Thursday, July 24, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

الديمقراطية الصامدة في السنغال

دكار ــ لقد شكك العديد من المعلقين في قدرة الديمقراطية في السنغال، تلك الدولة ذات الغالبية السكانية العظمى من المسلمين (95%)، على النجاة بعد انتخاباتها الرئاسية الأخيرة، حيث سعى الرئيس الشاغل للمنصب عبد الله واد على نحو مثير للجدال (وشبه قانوني فقط) إلى الفوز بفترة ولاية ثالثة. ولكن الديمقراطية الراسخة في السنغال لم تنج فحسب؛ بل إنها خرجت من الأزمة أقوى من ذي قبل. ولكن كيف؟

أولاً وقبل كل شيء، كان المواطنين السنغاليين، على النقيض من واد، عازمين على الالتزام بالأساليب السلمية. ورغم أن بعض المرشحين وجماعات المجتمع المدني اختارت استعراض القوة مع النظام، فإن الغالبية من السكان قرروا إلحاق الهزيمة بواد في صناديق الاقتراع ــ وهو النوع من الصبر واحترام التقاليد الانتخابية الذي يجب أن يكون مفهوماً تاريخيا.

ففي ظل الحكم الاستعماري الفرنسي، أجريت الانتخابات في اثنتين من بلديات السنغال، ثم أربع بلديات. ومنذ عام 1848 وحتى الاستقلال في عام 1960، انتخبت السنغال نائباً أصبح عضواً كامل العضوية في البرلمان الفرنسي كلما تحولت فرنسا إلى جمهورية جديدة، الأمر الذي أعطى الفرصة لنشوء مجتمع سياسي نشط، وصحافة حرة. وعلى الرغم من المحسوبية المستوطنة، فقد نجحت السنغال في الحفاظ على ممارساتها الانتخابية الأساسية طيلة العقود التي تلت الاستقلال. ولم يدم حكم الحزب الواحد طويلا (1966-1974) بالمقارنة بأي دولة مستقلة حديثاً في أفريقيا.

وتعمل التقاليد الديمقراطية في السنغال على صياغة توقعات المواطنين العاديين بعمق. ففي يونيو/حزيران 2011، حاول واد تعديل الدستور لإلغاء الجولة الثانية من التصويت في الانتخابات الرئاسية في حالة حصول المرشح المتقدم على 25% من الأصوات في الجولة الأولى، بدلاً من 50%. ولكن هذه المحاولة للانقلاب على الدستور أحبطت بفضل الاحتجاجات الحاشدة أمام البرلمان. وكانت شعارات مثل "لا تمس دستورنا" مصحوبة بشعارات مثل "ارحل يا واد"، والتي تذكرنا بالهتافات في تونس "ارحل يا بن علي".

ونجحت المقاومة الديمقراطية في منع التعديل وخلق احتمالات دحر محاولات واد للحصول على فترة ولاية ثالثة. ففي الجولة الأولى في السادس والعشرين من فبراير/شباط، أظهر الناخبون مستوى من الثقة في مؤسساتهم الانتخابية أعلى من ذلك الذي أظهره الممثلون السياسيين، الذين ألحوا في المطالبة بتأجيل الانتخابات، أو مقاطعتها، بدعوى أن سيطرة واد على أجهزة الدولة يجعل من إجراء انتخابات حرة ونزيهة أمراً مستحيلا.

ولكن كان المجتمع المدني الحسن التنظيم والصحافة المستقلة بمثابة الضامن لعدم إمكانية تزوير النتائج. على سبيل المثال، بمجرد إحصاء النتائج محليا، كانت تُعلن على الفور على الصعيد الوطني بواسطة قنوات التلفاز والإذاعة المستقلة، حتى عندما توقفت قنوات التلفاز الحكومية عن الكشف عن النتائج. كما ساعدت الضغوط الدولية، وخاصة من الولايات المتحدة فرنسا والاتحاد الأوروبي، في تهميش المتشددين في حاشية واد.

وفي الجولة الأولى البالغة الأهمية، صوت 35% من الناخبين لصالح واد. وكان أداء مرشحي المعارضة، مثل ماكي سال الذي راهن على الإقبال على التصويت بنسب عالية، أفضل كثيراً من أداء المرشحين الذين قرروا حمل الكفاح إلى الشوارع، أو الذين اعتمدوا على أمل تأجيل الانتخابات، فبدءوا حملاتهم الانتخابية في وقت متأخر جدا. وبحصول ماكي سال على 26% من الأصوات في الجولة الأولى، ضمن اسمه على ورقة الاقتراع في جولة الإعادة.

والواقع أن الناخبين، وخاصة في المدن السنغالية، أفشلوا محاولات شراء الأصوات ولم يلتفتوا إلى تعليمات بعض الزعماء الدينيين بالتصويت لصالح واد، الذي فشلت استراتيجيته العدوانية القائمة على المحسوبية السياسية والانقسامات العرقية بشكل واضح. وبانتهاك التناسب القائم على الاحترام والمساواة بين الجماعات العرقية والذي تتسم به التعددية في السنغال، أساء واد إلى أعداد من الناس تفوق كثيراً أولئك الذين نجح في اجتذابهم.

وفي الجولة الثانية، دعم جميع المرشحين غير الناجحين سال، كما تعهدوا من قبل. ومع توحد المعارضة بقوة، نجح سال في مضاعفة الأصوات التي حصل عليها في الجولة الأولى، فحصد 66% من الأصوات، في حين انهار الدعم الشعبي لواد. والتزم الجيش بتقليد عدم التدخل وأبلغ الرئيس صراحة بضرورة احترام النتائج.

إن هزيمة واد تشكل فرصة بالغة الأهمية تسنح للسنغال لإعادة هيكلة مشهدها السياسي. والواقع أن القالب المطلوب لعملية إعادة الهيكلة موجود بالفعل.

ففي مرحلة مبكرة من فترة ولاية واد الثانية، كانت محاولاته الحثيثة لتعظيم سلطاته كرئيس، والجهود التي بذلها للترويج لنجله كخليفة له، سبباً في دفع المعارضة وجماعات المجتمع المدني أثناء الفترة 2008-2009 إلى تنظيم سلسلة من الندوات حول الإصلاح السياسي، والتي عرفت باسم "الجلسات الوطنية". ولقد وقع كل مرشحي المعارضة على النتائج التي توصلت إليها، والتي عرفت باسم "ميثاق من أجل الحكم الديمقراطي".

ويدعو الميثاق إلى زيادة سلطات البرلمان، والاستقلال الحقيقي للسلطة القضائية، والرقابة الصارمة للسلطة التنفيذية. والآن الأمل قائم في أن يعمل سال والتحالف الداعم له (والذي لابد أن يحصل على الأغلبية في البرلمان الجديد بعد الانتخابات في أوائل يوليو/تموز) على تنفيذ هذه التوصيات.

لقد قدم مواطنو السنغال درساً قيماً لأولئك المتشككين في احتمالات الديمقراطية في أفريقيا والعالم الإسلامي. بل إن النجاح الديمقراطي الذي أحرزته السنغال مؤخراً يلزمنا بالإقران بشكل أوثق بين تجربتها وتجربة بلدان أخرى ذات أغلبية إسلامية ــ على سبيل المثال إندونيسيا وتركيا وربما تونس ذات الأغلبية العربية ــ والتي أحرزت نجاحات مماثلة.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured