Wednesday, October 22, 2014
0

المعقول واللامعقول بشأن استخدام القوة غير المتناسبة

مع استمرار الحرب في لبنان، أصبح مصطلح "القوة غير المتناسبة" متداولاً وكأنه يستند إلى قاعدة واضحة من قواعد القانون الدولي، تنبئنا متى تكون القوة غير متناسبة وما الذي يجعل اللجوء إليها غير قانوني. لكن وقوع خسائر في الأرواح بين المدنيين نتيجة للعمليات العسكرية لا يكفي لكي نقول إن "القوة غير المتناسبة" قد استخدمت. كما أن ذلك المعيار، أياً كان، لم ينطبق قط فيما إذا قتل أحد الطرفين المتصارعين أطفالاً أكثر من الذين قتلهم الطرف الآخر. ماذا يعني إذاً مصطلح "القوة غير المتناسبة"، وما هو مكانه من قانون الحرب؟

فلنرجع أولاً إلى الأساسيات. في القوانين الوطنية للدفاع عن الذات، لابد وأن يكون استخدام القوة ضرورياً ومتناسباً مع المصلحة المطلوب حمايتها في كل الأحوال. ومن بين الأمثلة الجيدة هنا ما إذا كان من حق صاحب أحد المتاجر أن يطلق النار على لصوص يفرون ببضاعته. إن لم تتوفر أي وسيلة أخرى لمنع اللصوص من الفرار، فإن استخدام القوة هنا يصبح ضرورياً.

ولكن هل يكون استخدام القوة على هذا النحو متناسباً؟ هذا يتوقف على ما إذا كان الثمن الذي سيدفعه اللصوص بإطلاق النار عليهم يفوق قيمة البضاعة المسروقة على نحو واضح إلى الحد الذي يتعين معه على صاحب المتجر ألا يفعل شيئاً، على الأقل في تلك اللحظة. فهو يستطيع دوماً اللجوء إلى الشرطة وهناك احتمال قائم بأن تنجح الشرطة في رد بضاعته المسروقة إليه. أو بعبارة أخرى، يصبح استخدام القوة غير متناسب حين تكون تكلفة اللجوء إليها أعلى مما ينبغي.

لكن هذا لا يعني أن القوة تصبح غير "متناسبة" لمجرد أن التكلفة تفوق المنفعة المتحققة من استخدامها. فالمرأة على سبيل المثال يحق لها أن تستخدم القوة القاتلة لكي تتجنب اغتصابها، حتى ولو تصورنا أن حياة المعتدي تفوق في الأهمية السلامة الجنسية للضحية المحتملة.

وكلما كان التهديد بوقوع الضرر البدني قائماً يصبح استخدام كل قوة ضرورية أمراً مباحاً. ولنتصور معاً أحد الإرهابيين يقتلع أسنان أحد ضحاياه واحدة بعد الأخرى، وأن الوسيلة الوحيدة لمنعه من ذلك هي بقتله. قد يرى أغلب الناس أن قتل المعتدي في هذه الحالة أمر مباح، حتى ولو كان الضرر الذي سيلحق بالمعتدي أعظم كثيراً من قيمة أسنان ضحيته.

كيف لنا أن نجزم إذاً ما إذا كانت القوة المستخدمة غير متناسبة؟ إنها في الحقيقة مسألة خاضعة لمناقشات مستديمة. فالعديد من الأنظمة القانونية اليوم تنص، فيما يتصل بجرائم السرقة على الأقل، على أن الضحية لابد وأن يتخلى عن أملاكه المسروقة إذا كان الخيار الوحيد المتاح أمامه هو قتل اللص.

ولكن فلنحاول تطبيق هذه المبادئ على النزاعات الدولية. يشتمل قانون الحرب على نطاقين مختلفين للدفاع عن الذات. الأول يدور حول مبررات الدخول في الحرب في المقام الأول؛ والثاني يتعلق باستخدام القوة في القتال أثناء الحرب، مثل قتل المدنيين الذين يهاجمون الجنود.

فيما يتصل بتبرير النزاع المسلح، يتفق الجميع على أن الدولة التي تدافع عن نفسها تستطيع أن تستخدم كل القوة الضرورية لصد الدولة المعتدية. فحين غزت الأرجنتين واحتلت جزر فوكلاند، كان من حق المملكة المتحدة اتخاذ ما تراه ضرورياً من إجراءات لطرد المحتل.

ولكن فلنفترض أن البريطانيين قاموا بقصف مدينة بيونس أيريس بالقنابل. لكي يُـعْـتَبر استخدام القوة ضرورياً فلابد وأن يتحقق نتيجة لاستخدامها مصلحة عسكرية مباشرة تساهم في إحباط الاعتداء. أي أنه ليس من المقبول أن نزعم أن قصف مدينة واقعة على البر الرئيسي للدولة المعتدية كان ضرورياً لحمل سكان الأرجنتين على ممارسة الضغوط على الهيئة السياسية العسكرية لإجبارها على الانسحاب من الجزر. من هنا فإن قصف مدينة بيونس أيريس في هذا السياق كان سيعتبر غير ضروري، وبالتالي فما كان من الممكن أن يعد في نطاق القوة المتناسبة.

يخلط محامو القانون الدولي عادة بين مفهومي الضرورة والتناسب، بزعم أن المفهومين ينطبقان على حروب الدفاع عن الذات. لكن الأمر ليس على نفس القدر من الوضوح الذي يتسم به القانون الجنائي الوطني. فلا علم لي بأية قضية في النسخة الدولية من إطلاق النار على لصوص فارين حيث أكدت أي محكمة أن استخدام القوة كان ضرورياً لكنه لم يكن متناسباً.

هناك سببان يجعلان القانون الدولي يتسامح مع استخدام كل (أو تقريباً كل) القوة الضرورية. الأول أنه في الصراعات الدولية يتعين على الجيش المدافع دوماً أن يحمي أرواح مواطنيه، وليس فقط ملكياتهم. والسبب الثاني أنه باستثناء حالات نادرة لا توجد قوة شرطة دولية يمكنها مساعدة دولة تدافع عن نفسها.

إن مشكلة القوة غير المتناسبة تحمل أبعاداً مختلفة في ساحة المعركة، وحين يكون الجنود بالفعل في حالة حرب. فمن بين جرائم الحرب، والتي تعد بالعشرات في القانون الدولي، لم يأت أحد قط على ذكر عنصر القوة غير المتناسبة. وكان الوصف الأقرب لهذا التعبير في قانون روما هو "القوة المفرطة".

يحرم القانون الدولي استهداف المدنيين عمداً، كما هي الحال في الهجوم على أهداف عسكرية على الرغم من العلم بوقوع "أضرار بالغة" بين المدنيين مقارنة بقيمة الهدف العسكري. ولكن لا يوجد معيار، أو حتى نظرية، لتحديد متى يترتب على استخدام القوة أضرار بالغة بين المدنيين المارين.

إن المشكلة المحددة في لبنان، وبصورة خاصة فيما يتصل بمسألة قصف إسرائيل لجنوب بيروت، تكمن في تقرير متى تشكل الأهداف مدنيين يحميهم القانون أو جزءاً من منظمة إرهابية عسكرية وبالتالي هدفاً مشروعاً للهجوم. والحقيقة أن ما لدينا من معلومات حول العديد من هذه الهجمات ضئيل للغاية، حتى أننا لا نستطيع أن نجزم ما إذا كانت على أهداف مدنية أو أهداف مشروعة. ومثل هذه الحالات تبين لنا متى تكون المفاهيم واضحة لكن الحقائق في نفس الوقت غامضة. لذا يتعين على الصحافيين والمراسلين المتواجدين على أرض المعركة أن يتحققوا من الأهداف العسكرية المتصلة بهذه الهجمات بدلاً من إصدار الأحكام على أساس عدد القتلى بين المدنيين، وهو الأمر الذي قد يكون ذا قيمة صغرى فيما يتصل بالتحليل القانوني.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured