24

وعد "اقتصاد آبي"

طوكيو ــ كان البرنامج الذي وضعه رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي لتحقيق التعافي الاقتصادي لبلاده سبباً في ارتفاع الثقة المحلية. ولكن إلى أي مدى يستطيع "اقتصاد آبي" اجتذاب الائتمان؟

من المثير للاهتمام هنا أن إلقاء نظرة فاحصة على أداء اليابان على مدى السنوات العشر الماضية لن يقودنا إلى أسباب قوية للمشاعر الهبوطية المستمرة. فالحق أن أداء اليابان من حيث نمو الناتج عن كل عامل موظف كان طيباً للغاية منذ بداية هذا القرن. ومع تقلص قوة العمل، فإن التقدير القياسي لليابان في عام 2012 ــ أي قبل اقتصاد شينزو آبي ــ يشير إلى نمو الناتج عن كل عامل موظف بنسبة 3,08% مقارنة بالعام السابق. وهي نسبة أعلى كثيراً من نظيرتها في الولايات المتحدة، حيث كان لم يتجاوز نمو الناتج عن كل عامل موظف 0,37% في العام الماضي، وأعلى كثيراً من نظيرتها في ألمانيا، حيث تقلصت بنسبة 0,25%.

ولكن برغم هذا، وكما يستشعر العديد من اليابانيين عن حق، فإن اقتصاد آبي قادر فقط على مساعدة تعافي البلاد. إن آبي يقوم الآن بما دعا العديد من خبراء الاقتصاد (وأنا من بينهم) إلى القيام به في الولايات المتحدة وأوروبا: وضع برنامج شامل ينطوي على السياسات النقدية والمالية والبنيوية. ويشبه آبي هذا النهج بالإمساك بثلاثة أسهم ــ حيث يمكن ثني أي منهم بمفرده بسهولة، في حين يستحيل ثني الثلاثة معا.

إن محافظ بنك اليابان الجديد، هاروهيكو كورودا، يأتي حاملاً معه ثروة من الخبرات التي اكتسبها في وزارة المالية، ثم كرئيس لبنك التنمية الآسيوي. وأثناء أزمة شرق آسيا في أواخر تسعينيات القرن العشرين عاين كورودا بنفسه فشل الحجج التقليدية التي ساقتها خزانة الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي. ومن منطلق رفضه للمبادئ العتيقة التي يتبناها محافظو البنوك المركزية، فقد بذل كورودا تعهداً بعكس مسار الانكماش المزمن الذي تعاني منه اليابان، وحدد هدف التضخم بنسبة 2%.

إن الانكماش يؤدي إلى زيادة أعباء الديون الحقيقية (المعدلة وفقاً للتضخم)، فضلاً عن سعر الفائدة الحقيقي. وبرغم قلة الأدلة التي تشير إلى أهمية التغيرات الصغيرة في أسعار الفائدة الحقيقية، فإن التأثير الذي يخلفه أي انكماش معتدل على الدين الحقيقي، من عام إلى عام، قد يكون كبيرا.

وقد أدى موقف كورودا إلى إضعاف سعر صرف الين بالفعل، الأمر الذي جعل السلع اليابانية أكثر قدرة على المنافسة. ويعكس هذا ببساطة حقيقة الاعتماد المتبادل في عالم السياسة النقدية: فإذا عملت سياسة التيسير الكمي التي ينتهجها بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي على إضعاف الدولار، فيتعين على بنوك مركزية أخرى أن تستجيب لمنع ارتفاع قيمة عملاتها بشكل غير مبرر. وقد نتمكن ذات يوم من تحقيق قدر أعظم من التنسيق الوثيق للسياسة النقدية العالمية؛ ولكن في الوقت الحالي، كان من المنطقي أن تستجيب اليا��ان، ولو متأخرة، للتطورات في مكان آخر.

والواقع أن السياسة النقدية في الولايات المتحدة كانت لتصبح أكثر فعالية في حال تكريس المزيد من الاهتمام لمعوقات الائتمان ــ على سبيل المثال، مشاكل إعادة التمويل التي تواجه العديد من أصحاب المساكن، ولو حتى بأسعار فائدة أقل، أو افتقار الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم إلى القدرة على الحصول على التمويل. وإنني لأتمنى أن تركز السياسة النقدية في اليابان على مثل هذه القضايا الحرجة.

ولكن آبي لا يزال يحتفظ بسهمين في جعبته السياسية. والواقع أن المنتقدين الذين يزعمون أن التحفيز المالي في اليابان فشل في الماضي ــ ولم يسفر إلا عن إهدار الاستثمار في بنية أساسية عديمة الفائدة ــ يرتكبون خطأين. فأولا، هناك لدينا هنا حالة "ماذا لو": فكيف كان مستوى أداء الاقتصادي الياباني ليصبح في غياب التحفيز المالي؟ نظراً لحجم الانكماش في المعروض من الائتمان في أعقاب الأزمة المالية في أواخر تسعينيات القرن العشرين، فلم يكن غير المستغرب أن يفشل الإنفاق الحكومي في استعادة النمو. وكانت الأمور لتصبح أكثر سوءاً في غياب الإنفاق؛ والواقع أن البطالة لم تتجاوز نسبة 5,8% قط، بل إن معدل البطالة كان 5,5% فقط في أوج الأزمة المالية العالمية. وثانيا، كل من يزور اليابان فسوف يدرك الفوائد التي ترتبت على استثماراتها في البنية الأساسية (وبوسع الولايات المتحدة أن تتعلم درساً قيماً هنا).

وسوف يكمن التحدي الحقيقي في تصميم السهم الثالث، أو ما يشير إليه آبي بوصفه "النمو". وهذا يشمل السياسات الرامية إلى إعادة هيكلة الاقتصاد، وتحسين الإنتاجية، وزيادة مشاركة قوة العمل، وخاصة من قِبَل النساء.

ويتحدث البعض عن "إلغاء القيود التنظيمية" ــ وهي الكلمة التي اكتسبت سمعة سيئة عن حق، في أعقاب الأزمة المالية العالمية. والواقع أنه من الخطأ أن تلغي اليابان تنظيماتها البيئية، أو التنظيمات الخاصة بالصحة والسلامة.

والمطلوب الآن يتلخص في فرض القيود التنظيمية السليمة. ففي بعض المجالات، سوف يكون زيادة المشاركة النشطة من جانب الحكومة مطلوبة لضمان قدر أعظم من المنافسة الفعّالة. ولكن العديد من المجالات التي تحتاج إلى الإصلاح، مثل ممارسات التوظيف، تحتاج إلى تغيير الاتفاقيات الخاصة بتنظيم عمل القطاع الخاص، وليس التنظيمات الحكومية. وبوسع آبي أن يحدد درجة التنظيم، ولكنه لا يستطيع إملاء النتائج. على سبيل المثال، طلب آبي من الشركات زيادة أجور العاملين لديها، والآن تخطط العديد من الشركات بالفعل لتقديم مكافآت أكبر من المعتاد في نهاية العام المالي في مارس/آذار.

ولعل الجهود التي تبذلها الحكومة من أجل زيادة الإنتاجية في قطاع الخدمات تشكل أهمية خاصة. فاليابان في وضع جيد يسمح لها باستغلال التوافق بين قطاع الخدمات الرعاية الصحية المحسنة وقدراتها التصنيعية المتفوقة، في تطوير الأجهزة الطبية.

وبوسع السياسات الخاصة بالأسر، إلى جانب التغيرات في ممارسات العمل بالشركات، أن تعمل على تعزيز عملية تغيير الأعراف، على نحو من شأنه أن يؤدي إلى تعظيم مشاركة قوة العمل النسائية (وزيادة فعاليتها). وفي حين يحتل الطلبة اليابانيون مرتبة عالية في المقارنات الدولية، فإن الافتقار الواضح إلى الإلمام باللغة الإنجليزية، اللغة المشتركة للتجارة الدولية والعلوم، يضع اليابان في موقف غير مؤات في السوق العالمية. ومن المرجح أن تؤتي زيادة الاستثمار في البحوث والتعليم ثماراً قيمة.

هناك العديد من الأسباب الوجيهة التي تجعلنا نعتقد أن استراتيجية اليابان في إنعاش اقتصادها سوف تكون ناجحة: فالبلاد تتمتع بمؤسسات قوية، ولديها قوة عمل حسنة التعليم وتمتلك مهارات فنية متفوقة، وهي تقع في المنطقة الأكثر ديناميكية من العالم (أو لعلها الوحيدة؟). وهي تعاني من مستويات أقل كثيراً من التفاوت بين الناس مقارنة بالعديد من الدول الصناعية المتقدمة (ولو أنها أعلى من كندا ودول شمال أوروبا)، وهي تتمتع بسجل جيد وأطول أمداً في الالتزام بالحفاظ على البيئة.

وإذا تم تنفيذ الأجندة الشاملة التي وضعها آبي بشكل جيد، فإن الثقة المتزايدة اليوم سوف تصبح مبررة تماما. والحق أن اليابان من الممكن أن تصبح واحدة من الدول القليلة التي تحمل مشاعل الأمل في مشهد البلدان المتقدمة القاتم.

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali