلك تعديل قانون مجلس الوزراء. وهذا من شأنه أن يمكن مساعدي رئيس الوزراء من "إصدار الأوامر والتعليمات" إلى الوزارات والهيئات الحكومية. وقد تنظر حكومة آيب أيضاً في زيادة عدد الموظفين العاملين تحت أمرة كل مساعد.
كان كل ما سبق من الأسباب التي أدت إلى تأكيد وصف إدارة آيب باعتبارها "وزارة الصقور" أو "نادي الأصدقاء". إلا أن هذه الوزارة تحتل المرتبة الثالثة من حيث التأييد الشعبي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية (63% طبقاً لمؤسسة أساهي شيمبون ( Asahi Shimbun )، و70% طبقاً لمؤسسة يوموري شيمبون ( Yomiuri Shimbun ).
هذا يعني ضمناً أن آيب يتمتع بتفويض قوي لتنفيذ السياسات التي تنتهجها حكومته. ولكن المبالغة في التوقعات، سواء على الصعيد المحلي أو الدولي، قد تؤدي إلى خيبة أمل كبرى. وإذا كان من المقدر لرئيس الوزراء آيب أن ينجح في إنشاء "الدولة الجميلة" التي وعد بها في خطاب السياسة العامة، فيتعين عليه أولاً ألا يخسر القوة الدافعة التي اكتسبها حتى الآن في ممارسة الزعامة القوية.


Comments (0)
You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.
The two commenting options explained
Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.
1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.
2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.